يفتح في علامة تبويب جديدة

آراء: العراق بعد العاصفة: معركة السلاح وبناء النظام الإقليمي الجديد… بين واشنطن وطهران قد تظهر أنقرة

العراق بعد العاصفة: معركة السلاح وبناء النظام الإقليمي الجديد… بين واشنطن وطهران قد تظهر أنقرة

أحمد زلزلة

في قلب الشرق الأوسط الجديد وبعد التحولات المتسارعة منذ ٧ أكتوبر 2023 وإلى اليوم، لم يعد العراق مجّرد ساحة لتقاطع المصالح، إّنما دخل مرحلة من تَنافس القوى الإقليمية والدولية، وصل الى حد محاولة فرض شكل الدولة العراقية، وإحتكار القرار الأمني فيها عبر رسم بنية النظام السياسي، وتحديد طبيعة تموضع العراق في معادلة الأمن الإستراتيجي الجديدة.
ومع احتدام صراع التحولات الاقليمية، بدأ ملف “السلاح غير الرسمي” يحرج النخب العراقية الحاكمة، خاصة بعد تجاوز ذلك السلاح للجغرافية العراقية، وتجّرؤه بالهجوم او المساعدة في الهجوم على منشآت نفطية وعسكرية وتجارية في المنطقة، وهو تحرك يهدد بزيادة حجم أزمة الطاقة في العالم.

وتتعرض الحكومة العراقية إلى ضغوط أمريكية وخليجية متزايدة لوضع حد للهجمات التي تنطلق من أراضيها، وتتكرر التهديدات بتنفيذ عمليات “ردع عسكري” للفصائل المقّربة من إيران، كما فعل الطيران السعودي – الأمريكي في نهاية تموز يوليو الماضي، والطيران الأمريكي – الإسرائيلي في أوقاٍت سابقة عقب إندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية في شباط فبراير 2026، بينما تؤكد الحكومة العراقية بأنها لن تسمح لأي فصيل بإستخدام الأراضي العراقية لتهديد الأمن والسلم لدول الجوار والإقليم، دون ان تتمكن فعليا من تحقيق ذلك.

تتلخّص الضغوط الإقليمية والدولية، خلال المرحلة الحالية، في محاولة إنهاء تحرك الفصائل المسلحة بصورة منفصلة عن القرار الحكومي، عبر التنسيق مع القوات الأمريكية، وقبلها منع استهداف او تهديد دول الجوار.

تحقيق ذلك سيحيلنا الى سؤال جوهري: هل يمكن ان يشهد العراق تحولًا من النفوذ الإيراني “السياسي الأمني” الذي يعمل بموازاة الدولة حالياً، إلى نفوذ سياسي إقتصادي يعمل داخل كيان الدولة، بالشكل الذي يسمح للدولة العراقية بإحتكار القرار الأمني؟


من المحاور الكلاسيكية إلى إعادة بناء النظام الإقليمي

اللحظة الفاصلة في هذا المعترك كانت 7 أكتوبر 2023، التي ساهمت بإعادة بناء نظام إقليمي جديد قائم على كبح جماح القوى ما دون الدولة من أحزاب وجماعات مسلحة. وترّكزت العمليات على إضعاف إيران وشبكة حلفائها في المنطقة بدءا من سوريا ووصولا الى لبنان، ومعها تغيّرت قواعد الإشتباك ودخلنا مرحلة جديدة تعتمد على “كسر ممنهج للخطوط الحمراء” في المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وحلفائها من جهة .

في 13 حزيران يونيو 2025 أعلنت إسرائيل عن بدء عمليات عسكرية ضد إيران وهذا كان التحول الأخطر على الرغم من حتمية حصوله، وخلاله تم استهداف البرنامج النووي والقدرات الصاروخية ومنظومات الدفاع الجوي والقيادات العسكرية .
وإستطاعت خلال ساعات تحقيق تفوق جوي كامل على السماء الإيرانية، وبعدها تغير كل شيء فلم تعد العملية جولة محدودة الردع بل حربًا جوّية صاروخية مفتوحة!
النقطة المفصلية في حرب الإثني عشر يوما، كما باتت تعرف، كانت في 21 و22 حزيران 2025 عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب بصورة رسمية بقصفها المنشآت النووية الإيرانية في (فورودو – ناتانز – أصفهان) وهنا تغيّرت المعادلة كليا، وعلى الرغم من ان الولايات المتحدة إستخدمت القاذفات الإستراتيجية، لكن النتائج الفعلّية ومدى الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي لم تعرف بدقة، فهل هي أنهت البرنامج فعليا أم أخرته لسنوات فقط؟!

في صباح 28 شباط فبراير 2026 أعلنت الولايات المتحدة برفقة إسرائيل بدء عمليات عسكرية موّسعة ضد إيران لم يسبق أن حدث مثلها أبدا، فاغتالت ما يقارب 48 من القيادة الإيرانية من بينهم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي خامنئي ومعه عدد كبير من القادة رفيعي المستوى فضلا عن علماء نوويين، إضافة إلى استهداف عنيف للمنشآت العسكرية والمواقع المهمّة ومخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ ومصانعها كذلك.

كان المخطط للعملية والمتوقع هو إنهيار كامل لبنية النظام الإيراني، لكن النظام صمد وعاد للتحرك بسبب قدرته المبرمجة على إمتصاص الصدمات. وهنا يبرز سؤال آخر: هل يمكن للنظام هناك أن يتحمل مزيدا من الصدمات؟.. والى متى؟

إستعادت إيران أنفاسها لتبدأ هي الأخرى عملياتها العسكرية بالضد من إسرائيل من خلال قصف المواقع العسكرية والمطارات والمنشآت الصاروخية، وبشكل غير مسبوق أيضاً، كما بدأت بضرب مختلف القواعد الأمريكية في المنطقة.

لكن ذلك لم يرجع التوازن المفقود في معادلة القوة والردع السابقة في المنطقة، فالخسائر التي تكبدتها ايران على مستوى القيادة والبنية العسكرية والامنية وحتى الاقتصادية، لا يمكن ان تقارن بخسائر الجانب الاسرائيلي والأمريكي. كما ان فشلها في غلق مضيق هرمز بنحو كامل أملا في احداث صدمة كبرى في الاقتصاد العالمي لم يحصل، لذا كادت تفقد ورقة الضغط الكبرى تلك التي طالما ساومت عليها.


من سيملأ الفراغ بعد تراجع النفوذ الإيراني؟


وفق المؤشرات الحالية، سواء استمرت الحرب او انتهت باتفاق سياسي هو اقرب الى الاستسلام، فان ايران لن تعود كما كانت في السابق، وسيتراجع نفوذها نسبياً. ويبدو أن المرشح الأقرب سياسيا وجغرافيا وعسكريا لملئ الفراغ أو جزء من الفراغ الذي سيخلفه النفوذ الإيراني في المنطقة هي تركيا وليست أي دولة عربية رغم تنامي الحضور السعودي. وتجربة أنقرة في سوريا بعد انهيار النفوذ الايراني هناك، تؤكد قدرة تلك البلاد على الاستفادة من فشل الآخرين.

وعلى الرغم من مشاكلها الكثيرة مع العراق، الا أن تركيا ستكون مجددا المستفيد الإقليمي الأبرز من تراجع النفوذ الإيراني. وتثير طبيعة العلاقات التركية – الخليجية في السنوات الأخيرة الكثير من الأسئلة لأنها تعمقت بشكل لم يكن متوقعا، ومن الواضح انها تسعى لإعادة رسم خارطة طرق التجارة والطاقة في الشرق الأوسط بما يصب في مصلحتها بعد إنتهاء الحرب.

وهنا تجدر الملاحظة أن تركيا لا يمكن أن تكون إيران التي عرفناها لأن الأدوات والظروف والمنهج والفلسفة والإدارة مختلفات تماما.
ويعتمد النموذج الذي تقدمه تركيا على مجموعة من العوامل أهمها:
• الإستثمار والتجارة
• القوة العسكرية والصناعات الدفاعية والتكنولوجية
• الدبلوماسية
• الطاقة
• إدارة العلاقات والسياسة الخارجية
• النفوذ في سوريا
• الطموح في توسيع النفوذ في العراق
• عضوية الناتو

ونجحت تركيا في السنوات الأخيرة بالتحرك بين المتناقضات مستفيدة من موقعها وعلاقاتها مع الجميع، فتحركت بين واشنطن – طهران – موسكو – الخليج – العواصم الأوروبية، دون أن تُحسب على محور، وهذه نقطة مهمة تحسب للسياسة الخارجية التركية.
ومن المرجح أن تعمل تركيا بهدوء لرفع مستوى نفوذها داخل العراق، اولا من بوابة ملفات طريق التنمية ورفع مستوى التجارة وطرق نقل الطاقة الى أوربا وحتى على مستوى حماية أمن الحدود من خلال علاقاتها الممتازة مع اقليم كردستان وهيمنتها المطلقة على سوريا.

لكن هل ستسمح إسرائيل بتوسع النفوذ التركي في العراق، كما فعلت في سوريا؟ باعتبار ان ذلك بالنتيجة غير مريح لها وهي لا تريد منافسا لها في المنطقة، لا على ممرات الطرق الدولية الجديدة ولا على خطوط الطاقة.

الحضور الأمريكي .. والقوة السعودية

يبرز الحديث عن ملء الفراع الايراني، في ظل تغير رؤية الولايات المتحدة الأمريكية، والمتمثلة بانهاء تورطها في الحروب الأبدية في المنطقة، والتوقف أو التخفيف من تدخلاتها المباشرة على الأرض.

فواشنطن لم تعد ترى هناك ضرورة لإعادة نموذج الإحتلال والهيمنة المباشرة والإدارة الصريحة للمنطقة، في وقت هي تركز على صراعها القادم في منطقة بحر الصين الجنوبي (تايوان) فالحديث عن أهمية الانتصار في ذلك الصراع يظهر على أَلسِنة كبار القادة في الولايات المتحدة.
وهذا لا يعني التخلي عن الشرق الأوسط، لكن تغيير طبيعة السيطرة عليه، بما يخدم تنفيذ الاجندات وضمان ادامة المصالح الاستراتيجية بأقل كلف مالية ممكنة.

في ظل الواقع الجديد، تبرز السعودية أيضا كلاعب قوي، لكن المملكة التي تملك مقومات الصعود في المنطقة، بحكم قدراتها المالية ومكامن الطاقة والثقل العربي والعلاقات العالمية، تفتقد الثقل السكاني والعسكري عبر الصناعات الدفاعية، كما ان جغرافية وجودها ربما لا تؤهلها بنحو حاسم لتلك المهمة، الى جانب افتقاد جزء من حرية اتخاذ القرار والتحرك.

لكن يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحا هو أن من سيملأ فراغ النفوذ الإيراني في المراحل القادمة، مجموعة من الدول، تختص كل واحدة بملف أو أكثر (تركيا – مصر – السعودية – باكستان) إذ ستتوزع مناطق النفوذ على إختلاف المصالح وهذا لا يعني غياب تام للدور الإيراني بالطبع.
وترى بعض مراكز الدراسات، أن إسرائيل هي من ستكون المستفيد الأول، وستشغل جزء مهم من الفراغ الذي ستخلفه إيران. لكن هذا الاحتمال يظل ضعيفا وربما منافيا للمنطق، لأن الفواعل الداخلية العربية والشرق أوسطية لا يمكن لها أن تتقبل هذا النوع الصارخ من سيادة تل أبيب على المنطقة، وأي إتفاقيات أو تفاهمات تقود الى ذلك، خاصة ان مستوى التعقيد أكبر بكثير من امكانية حدوث هكذا صفقات.
ربما ستكون إسرائيل راعية التفوق العسكري والتكنولوجي في الشرق الأوسط، لكنها لا يمكن أن تكون الدولة التي ترعى أو تحكم وتضبط كل ايقاع المنطقة.


الغياب العراقي عن المشهد


وسط التحولات الاقليمية المتوقعة، نرى الغياب العراقي من المشهد، بسبب المشاكل التي يعانيها، فالدولة مازالت ضعيفة ولم تصل الى مرحلة التعافي وسط تعدد مصادر القرار، والحكومة تعيش صراعات وتواجه تحديات، كما انها مازالت غير مكتملة التشكيلة نتيجة الخلافات على تولي عدد من الحقائب الوزارية، وهناك تحديات اقتصادية كبيرة في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

وسط هذه التحديات لا يملك العراق فرصة للعب أي دور في المعادلة الأقليمية الجديدة، طالما انه لم يستطع حل مشاكله البنيوية، خاصة ما يتعلق بوحدة القرار وانهاء الانقسامات الأمنية نتيجة وجود فصائل خارج سلطة الدولة وقرارها.

وتعد مشكلة انتشار السلاح خارج الدولة، بما يحمله للجهات المالكة له من سلطة، مسألة معقدة جدا ولا يمكن حسمها بمجرد قرار من مجلس الوزراء أو رغبات أمريكية بنزع السلاح. ففي العراق فصائل مسّلحة ترتبط بنيويا بالنظام السياسي وقرار بعضها يخضع لجهات خارجية. كما يعتقد بعض القادة البارزين أن النظام السياسي بشكله الحالي والحاكمية الشيعية على وجه الخصوص لا يمكن لهما الإستمرار دون وجود هذا السلاح، ولهذا سعت لتقنينه وتكييفه في أطر قانونية لإضفاء الشرعية له وإستدامة وجوده.
وسيظل العراق طوال الفترة الحساسة المقبل، التي ستشهد تحولات اقليمية، منشغلا بهذا الملف بشكل أساسي.

نزع السلاح واحتكار العنف

في الفترة الأخيرة وبعد دعوات الحكومة والضغوط الخارجية وافقت فصائل عديدة على التخلّي عن كامل الأجنحة المسّلحة والتوجه للعمل السياسي والحزبي، وبعضها وافق على تسليم السلاح إلى المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، لكن ماتزال التفاصيل ضبابية بشأن كيفية تسليم الأسلحة ونوعيتها ومصير الأفراد في الجماعات التي تملكها؟

على الجانب الآخر هناك عدة فصائل تمثّل تحديا كبيرا أمام خطة احتكار الدولة للقرار الامني. وما يعقد الحسم هو ان هذه الفصائل ترتبط ارتباطا مباشرا بالحرس الثوري الايراني وترفض ان تخضع بأي شكل من الأشكال لتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة في العراق.
وبعد أن حددت الحكومة العراقية نهاية حزيران يونيو 2026 كموعد نهائي لنزع السلاح ستجد نفسها أمام مأزق كبير إذا رفضت هذه الفصائل تسليم سلاحها او حتى تنظيمه او تجميده.
وتتعدد السيناريوهات المرتبطة بهذا الموضوع:
– موافقة كل الفصائل على تجميد عملها العسكري، وتنظيم سلاحها، بعد الإنسحاب التام للقوات الأمريكية من الأراضي العراقية، وبشروط محددة، مقابل حصولها على امتيازات، مع التأكيد على تحديد شكل العلاقة مع إيران في المرحلة القادمة.
– توافق الفصائل على تنظيم سلاحها والانضمام الى الحشد الشعبي، والإندماج بالعملية السياسية، مع المضي الى انتخابات مبكرة لضمان تمثيلها في السلطة.
– ترفض بعض الفصائل تسليم سلاحها، وتحدث مواجهة مسلّحة بينها وبين الحكومة العراقية وربّما بدعمٍ معلوماتي أمريكي، وهذا هو السيناريو الأخطر، خاصة مع الدعم الايراني لتلك الفصائل وامتلاكها صواريخ وأسلحة ثقيلة وطائرات مسيرة متطورة.

أي مواجهة من هذا القبيل، لها تداعيات كبيرة، خاصة ان كل طرف مدعوم من جهة خارجية، وهو ما سيشكل ضربة قوية للاطار الشيعي الحاكم، وسيمثل زلزالا داخل البيت الشيعي الذي يعيش انقسامات في المواقف، وربما سيشكل إنعطافة هي الأصعب منذ تأسيس النظام السياسي ما بعد 2003 وإلى اليوم.

وما لم يخرج العراق من هذه الدائرة المغلقة وينهي الانقسامات الأمنية والسياسية العميقة التي تؤثر على وحدة القرار وتحديد استراتيجية العمل “السياسية- الاقتصادية”، سيظل عاجزا عن لعب أي دور اقليمي، بل سيكون مجرد ساحة لتصفية الحسابات وتعزيز النفوذ الخارجي وخدمة مصالح الآخرين.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35864}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">