يفتح في علامة تبويب جديدة

تحقيقات استقصائية: 13 ألف مولد كهرباء تلوّث بيئة بغداد وتلاحق الأهالي بضوضائها! 

13 ألف مولد كهرباء تلوّث بيئة بغداد وتلاحق الأهالي بضوضائها! 

بوجود أكثر من 13 ألف مولد كهرباء/ديزل تجاري، منتشرة في أرجاء العاصمة، تعمل لأكثر من 12 ساعة يومياً مطلقةً ادخنتها السامة في الهواء، ترتفع المخاطر الصحية، ومعها تستقبل المستشفيات وبنحو مستمر أطفالاً ومسنين يعانون من مشاكل في الجهاز التنفسي واضطرابات في النوم الى جانب التوتر العصبي الدائم

في حي الطابقين جنوب العاصمة بغداد، لم يعد الليل يمنح الأهالي هناك، السكينة المعتادة، إذ فرض افتتاح المجمع التجاري (مول العراق) في آذار/ مارس 2026 تشغيلاً صناعياً متواصلاً على مدار الساعة، معتمداً كلياً على منظومة مولدات ديزل عملاقة تفتقر الى العوازل الهندسية وكواتم الصوت. 

هذا الضجيج لم يتوقف عند أسوار المنشأة، بل تسلل إلى الأزقة السكنية المجاورة في شارع المصفى وامتدادات حي الجمعية، ليفرض متغيراً طارئاً على أهالي منطقة الدورة الذين اعتادوا ولعقود التعايش مع الانبعاثات الهوائية لمصفى النفط ومحطة الكهرباء، قبل أن تحاصرهم المولدات التجارية بصدمة صوتية واهتزازية غير مسبوقة. 

سيف محمد (43 سنة) موظف في وزارة التعليم العالي، أحد المتضررين الساكنين بالقرب من المول، يؤكد أن “المعاناة هنا لا تتوقف لدقيقة واحدة على مدار اليوم، المول يعمل بالكامل على مولدات ديزل ضخمة بلا كواتم صوت حقيقية لأن المشروع يفتقر الى الكهرباء الوطنية”.

وبسبب ذلك يشير محمد إلى أن الضجيج “مستمر ليلاً ونهاراً من دون انقطاع، وقد تحولت بيوتنا إلى أماكن لا تطاق، وصار فتح نافذة لتجديد الهواء أو الجلوس في حديقة المنزل أمراً مستحيلاً بفعل الصوت العالي الذي يخترق غرف النوم ويهز النوافذ”. 

ويستدرك: “نحن في منطقة الدورة نتحمل أساساً عبء التلوث الناجم عن انبعاثات المصفى وغازات محطة الكهرباء، واليوم يضاف هذا الضجيج اليومي والدخان الأسود الكثيف ليجعل المنطقة بالكامل غير صالحة للعيش الآمن”. 

بوجود أكثر من 13 ألف مولد كهرباء/ديزل تجاري، منتشرة في أرجاء العاصمة، ولا سيما المناطق السكنية، وتعمل لأكثر من 12 ساعة يومياً، فإن المخاطر الصحية تكون مرتفعة، حسبما يؤكد طبيب تخصص عام، فضل عدم ذكر اسمه. يقول إن المستشفى الذي يعمل فيه يستقبل بنحو مستمر أطفالاً ومسنين يعانون من اضطرابات في النوم والتوتر العصبي الدائم، بسبب “التلوث الضوضائي، الى جانب مرضى الجهاز التنفسي بسبب الثلوث الهوائي”.

ويضيف: “نعرف أن رفع المولدات في بلد ينتج نحو نصف حاجته من الطاقة، أمر مستحيل، لكن كل ما نطالب به هو إلزام أصحاب المولدات، بخاصة الكبيرة التي تشغل في المولات والمجمعات السكنية، بتركيب كواتم حقيقية وعوازل تمنع هذا الضرر، ومداخن نظامية تبعد الدخان الأسود عن منازلنا لنتمكن من العيش بسلام”.

“العيش بسلام” هذا تحديداً ما يتمناه الكثير من سكان بغداد، الواقعين تحت الضغط اليومي للضوضاء بسبب مولدات الكهرباء الكبيرة العائدة الى منشآت داخل الأحياء السكنية أو تلك التي تمد الأهالي بالكهرباء منذ أكثر من ثلاثة عقود لتعويض النقص في الكهرباء التي تنتجها محطات التوليد الحكومية. 

يسلط هذا التحقيق الضوء على نماذج من مصادر الضوضاء(تلوث صوتي)وتأثيرها النفسي والصحي على السكان، وسبل معالجة الأمر أو على الأقل التقليل من أضراره. 

معاناة يومية.. وأضرار صحية ومالية

في الجانب الغربي من العاصمة، وتحديداً في حي العامرية السكني، لا يتوقف أثر التمدد التجاري العشوائي عند حدود الإزعاج العابر، بل يتعداه إلى إجبار عائلات على الانتقال، وتكبيد السكان خسائر صحية وعقارية ملموسة. 

فعلى بعد أمتار قليلة من الجدار الخلفي لمول العامرية، تواجه المنازل المقابلة لمنظومة التوليد ضوضاء متواصلة وانسكابات وقود منذ ثلاث سنوات من دون معالجة حقيقية، على الرغم من صدور إنذارات رسمية سابقة، بحسب الأهالي هناك. 

ولم يقف الضرر عند حدود الإزعاج، بل امتد لضرب القيمة العقارية واستقرار السكان النفسي، إذ يروي المواطن أحمد صبري(47 سنة، كاسب) معاناة السكان بقوله: “ثلاث عائلات من جيراننا الملاصقين للمول اضطرت لبيع منازلها بأسعار بخسة تقل بنحو 25 مليون دينار عراقي عن قيمتها السوقية، فقط للفرار من الضوضاء والاهتزازات التي لاحقت أفرادها داخل غرف نومهم. واليوم يعجز جاري الآخر عن بيع منزله بعدما عزف المشترون عن السكن قرب المولدات”.

سحب الدخان الكربوني المتصاعدة من عوادم مولدات مول العامرية وآثار السخام في واجهة المبنى المطلة على المساكن 

وتطابقت شهادة صبري مع إفادات مكاتب عقارية في منطقة العامرية استطلعتها معدة التحقيق، والتي أكدت تسجيل هبوط في القيمة البيعية والإيجارية للوحدات السكنية الملاصقة والمقابلة للمراكز التجارية أو المطاعم.

ويضيف صبري، مستنداً إلى تشخيص طبي عائلي، أن نوبات الغضب والتوتر الحاد التي عانى منها طويلاً تبين أنها استجابة فيزيولوجية ونفسية للقلق المزمن الناتج من التعرض اليومي المتواصل لترددات المولدات واهتزازاتها، التي لم تنجح معها العوازل المنزلية. ويتسائل: “كيف تُمنح إجازة بناء وتشغيل لمول تجاري ضخم داخل بيئة سكنية من دون دراسة تقييم أثر بيئي تقيس حجم الضرر المترتب على الجوار؟”.

فيديو العامرية مول

الأمر ذاته يتكرر في منطقة اليرموك، في جانب الكرخ بالعاصمة بغداد، فعلى بعد أمتار معدودة من الجدار الخلفي لنادي اليرموك الترفيهي، تحولت حياة المواطن عمار خميس(37 سنة، مهندس مدني)، وأسرته إلى معايشة مع الضجيج المستمر.

يقول بكثير من الأسى: “الصوت دمرنا حرفياً ولا يوجد أي حل حتى اللحظة، نعيش صباحاً ومساءً وسط طنين مستمر واهتزازات لا تتوقف داخل المنزل على رغم ابتعادنا أمتاراً عدة عن موقع المولدات”. 

هذا فضلاً عن الروائح الخانقة والدخان الذي يملأ الشارع ويصل إلى المدرسة الملاصقة للنادي، وتسرب المياه الآسنة المحيطة بالمكان، حسب وصفه. ويتابع: “لم نترك باباً رسمياً إلا وطرقناه، قدمنا شكاوى رسمية عبر قسم الشكاوى في أمانة بغداد وبلدية المنصور منذ عامين، وجددناها قبل أشهر، لكن مناشداتنا قوبلت بتجاهل تام من دون أي معالجة ميدانية”. 

فيديو نادي اليرموك 

العبء الوبائي والتآزر السمي: 

كيف يفتك الضجيج الميكانيكي بالصحة؟

تحذر الدلائل الإرشادية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية لعام 2018، من أن تجاوز مستويات الضوضاء البيئية سقف 53 ديسيبل نهاراً و45 ديسيبل ليلاً ينقل التلوث الصوتي من مجرد مصدر إزعاج إلى مسبب مباشر لاعتلالات صحية وبائية خطيرة.

وتوضح المراجع الطبية أن التعرض المستمر لموجات صوتية تتخطى عتبة الـ75 ديسيبل يطلق حالة تأهب وإجهاد دائمة في الجهاز العصبي عبر تنشيط محور الغدة النخامية-الكظرية، ما يحفز الغدد على إفراز شحنات متواصلة من هرموني الكورتيزول والأدرينالين. وهذا التدفق الهرموني القسري يقود إلى انقباض مزمن في الأوعية الدموية، وارتفاع ضغط الدم، وتصلب الشرايين التاجية، والإصابة بأمراض نقص تروية القلب.

ولا تتوقف التداعيات الفيزيولوجية عند هذا الحد؛ فالاهتزازات منخفضة التردد المصاحبة لمحركات الديزل، تؤدي وفقاً للمتخصصين، إلى تفتيت بنية النوم الطبيعية وحرمان الدماغ من مراحل النوم العميق، في حين يُلحق التعرض طويل الأمد لمستويات تفوق الـ55 ديسيبل أضراراً يصفونها بالفادحة لنمو الأطفال، تتجلى في ضعف التحصيل الأكاديمي، وتراجع مهارات القراءة، وتشتت الانتباه العصبي المستمر.

برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يصنف الضوضاء، خطراً بيئياً يضاهي تلوث الهواء، محملاً إياها في القارة الأوروبية وحدها مسؤولية التسبب بـ 48 ألف إصابة سنوية جديدة بأمراض القلب و12 ألف حالة وفاة مبكرة.

وفي بغداد، تؤكد التقديرات الميدانية أن أكثر من 80 في المئة من السكان يتعرضون لإجهاد ضوضائي حاد يتخطى المعايير الآمنة عالمياً ومحلياً. وتتضاعف هذه الخطورة عبر ظاهرة “التآزر السمي” الناجمة عن تضافر الضجيج الميكانيكي مع استنشاق الجسيمات العالقة الدقيقة (PM2.5) ومركبات الهيدروكربونات العطرية المنبعثة من عوادم الديزل غير المفلترة، ما يفاقم خطر الإصابة بالنوبات الوعائية القلبية والجلطات المفاجئة بين قاطني المناطق المحاصرة.

الكشف البيئي إنذار الستين يوماً لمول العامرية

أمام تصاعد الشكاوى والأدلة الميدانية، نفذت مفارز مديرية بيئة بغداد، بالتنسيق المباشر مع شرطة بيئة الكرخ، كشفاً موقعياً في 22 من تموز/ يوليو 2026 على منظومة توليد مول العامرية غربي العاصمة. وأسفر التدقيق الرقابي وفقاً للمديرية، عن تثبيت ثلاث مخالفات بيئية جسيمة: “انبعاث أدخنة سوداء كثيفة تخنق الأحياء المجاورة، وتجاوز مستويات الضوضاء للحدود البيئية المسموح بها قانونياً، وتصريف الانسكابات الزيتية ومخلفات الوقود مباشرة في شبكة المجاري العامة”.

فريق رقابي من مديرية بيئة بغداد وشرطة بيئة الكرخ يوثق ميدانياً تجاوز مستويات الضوضاء القانونية في الزقاق السكني المحاذي لمول العامرية (22 تموز/ يوليو 2026).
برك الانسكابات الزيتية ومخلفات الديزل المحيطة بمنظومة التوليد في مول العامرية قبل تصريفها غير القانوني نحو شبكة الصرف الصحي. 

وعلى الرغم من أن قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009 يحدد في مادته (33) مهلة إنذار لا تتجاوز العشرة أيام يصار بعدها إلى الغلق الإداري، إلا أن وزارة البيئة منحت المنشأة مهلة استثنائية بلغت (60) يوماً لمعالجة المخالفات، وهو ما يوضحه مدير عام دائرة التوعية والإعلام البيئي، أمير حسون، مؤكداً أن الوزارة وجهت إنذاراً رسمياً ملزماً لإدارة المولدات بوجوب إزالة التجاوزات وتركيب الكواتم والفلاتر النظامية خلال هذه المهلة تحت طائلة الإغلاق التام والإحالة إلى القضاء المختص، مع استمرار المتابعة الميدانية لتدقيق مراحل المعالجة وشمول باقي المواقع المخالفة بالإجراءات ذاتها.

متاهة المسؤوليات:

 أين تقف أجهزة الدفاع المدني؟

على الجانب الآخر من المشهد، يضع جهاز الدفاع المدني العراقي انتشار المولدات التجارية داخل الأحياء السكنية ضمن خانة “واقع الحال” المفروض نتيجة انقطاعات المنظومة الوطنية، متبرئاً من مسؤولية تحديد مواقعها أو ترخيص وجودها على الأرصفة والممرات المحاذية للمنازل. 

ويوضح المتحدث الرسمي باسم المديرية، نؤاس صباح، أن “الصلاحية المكانية تعود حصراً إلى أمانة بغداد والدوائر البلدية، بينما ينحصر دور الدفاع المدني في إجراء كشوفات دورية للتحقق من تدابير الإطفاء وعزل خزانات الوقود عن المحركات لتفادي حوادث الاشتعال.

وفيما يخلي الدفاع المدني مسؤوليته عن غياب الكواتم والاهتزازات الميكانيكية باعتبارها اختصاصاً حصرياً لوزارة البيئة، يقر صباح بأن جوهر الأزمة يكمن في تشتت المسؤوليات بين أربع جهات رسمية تعمل في “جزر معزولة” حسب تعبيره، وهي: أمانة بغداد المسؤولة عن الرخص والمواقع، ووزارة الكهرباء، ووزارة البيئة المعنية بالتلوث والضوضاء، والدفاع المدني المعني بإجراءات السلامة “في ظل غياب تام لأي مظلة تنسيقية ملزمة تنهي هذا التشظي الرقابي”.

التشوّه الحضري وعجز الحلول الفردية

يقدم المعمار والأكاديمي د. بلال سمير علي، تشخيصاً تخطيطياً وهندسياً لأصل الأزمة، مؤكداً أن زرع الكتل الاستثمارية الضخمة في قلب النسيج السكني يمثل تشوهاً حضرياً بنيوياً يجرد الأحياء من وظيفتها الأساسية في تأمين السكينة والأمان، فضلاً عن إحداث اختناقات مرورية وضغط يفوق الطاقة التصميمية لبنى تحتية متهالكة.

ويفسر د. بلال، فيزيائياً، سبب حتمية فشل الحلول الدفاعية الفردية التي يلجأ إليها السكان، ويوضح: “محاولات الأهالي لتركيب الزجاج المزدوج أو الستائر العازلة مصممة للتعامل مع الضوضاء المحمولة جواً فقط، لكنها تقف عاجزة تماماً أمام الاهتزازات الميكانيكية الترددية المنخفضة لمحركات الديزل، فهذه الطاقة الحركية تسري مباشرة عبر باطن التربة وتخترق الأساسات الخرسانية، محولة أعمدة البيوت وجدران غرف النوم نفسها إلى ألواح رنين واهتزاز مستمر”.

ويشدّد على أن المعالجة الهندسية لحماية الجوار لا تقبل الارتجال بل تستوجب إلزام المنشأة بتطبيق منظومة كبح من المصدر الأساسي، ويقول: “المعيار الفني الصارم يفرض تحديد سقف –ديسبل- ملزم عند أقرب واجهة سكنية مقابلة”.

 وهذا يتحقق وفقاً لـ د.بلال، عبر تدابير هندسية قياسية معروفة ومتاحة: “تزويد العوادم بكواتم صوت صناعية، وتثبيت المولدات على وسائد ونوابض ماصة للاهتزاز، وحصر المنظومة بالكامل داخل حجرات فنية معزولة صوتياً وموجهة نحو فضاءات خدمية بعيدة عن البيوت، بدلاً من تركها مكشوفة على الأرصفة كخيار لتقليص النفقات على حساب بيئة السكان وصحتهم”.

الأساس الدستوري والتعطيل الرقابي:

 نصوص قانونية تصطدم بضعف الإنفاذ

يكفل الدستور العراقي في مادته (33) حق كل فرد بالعيش في بيئة سليمة، وهو ما قننه قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009 ونظام المحددات البيئية رقم (3) لسنة 2011 بحظر تجاوز سقف الضوضاء في الأحياء السكنية والبالغ 55 ديسيبل نهاراً و45 ديسيبل ليلاً.

 كما يرسي القانون في المادة (32) مبدأ “المسؤولية المفترضة” التي تلزم مسبب التلوث برفع الضرر والتعويض من دون اشتراط إثبات الخطأ الشخصي، ويمنح وزير البيئة صلاحية توجيه إنذار بمهلة عشرة أيام يعقبه الغلق الإداري للمنشأة، فضلاً عن عقوبات المادة (34) التي تصل إلى الحبس والغرامة المالية حتى 20 مليون دينار تتضاعف مع تكرار المخالفة.

وعلى الرغم من هذه المنظومة التشريعية، فأن تقرير تقويم الأداء المتخصص لأداء وزارة البيئة في الرقابة والتفتيش وفرض الغرامات، وكذلك تقارير تدقيق حسابات “صندوق حماية وتحسين البيئة” تتحدث عن فجوة رقابية تعطل الإنفاذ.

 إذ توثق البيانات الرسمية أن نسبة تحصيل الغرامات المفروضة لا تتجاوز الـ12 في المئة نتيجة البطء البيروقراطي وغياب آليات الجباية الإلزامية. كما تتحول أوامر الغلق الإداري غالباً إلى قرارات ورقية غير منفّذة لافتقارها إلى الإسناد الأمني المباشر، متزامنة مع محدودية إمكانات جهاز “الشرطة البيئية” من حيث الكوادر ومعدات الرصد الميداني، ما يفرغ النصوص الرادعة من قدرتها على كبح المخالفات.

التجريف الوظيفي للأحياء: 

خريطة الأرقام وتجاوز المخطط الأساس

تكشف الدراسات الأكاديمية المتخصصة في التخطيط الحضري والهندسة البيئية، المنشورة ضمن مستودع المجلات العلمية المحكمة في جامعتي بغداد والمستنصرية (IASJ)، أن أكثر من 40 في المئة من الواجهات السكنية المطلة على الشوارع التجميعية في قواطع المنصور والكرخ واليرموك والعامرية والكرادة في العاصمة بغداد، قد تعرضت لعمليات تحويل وتجريف وظيفي غير قانونية، لتحلّ محلها كتل تجارية ومطاعم ومجمعات غير مدرجة في مخططات النقل الأساسية، ما ضاعف الكثافة المرورية إلى ثلاثة أضعاف الطاقة التصميمية لتلك الشوارع.

وتؤكد إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء ومسوح وزارة التخطيط أن خريطة الطاقة البديلة غير المنظمة تضم ما بين 48 ألفاً إلى 49 ألف مولد ديزل أهلية وتجارية، وتستأثر بغداد بالنصيب الأكبر بوجود ما يزيد عن 13 ألف مولد تجاري تعمل داخل التجمعات السكانية.

 في حين تكشف البيانات البيئية أن نسبة المولدات الملتزمة بتركيب كواتم صوتية مطابقة للمواصفات الهندسية لا تتعدى الـ5 في المئة، ما يطلق أمواج الضوضاء الحرة لتتجاوز الحدود القانونية بنحو 35 ديسيبل داخل الأزقة الضيقة.

غياب الردود الرسمية

التزاماً بالمعايير المهنية المعتمدة في الصحافة الاستقصائية وضماناً لحق الرد، توجهت معدة التحقيق بسلسلة من الاستفسارات والأسئلة الموثقة إلى الجهات الحكومية والإدارات التجارية المسؤولة عن هذه المنشآت. 

وشملت المخاطبات الرسمية كلاً من: أمانة بغداد للاستفسار عن معايير منح رخص البناء والتشغيل للمولات داخل النسيج السكني والرقابة على مصبات الوقود، والهيئة الوطنية للاستثمار وهيئة استثمار بغداد لتقصي آليات إلزام المشاريع الاستثمارية بدراسات تقييم الأثر البيئي ومحطات التغذية الخاصة، ووزارة الكهرباء بشأن أسباب ترك منشآت تجارية ضخمة تعتمد كلياً على التوليد المستقل داخل الأحياء.

كما تواصلت معدة التحقيق بصورة مباشرة مع إدارات المنشآت المعنية: إدارة مول العراق في منطقة الدورة، وإدارة مول العامرية، وإدارة نادي اليرموك الترفيهي، وزودتها بأسئلة تفصيلية بشأن أسباب التقاعس عن تركيب منظومات الكتم والعزل الصوتي المعتمدة، وغياب المعالجة الفنية للانبعاثات والمخلفات السائلة، وموقفها من الشكاوى الرسمية للأهالي المجاورين.

وعلى الرغم من منح الجهات الحكومية والإدارات التجارية  كافة المهلة الزمنية الكافية للتعليق والتوضيح، إلا أن معدة التحقيق لم تتلقَ أي رد رسمي أو توضيح من أي طرف منها حتى تاريخ وتوقيت نشر هذا التحقيق.

حلول فردية مكلفة

على بعد أمتار قليلة من الجدار الخلفي لمول العامرية، قرر عمر الجنابي (40 سنة)، ألا ينتظر نتائج الإنذارات الرسمية أو روتين اللجان الرقابية، مفضلاً خوض محاولة فردية مكلفة لحماية عائلته من الضجيج المتواصل. 

فاضطر الجنابي، الذي يعمل موظفاً في شركة اتصالات، إلى استبدال نوافذ منزله القديمة كافة وتركيب زجاج عازل مزدوج (دبل جام) عالي الكثافة مع تدعيم الإطارات بمواد مانعة للتسرب، في خطوة كلفته نحو خمسة ملايين ونصف المليون دينار عراقي من مدخراته (ما يقارب الـ4 ألف دولار أميركي)

وذلك أملاً بتوفير حد أدنى من السكينة لوالدته المسنة التي تدهورت حالتها الصحية وباتت تعاني من أرق دائم بفعل الضوضاء، وعلى الرغم من أن هذه الخطوة قللت بالفعل من حدة الصخب الهوائي المباشر مقارنة بالسابق، إلا أنها لم تمنح المنزل السكون المطلوب، على حد تعبيره.

ويضيف: “الوضع بالتأكيد لم يعد كما كان سابقاً، والضرر لم يختفِ تماماً. فقد تحول الصوت العالي إلى طنين منخفض ومستمر يشبه النبض الخافت داخل الغرف، تحديداً في غرفة والدتي، فالاهتزازات تمر عبر الجدران والأرضيات ولا يمكن لشبابيك العزل مهما بلغت جودتها أن توقفها بالكامل”. 

يفكر قليلاً، ثم يتابع بحدة: “اضطررت لدفع ملايين الدنانير من جيبي فقط لأشتري قدراً من الراحة داخل منزلي، بينما يستمر صوت المولدات التابعة للمول بالضوضاء من دون إيجاد حلول أو احترام حق الجوار”.

*انتجت المادة من قبل شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية، ونشرت بالشراكة مع موقع “درج ميديا”

المزيد عن تحقيقات استقصائية

تحقيقات استقصائية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35804}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">