“شيطنة رقمية” وملاحقة بسلاح خارج القانون .. هكذا يُخنق الفضاء النسوي في العراق
تتغير الأدوات، لكن يبقى القمع والترهيب حاضرا، يقيد الفضاء النسوي ويهدد المدافعات عن حقوق النساء، اللواتي تبدأ قصص ملاحقتهن بمنشورات من حسابات مجهولة، وتنتهي بتهديدات صريحة أو اعتداءات وحتى اغتيال، فيما تظل المحاسبة غائبة لتساهم في استمرار الجريمة ومعه زيادة مساحات الخوف.
في أواخر تموز/يوليو 2026 فوجئت نورس عادل (أسم مستعار/ 35 سنة) من بغداد، بحملة “كراهية وتحريض” وفقاً لوصفها، في وسائل التواصل الإجتماعي، استهدفت نشاطها في الدفاع عن حقوق النساء والأطفال.
تقول إن الحكاية بدأت بمنشورات بدت لها للوهلة الأولى مجرد “اساءات صبيانية”، ثم سرعان ما أدركت أنها تتعرض لحملة هجوم منظمة، بعد أن رصدت حسابات تقول بأنها وهمية على منصة فيسبوك، تسيء إلى سمعتها “نشرت تلك الحسابات اتهامات وادعاءات كاذبة تمسني شخصياً فضلاً عن عملي ونشاطي التطوعي”.
وما أثار قلقها أكثر، مؤشرات جمعتها عن طريق تواصلها مع مختصين، تظهر ارتباط أصحاب تلك الحسابات فضلاً عن المتفاعلين معها بـ”جهات تمتلك نفوذا سياسيا وأمنيا وسلاحا خارج إطار مؤسسات الدولة”.
شعورها بالخطر لم يكن منفصلا عن سياق أوسع، إذ اطلعت على تقارير صحفية، وسمعت مرارا عن طريق علاقاتها المجتمعية، بتعرض ناشطات ومدافعات عن حقوق الإنسان لحملات تشهير وتهديد ومضايقات بسبب نشاطهن العام.
في شهر آب/اغسطس 2026، اتخذت الحملة ضدها “منحى جديداً غريباً وخطيراً” حسب روايتها، إذ انشأ شخص مجهول حساباً على فيسبوك يحمل اسمها، واستخدم صورتها، وضمنه منشورات عن ممارسة الشعوذة وأعمال السحر “نسبها لي زوراً” تقول بصوت مرتجف.
تضيف: “من الواضح أن الهدف من الحملة لم يكن مجرد إساءة عابرة إلى سمعتي لأتوقف عن نشاط معين أو اعلان رأي في قضية محددة، بل خلق صورة مشوهة عني أمام محيطي الاجتماعي والمهني بإظهاري كشخصية تمارس أفعالا تتعارض مع القيم التي ينظر إليها المجتمع بحساسية”.
بعد ذلك، انتقلت الحملة من اختلاق المعلومات إلى محاولة الاقتراب من حياتها الخاصة، إذ كانت هنالك محاولات لتصوير مكان عملها ومعرفة تفاصيل مرتبطة بحركتها ووجودها. وتتابع:”في الوقت نفسه، بدأت حسابات وصفحات غير معروفة بشيطنة نشاطي النسوي، ومحاولات للوصول إلى حساباتي الشخصية”.
مع تصاعد الهجمات الرقمية ضدها، أبلغت نورس، السلطات المعنية للمتابعة والتحقيق، على أمل توقف الحملة.
لكن الأمر لم يتوقف، بل تجتاوز الفضاء الإلكتروني، ففي مكان عملها (لا تفصح عنه لأسباب أمنية) بدأت تواجه مضايقات وضغوطا مهنية، خاصة ان المؤسسة التي تعمل فيها يترأسها شخص تقول بأن لديه ارتباطا بجهة نافذة في القرار الحكومي وتمتلك فصيلا مسلحا.
وتستدرك:”لا امتلك دليلا قاطعا يربط كل هذه الوقائع بجهة واحدة، ولذلك لا اتهم بنحو مباشر شخصاً أو فصيلاً مسلحاً بعينه، لكنني أرى أن تتابع الأحداث وتزامنها يستحق تحقيقا مستقلا قادرا على تحديد من يقف خلف هذه الأفعال التي يريدون بها تجريدي من صورتي العامة وتشويه سمعتي”.
نورس، واحدة من بين ناشطات واعلاميات كثر، يتعرضن لحملات اساءة ويتلقين تهديدات من جهات مجهولة وحتى معلنة تملك النفوذ وبعضها السلاح، ولا خيارات عديدة امامهن، فإما الانزواء والعزلة والملاذ الآمن بالصمت، وهو ما تُجبر عليه الكثيرات، أو المواجهة وتحمل المخاطر الجسيمة التي قد تصل إلى القتل.
“الابتعاد والإنزواء هو الخيار الأول” يقول المحامي كاروان حاجي، ويضيف:” لايمكن للواتي يتعرضن لحملات تشويه الكترونية مواجهتها بمفردهن، في وقت لا تقوم الجهات المعنية بملاحقة الذين يقفون وراء تلك الانتهاكات بأي خطوات حاسمة”.
ويشير الى ان الجهات المعنية تلاحق مدونيين او محللين سياسيين “بمنع الظهور الاعلامي” عند أي اساءة لفظية بحسب رؤيتهم، لكنها تترك الجيوش الألكترونية منذ سنوات دون حساب، على الرغم من ان العشرات من صفحاتهم معروفة.
من الترهيب الى الاغتيال
غالبية الناشطات في المجال المدني والمشتغلات في الحقل الاعلامي، يتعاملن بجدية تامة مع التهديدات التي يتلقينها او حملات التشهير التي تستهدفهن، لكن قلة هن اللواتي اخترن طريق المواجهة والمضي في نشاطهن مع إدراكهن للتبعات.
وهذا ما فعلته الناشطة البارزة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة ينار محمد (66 سنة) لتدفع الثمن حياتها في الثاني من آذار/مارس 2026، بعدما أطلق مسلحان مجهولان يستقلان دراجتين ناريتين النار عليها أمام منزلها شمالي بغداد.
سيرة ينار، الشخصية، تضم قائمة طويلة جداً من التهديدات بالتصفية لأكثر من عقدين منصرمين، وقد اشارت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى احداها في تقرير لها نشر سنة 2004، اذ اكدت تلقيها تهديدات بالقتل بعد ظهورها في لقاء تلفزيوني للدفاع عن حقوق المرأة.
كما أشار التقرير إلى رسالة إلكترونية حملت توقيع (جيش الصحابة) وهو فصيل مسلح كان نشطاً وقتها، وهددها بالقتل إذا لم تتوقف عن نشاطها المدافع عن حقوق النساء.
تجربة صادمة أخرى وقعت في البصرة، مساء 19 آب/أغسطس 2020، إذ كانت الطبيبة والناشطة المدنية ريهام يعقوب، تقود سيارتها، برفقة شقيقتها وصديقة لها، عندما أطلق مسلحون مجهولون النار عليهم، فتوفيت ريهام، فيما أصيبت شقيقتها وصديقتها بجروح طفيفة نتيجة تحطم زجاج السيارة.
لم يكن اغتيالها حادثا منفصلا عن نشاطها العام، فقد كانت ريهام من المشاركات في الاحتجاجات الشعبية في البصرة ضد القوى الحاكمة، وعرفت خلال تلك الفترة بنشاطها المدني ودفاعها عن قضايا المجتمع وحقوق المرأة.
وبحسب مركز الخليج لحقوق الإنسان، كانت قد تعرضت منذ عام 2018 لتهديدات من “مصادر مجهولة”، كما سبقت اغتيالها حملة كراهية إلكترونية استهدفت تشويه نشاطها المدني والحقوقي.
القاسم المشترك بين حوادث الاغتيال والتهديدات، هو ان الجناة فيها مجهولو الهوية، ويفلتون في العادة من القصاص. والقليل من التحقيقات القضائية تنتهي بادانة أشخاص، من دون كشف الجهات التي ينتمون اليها، ما قد يؤشر وقوف جهات مسلحة نافذة وراءها، بحسب محامين.
“الخوف من سلطة السلاح المنفلت وحملات التشهير الممنهجة تلاحق المدافعات عن حقوق المرأة في ظل ضعف الملاحقات الأمنية وغياب القصاص”
تهديدات قديمة ومتجددة!
بالعودة إلى جريمة اغتيال ينار، تقول الباحثة المعنية في شؤون العراق في منظمة العفو الدولية رازاو صاليي أن “القتل الوحشي لـ ينار، التي كرّست حياتها للدفاع عن حقوق المرأة، هو اعتداء مدبّر لإسكات المدافعين عن حقوق الإنسان، وخصوصا المدافعين عن حقوق المرأة”.
ودعت السلطات العراقية إلى وقف هذا النمط من الهجمات محددة الأهداف، وأن تتعامل بجدية مع حملات التشهير المستمرة المعدّة لتشويه سمعة النشطاء وتعريضهم للخطر.
منظمة العفو الدولية، تؤكد أن النشاطات في مجال حقوق المرأة في العراق، واجهن في السنوات الأخيرة، ردود فعل عنيفة ومتزايدة، بما في ذلك حملات التشهير، لا سيما في أعقاب الاحتجاجات ضد التعديلات على قانون الأحوال الشخصية، والتي دخلت في نهاية المطاف حيز التنفيذ في فبراير/شباط 2025.
ووثقت المنظمة، العديد من محاولات وعمليات الاغتيال بحق نشطاء، إلى جانب التحقيقات والمحاكمات التي لم تحقق العدالة. وذكرت إن قتل ينار محمد، يتناسب مع نمط من عمليات القتل ومحاولات الاغتيال المستهدفة التي وثقتها المنظمة منذ احتجاجات تشرين الاول/أكتوبر 2019 وما بعدها، ودعت السلطات العراقية إلى إجراء تحقيق سريع وفعال ومستقل ومحايد ومحاسبة المسؤولين.
وفي السنوات التي أعقبت عام 2003 تعرض عدد من المراكز والمنظمات النسوية للتهديد، واضطرت بعض العاملات فيها إلى تقليص نشاطهن أو الانسحاب منه، نتيجة المخاوف الأمنية، في ظل تصاعد استهداف النساء العاملات في المجال العام.
هكذا تتوالى الانتهاكات في مشهد يتكرر منذ عقدين، بلا رادع، متمثلا بالتشجيع أولا على مهاجمة “ناشطات” بحملات تشويه الكترونية، ومن ثم توجيه تهديدات مباشرة لهن لدفعهن إلى التراجع مع التضييق على المؤسسات التي يعملن فيها، ثم الانتقال إلى العنف والقتل.
ووثقت منظمة العفو الدولية تجاوزات في الفضاء المدني في العراق، لا سيما ما يرتبط بالناشطات في مجال حقوق المرأة، مؤكدة أن الناشطات في مجال حقوق المرأة واجهن ردود فعل عنيفة متزايدة، بما في ذلك حملات التشهير، لا سيما في أعقاب الاحتجاجات على تعديلات قانون الأحوال الشخصية، التي دخلت حيز التنفيذ في فبراير/شباط 2025.
الفاعلية النسوية في ظل العنف الرقمي
يربط المحلل السياسي د. عقيل عباس، بين تصاعد الانتهاكات المرتبطة بحقوق النساء، والتحولات في المشهد السياسي والأمني العراقي بعد 2014، مع ظهور جو عام يقيد الفضاء المدني خاصة ما يرتبط بالحراك النسوي.
ويشير الى ان ذلك الجو المنغلق، ساهمت في خلقه وترسيخه بعض الفصائل المسلحة التي برزت كفاعل سياسي وأمني نافذ في المشهد العراقي، كنتيجة طبيعية لجذور رؤيتها في مجال الحقوق والحريات.
ويقول ان للفصائل المسلحة جذوراً أيديولوجية وعلاقات عميقة بإيران، وانها في بداية ظهورها الواسع سنة 2014 حظيت بدعم شعبي كبير في مهمة مقاتلة تنظيم داعش حين سيطرة على مناطق واسعة من البلاد، في ظل فتوى المرجعية الدينية، ووسعت من خلالها قاعدة نفوذها الداخلي.
ومع ترسيخ تلك الفصائل لوجودها كفاعل أمني وأيضا كفاعل سياسي يخوض الانتخابات بشكل مباشر ويناقش القضايا السياسية في الحيز العام، الى جانب حضورها الاجتماعي فهي ممتدة داخل المجتمع وتقف معها عشائر كثيرة، ومع حضورها الاقتصادي فأصبحت تقدم خدمات عامة وتوفر وظائف لبعض جمهورها، باتت في وضع تستطيع معه فرض رؤيتها في المجال المدني.
وينبه الى أن تعزيز ذلك الحضور سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، خلق اشكالية بالنسبة لقضايا النساء، وفرض سؤالا جوهريا عن مدى تأثير نفوذ الفصائل بسلاحها على المجال المدني؟ وعن تقاطع الفاعلية النسوية مع معركة الفضاء العام؟
هنا تقول الباحثة في مجال حقوق المرأة فاطمة محمد، أن تأثير العنف لا يتوقف عند الاعتداء المباشر على الشخص المستهدف، بل يمتد إلى المجال العام والفضاء المدني الذي تتحرك فيه الناشطات والاعلاميات ليصبح متخماً بالقيود.
وترى الباحثة ان ذلك التهديد يدفع الناشطات إلى ممارسة الرقابة الذاتية، وإلغاء بعض الفعاليات أو تغيير أماكن الاجتماعات، وتقليل الظهور الإعلامي، وتجنب تناول موضوعات محددة خشية الاستهداف أو التشهير. كما قد تمتد حملات الضغط إلى الأسرة والعمل “ما يدفع بعض الناشطات إلى إغلاق حساباتهن أو تقليل نشاطهن أو حتى الابتعاد عن العمل المدني والحقوقي”.
وتؤكد فاطمة، أن القصص الموثقة لـ”نورس وريهام يعقوب وينار محمد” وحالات أخرى وثقتها منظمات حقوقية، الى جانب حملات التشهير والتهديد”لا تثبت جميعها مسؤولية فصيل مسلح محدد عن كل اعتداء، لكنها تكشف وجود بيئة متكررة من التهديد والترهيب والسلاح المنفلت والعنف ضد ناشطات ومدافعات عن حقوق المرأة”.
وترى أن العنف الرقمي أصبح “جبهة موازية للترهيب”، وتوضح:”لا تقتصر حملات التشهير والاتهام والتحريض على الإساءة إلى الناشطة، بل قد تدفعها إلى التفكير في كلفة كل كلمة وموقف قبل التعبير عنه”.
وتقول إن “الرقابة الذاتية تعد من أخطر نتائج هذا النوع من العنف، لأنها تجعل الناشطة تتراجع قبل أن تمارس حقها، وتدفعها إلى مراقبة ما تنشره وما تقوله، وهو ما يؤدي تدريجيا إلى إفراغ المجال العام من أصوات نسائية كان يفترض أن تكون حاضرة فيه”.
وتعتقد فاطمة، بأن “ارتباط الترهيب الرقمي بجهات تمتلك أدوات القوة خارج إطار الدولة، متى ثبت ذلك، يمكن أن يضاعف أثره، لأنه يخلق شعورا لدى الناشطة بأن الاستهداف قد ينتقل من الشاشة إلى الواقع، لذلك فإن مواجهة هذا النوع من الترهيب يتطلب مساءلة قانونية واضحة عن حملات التحريض والتشهير والتهديد، وضمان ألا يتحول الفضاء الرقمي إلى وسيلة لإسكات الأصوات المدنية والنسوية”.
ولا يتوقف أثر الخوف، بحسب الباحثة عند الناشطة المستهدفة، بل “يمتد إلى النساء المتضامنات معها، إذ قد يؤدي الخوف من انتقال الاستهداف إليهن إلى إضعاف المواقف الجماعية ودفع بعض النساء إلى تفضيل العمل الفردي أو الصمت”.
وتؤكد أن تراجع التضامن الداخلي سيخلق “مشكلات داخل الحركة النسوية نفسها، من بينها النزاعات الشخصية والانقسامات داخل بعض التحالفات، إلى جانب ما تعده ارتباط بعض الأنشطة بالتمويل والمناصب والوجاهة”.
وفقاً لمصادر قانونية متخصصة تواصلت معها معدة التقرير، فأن النساء اللواتي يتعرضن للعنف الرقمي بنحو خاص، يواجهن تحديات كبيرة “عند محاولة الوصول إلى العدالة” من بينها “بطء الإجراءات، وصعوبة متابعة الشكاوى، وغياب الخصوصية في بعض المحاكم ومراكز الشرطة”.
وهذه كلها تدفع الناشطات الى عدم المضي في مسار الاجراءات الحكومية والقضائية، وعدم الإبلاغ عن ما يتعرضن له من حملات تشويه وتهديدات، أو الاستمرار في الإجراءات القانونية.
الخوف يعيد تشكيل العمل النسوي
ويرى حقوقيون، ان عدم احتكار الدولة بمؤسساتها الرسمية للسلاح والعنف، يعني وجود قوة موازية تفرض رؤيتها، وهذه القوة تمثل مشكلة اضافية للفضاء المدني الذي يواجه أصلا تحديات تتعلق بالتشريعات والقيود الحكومية المتزايدة.
يقول المحامي كاروان حاجي، ان الجماعات المسلحة، تستخدم العنف ضد المطالبين بالحريات، وتحديدا المدافعات عن حقوق النساء، من أجل ترهيب الفضاء العام وهذا يساعدهم أكثر على فرض ارادتهم وبسط نفوذهم، مشيرا الى ان تحجيم تلك القوة سيعني مساحة اوسع للحراك المدني وبشكل خاص المرتبط بحقوق النساء.
ناشطة نسوية، فضلت ان تحمل اسم “دنيا عراق”، تقدم قراءة من موقعها كمدافعة عن حقوق المرأة والحريات، لما يمكن أن يحدث للعمل النسوي والمدني إذا تراجعت سطوة الجماعات المسلحة وانتهى وجود السلاح خارج إطار الدولة.
فهي ترى أن العمل النسوي والمدني يمكن أن ينتقل، في حال انهاء أو تراجع سطوة تلك الجماعات عبر نزع سلاحها، إلى مرحلة أفضل:”وجود السلاح خارج إطار الدولة يفرض على الناشطات طوال الوقت العمل ضمن مساحات ضيقة للغاية”.
وتشير إلى أن معظم طاقات الناشطات “تستهلك في الحماية الشخصية ومواجهة حملات الترهيب، بدلا من توجيهها إلى القضايا التي يعملن من أجلها”.
وتقدر “دنيا” تأثير ذلك، بالقول ان “الأمر لا يعني الوصول إلى حرية كاملة، لكنه قد يتيح للناشطات والمنظمات الانتقال من مجرد تقديم العون للضحايا إلى ممارسة دور أكثر فاعلية في الضغط والمناصرة وتعديل التشريعات ومراقبة مؤسسات الدولة والمطالبة بالمحاسبة عند التقصير دون خوف من الانتقام أو التصفية”.
أما د. عقيل عباس، فيعتقد بأن حصر السلاح بيد الدولة لا يصبح حماية فعلية للنساء إلا إذا “ترافق مع سيادة القانون، ومحاسبة المسؤولين عن التهديدات والاغتيالات، وحماية المدافعات عن حقوق الإنسان، وضمان حرية التعبير والعمل المدني، وكشف الجهات التي تقف وراء حملات التحريض والتشهير والتهديد”.
لكنه يستدرك بالقول: إذا تراجعت قدرة الجماعات المسلحة على استخدام القوة أو التهديد خارج مؤسسات الدولة، فإن أول ما يمكن أن يستعيده المجتمع هو “مساحة الحركة”.
ويوضح:”تلك المساحة التي تستطيع فيها الناشطة أن تنظم ورشة دون الخوف من إغلاقها، ويمكن أن تكتب الصحفية دون أن تتحول إلى هدف لحملة تشهير، ويمكن للمدافعة عن حقوق المرأة أن تعترض على قانون أو سياسة دون أن تتحول معارضتها إلى تهديد شخصي، والمنظمة المدنية أن تعمل دون أن تضطر إلى إخفاء نشاطها أو تقليله خوفا من الجماعات المسلحة، لكن هذه المساحة لن تنشأ تلقائيا بمجرد إعلان حصر السلاح بيد الدولة”.
وفقاً للمحامية نور الهدى قيس، فإن حماية النساء لا تتوقف عند تنفيذ الالتزامات المرتبطة بالجانب الأمني والحقوقي، بل أيضا بكل تفاصيل التزامات العراق الدولية والوطنية، وتقول:”العراق ملتزم بإطار دولي يتعلق بحماية النساء وتعزيز مشاركتهن في قضايا الأمن والسلام”.
وتشير إلى أن العراق تبنى خطة وطنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن 1325 لسنة 2000 بشأن حماية النساء من العنف وضمان مشاركتهن الفاعلة في الشأن العام وبناء السلام وصنع القرار.
وتجد أن “حماية النساء” الحقيقية، تتجاوز ضمان أمنها وحقوقها الأساسية، الى ما هو أعمق خاصة ما يتعلق بتمكينها اقتصاديا ومشاركتها في القرار، مؤكدة على ضرورة تحويل “مبادئ الحماية والمشاركة والوقاية والاستجابة” إلى سياسات وإجراءات مؤسسية “لا أن تبقى التزامات على مستوى الخطط والنصوص فقط”
بين نورس التي بدأت قصتها بحملة تشهير رقمية، وريهام يعقوب التي انتهت حياتها برصاص مسلحين، وينار محمد التي اغتيلت بعد سلسلة تهديدات، اللواتي يجمعهن الدفاع عن حقوق النساء، تتغير الأدوات، لكن يبقى القمع والترهيب حاضرا في المشهد، حيث تبدأ بعض القصص بمنشور أو حساب مجهول، وتنتهي بتهديد أو اعتداء أو اغتيال، فيما يظل غياب المحاسبة عاملا حاسما في استمرار الجريمة ومعه زيادة مساحات الخوف.
تقول نورس، لا يعني حصر السلاح بيد الدولة، وحده، أن النساء سيصبحن محميات من العنف والتهديد، لكنه قد يكون خطوة أساسية نحو فضاء أكثر أمنا إذا ما رافقته “سيادة فعلية للقانون تضمن محاسبة الجناة والمحرضين ومنع تحول الشكوى نفسها إلى مصدر جديد للخوف”.
أنجز التقرير باشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية.