يفتح في علامة تبويب جديدة

آراء: تعالوا نراجع تشرين… غضب لحظي أم تحوّل في الوعي والمنظومة المعرفية؟

تعالوا نراجع تشرين… غضب لحظي أم تحوّل في الوعي والمنظومة المعرفية؟

بالمقارنة بين تجربة تشرين والثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا، يظهر جليا ضعف التنظيم السياسي، وتشتت القوى المنبثقة من الاحتجاجات، وتراجع المشاركة الانتخابية، ما يثير أسئلة بشأن قدرة الوعي الذي تشكّل في ساحات تشرين على الاستمرار والتحول إلى مشروع سياسي قادر على تغيير المنظومة.

بعد سبع سنوات على احتجاجات “تشرين” ضد الطبقة الحاكمة وآلية الحكم، والتي اجتاحت ميادين وساحات المدن العراقية، تطرح التجربة سؤالاً يتجاوز حجم التظاهرات وأعداد المشاركين فيها، الى التأثير الذي تركته على المسار السياسي والرؤية المجتمعية: هل نجحت تشرين في إنتاج وعي جماهيري قادر على إحداث تحوّل سياسي واجتماعي، أم أنها بقيت غضباً جماهيرياً عابراً؟

في تشيكوسلوفاكيا، سُميت ثورة نوفمبر 1989 بالمخملية، كونها أحدثت تغييراً شاملاً في نظام الحكم الشيوعي الموالي للاتحاد السوفيتي دون إزهاق روح واحدة، بدأت الثورة عندما نظم الطلاب مسيرة سلمية في العاصمة براغ لإحياء ذكرى طالب قتله النازيون عام 1939، استغلت الحشود المرخصة الفرصة لتهتف ضد النظام الشيوعي القائم وتطالب بالحرية والديمقراطية وحاولت شرطة الشغب تفريق التظاهرة فأصيب مئات الطلاب، وبدلاً من أن يرهب العنف الناس،

حدث العكس تماماً. في اليوم التالي، أعلن طلاب الجامعات والممثلون في المسارح إضراباً عاماً وتحولت المسارح الى مراكز سياسية لعقد مناظرات ونقاشات سياسية يومية حول مستقبل البلاد، تأسس المنتدى المدني بعد يومين فقط من بدء الاحتجاجات وضم تحالفاً واسعاً من مفكرين وكتاب وفنانين وعمال، وكانت الشخصية المحورية في هذا الحراك هو المسرحي والكاتب المناهض للنظام فاتسلاف هافل الذي تحول لاحقاً من زنزانات الاعتقال الشيوعية إلى كرسي رئاسة البلاد. رفع المحتجون شعار “العودة الى اوروبا” وهو ما تحقق بالفعل.

بمعزل عن المعطيات الداخلية والخارجية للتجربة، وفي محاولة لمقارنة الوعي الجماهيري لا غير، قد يبدو سيناريو تشرين 2019 في وسط وجنوب العراق، مشابها لما حدث في براغ، صحيح أننا لم نتمتع بذات المخملية ولم نجد قائداً يوجه التظاهرات كهافل،

لكن الشرارة انطلقت من ذات الحجر. بدأت الاحتجاجات من حملة الشهادات العليا ثم توافد المحتجون من مختلف الفئات على رأسهم الطلبة.  وبرزت شعارات عدة بعضها عام مثل “نريد وطن” وبعضها خاص نادى بقضايا محددة كتعديل قانون الانتخابات وإلغاء مجالس المحافظات، ولم يغب حس الكوميديا السوداء منها والبيضاء عن الشعارات التي رُفعت تحت الرصاص الحي.

وحيث كانت الساحات ترفض فكرة القائد الواحد، ربما لأن الشخصيات التي صدرت نفسها على أنها من القائدة لم تقنع الجماهير، فرفع الشباب الثائر شعار “الوعي قائد” كنتيجة طبيعية لغياب القائد الملموس في غياب شبه تام لدور “مثقفي عراق ما بعد “2003، لكن الشعارات لها وقتٌ يجب ان تُترجم فيه الى واقع سياسي واجتماعي.

هل كان الوعي حقيقياً؟

سدّت، إلى حد ما، جهود تنسيقيات المحافظات (في توحيد الخطاب لمدة عام كامل) فراغ القائد الأوحد، لكن عاملَين حالا دون تغيير سياسي حقيقي آني، بعد تغير قانون الانتخابات، بشكل مرضٍ جزئياً عقب كل الدماء التي اريقت.

أولهما كان عشوائية تنظيم صفوف الحركات المنبثقة من تشرين (امتداد المدنية وإشراقة كانون الإسلامية والمستقلين)، بسبب فقر التجربة وعدم واقعية الخطاب، إذ لم تتحقق نتائج في انتخابات 2021 تتناسب مع حجم الاحتجاج، ورغم أن الحركتين حصدتا أكثر من 208 ألف صوت إلّا أنهما حصلتا على 15 مقعداً فقط، وبالمقارنة مع أداء قوى متمرسة مثل التيار الصدري الذي حصل على 885 الف صوت، كان يمكن للقوى المدنية حصد ما بين 17 الى 19 مقعداً، أي أن تنظيم الصفوف بشكل مشابه كان سيمنح هاتين الحركتين عدداً أكبر مما حصداه.

يُضاف إلى هذا الرقم أصوات المستقلين الذين رشحوا بمفردهم دون مظلة حزبية وحصلوا مجتمعين على ما يقارب 900 ألف صوتاً حققوا بها 43 مقعداً، انتقل 23 منهم، بواقع يقارب ال 500 ألف صوت، إلى صفوف الإطار التنسيقي فور استقالة نواب التيار الصدري وبدء مفاوضات تشكيل حكومة السوداني.وفقاً لذلك، كان باستطاعة “التشارنة” الحصول على ما يقارب ال 70 مقعد لكنهم في الواقع حصلوا على نصف هذا العدد، ما يعكس قصوراً في الوعي التنظيمي السياسي لدى المتصدرين.

العامل الثاني كان نسبة المشاركة في الانتخابات، فقد أعلنت مفوضية الانتخابات أن النسبة كانت 41%، لكنها استبعدت غير المسجلين البالغ عددهم أكثر من 3 ملايين ناخب، ومع احتسابهم لا تتجاوز النسبة ال 38%. رغم أن الملايين خرجوا للمشاركة في الاحتجاجات إلّا أن أقل من 700 ألف ناخب فقط رأوا في الانتخابات ضرورة للتغيير وفقاً للمعطيات حينها، إذا ما استبعدنا جمهور التيار الصدري الذي كان يملأ الساحات لأشهر من الاحتجاجات ويتحكم ببعضها قبل أن يشارك بتفريقها.

أفضت هذه الانتخابات إلى نتيجة عكسية؛ إذ سيطرت ذات القوى التي رفضتها ساحات الاحتجاج على المشهد السياسي مجدداً خصوصاً بعد انسحاب التيار الصدري من المعادلة، وتصاعدت وتيرة العنف فلا شيء داخلي يؤثر على سلطتها حتى الاحتجاجات المليونية.

Screenshot 2026 09 30 at 2.23.03 PM

تغيير في القانون تراجع في الأصوات

لاحقاً، في انتخابات مجالس المحافظات 2023، عاد قانون الانتخابات إلى سابق عهده بعد هيمنة القوى التقليدية على برلمان 2021، وانخفضت النسبة الفعلية للمشاركة الى 26% بعدد مشاركين أقل من 7 ملايين، وانخفض نصيب القوى المدنية والقوى المنبثقة من تشرين إلى أقل من 250 ألف صوت.

أما الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فقد رفع المال السياسي والسلاح من عدد المشاركين إلى 12 مليون من اصل أكثر من 21 مليون ناخب مسجل، وأكثر من 29 مليون ممن هم في عمر يؤهلهم للانتخاب، كانت حصة القوى المدنية والقوى المنبثقة من تشرين منها 350 ألف صوت، لم يحصل على إثرها تحالف قيم، الأبرز كقوة مدنية، على أي مقعد، ورفعت إشراقة كانون مقاعدها إلى 8 مقاعد متعكزة على أدائها الرقابي الجيد في الدورة البرلمانية السابقة. كل هذه المعطيات على مدى سبع سنوات تشير إلى أن الوعي الجماهيري لم يكن جاهزاً ليغير لوحده واقع الجماهير ولم يرتقِ ليكون قائداً حقيقياً، بل لم يصنع قائداً واحداً.

وبالعودة إلى الثورة المخملية، فإن نسبة المشاركة في الانتخابات التي اعقبتها تشيكوسلوفاكيا تعدت 96% وهنا تنعكس جاهزية الوعي الجماهيري والمشروع البديل قبل الثورة، على عكس ما حدث مع حراك تشرين، فلم تقدم مشروعاً سياسياً متكاملاً يشبه المنتدى المدني، يغري الناخب لاختياره، ولم تُسند بوعي جماهيري يحضر هذا المشروع في عامين (من بدء الاحتجاجات حتى الانتخابات) ولا حتى في سبع سنوات.

تشتت الهوية وتعددية السلطة

وفقاً لنظرية “بنية الفرص السياسية” فإن الوعي الجمعي والرفض الشعبي وحدهما لا يكفيان لإنجاح الثورة، بل يعتمد النجاح على مدى انغلاق أو انفتاح بنية الفرص السياسية داخل الدولة، واثناء تشرين واجه الوعي الجماهيري بنية فرص مغلقة ومعقدة فالسلطة ليست حزباً واحداً يسهل إسقاطه، إنما نظام شبكي ممتد مدعوم بنفوذ إقليمي وعالمي وسلاح نظامي وسلاح مواز، ما تسبب في حالة من اليأس تلتها خيبة أمل من أداء القوى المدنية في البرلمان.

ومع بزوغ لين الهوية الوطنية بعد انتهاء تشرين، عاد أغلب الجماهير إلى ما قبل تشرين في انتمائها المذهبي والقومي. يفسر عالم الاجتماع غوستاف لوبون ذلك بذوبان المحتجين في عقل جمعي مؤقت أثناء غليان الشارع في حالة أشبه بالعدوى العاطفية، تنتهي ما إن ينتهي مفعول الحماس الجماهيري.

من منظور النظرية البنائية الاجتماعية يتشكّل الوعي الجمعي عبر ثلاث مراحل أولها التخريج وهو أن يبتكر الناس أفكاراً وهويات، ثم الإضفاء المادي فمع الوقت وتكرار الخطاب، تصبح هذه الأفكار تبدو كحقائق صلبة مُسلّم بها ولا يمكن تغييرها، وأخيراً امتصاص القيم ودمجها مع الوعي الذاتي. في محاولة تشرين لخلق وعي مدني وهوية وطنية لم ننتقل إلى المرحلة الثانية وبقينا ندور حول تعريف الوطنية ولذا لم يُسلم الجميع بها.

شكلت احتجاجات “تشرين” بحجمها وشكلها وطبيعة التضحيات التي قدمت فيها، صدمةً كبيرة ليس للسلطة حينها فقط، بل للجماهير ذاتها، بعد أن تأخر الحراك المجتمعي، حتى ظن الجميع أن لا نهضة لهذا الشعب رغم سنوات من الفساد وتردي الوضع المعاشي والاحتجاجات المتواضعة المتفرقة.

غير أنها كانت صدمةً قصيرة الأمد لم تخلق وعياً مدنياً حقيقياً، لا آنياً ولا مستداماً، فهي لم تغير المنظومة الفكرية، ولم تدق وتداً وطنياً صلباً في هيكل نظام المحاصصة، وسياسيا ربما الجهة الوحيدة الصامدة حتى الآن بعد فشل كل القوى المدنية في الحفاظ على ثقة ناخبيها وبالتالي تمثيلها البرلماني هي “اشراقة كانون” بطابعها الإسلامي وأدائها البرلماني المرضي بعد أن عادت الجماهير إلى انتماءاتها الأصلية.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35836}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">