أثارت تصريحات رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، بشأن المخاوف من عودة تنظيم داعش بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، تساؤلات داخل الدوائر السياسية تركزت على الآثار المحتملة للانسحاب قبل اكتمال الجاهزية الأمنية العراقية، والتداعيات المرجحة في ظل استمرار التدخلات الاقليمية والدولية.
وعلى وقع اكتمال الانسحاب الأمريكي من العراق في 30 أيلول/ سبتمبر، تبرز سيناريوهات عديدة، بينها ما يرتبط باحتمالات نشوب صراع داخلي نتيجة رفض الفصائل الشيعية المسـلحة الموالية لإيران نزع سلاحها، وأخرى تتعلق بعودة تنظيم داعش مستفيدا من الفراغ الأمني والانقسامات السياسية- المجتمعية ليشكل مجددا مصدر تهديد.
وسلطت تصريحات بارزاني الضوء على مجموعة من السيناريوهات المقلقة في ظل عدم بناء حكومة “شراكة وطنية” والتنصل عن الاتفاقات السياسية واستمرار السلاح خارج الدولة، الى جانب عجز أو عدم اكتمال منظومة الدفاع العراقية، ما يترك مساحات فراغ او بؤر توتر تنذر باضطرابات وصراعات أمنية.
وكان بارزاني، قد قال لقناة (الشرقية) تعليقا على الانسحاب الأمريكي من العراق:”قلتها سابقا واقولها الان، سيناريو داعـش سيتكرر إذا انسحبت قوات التحالف”.
الاطار لا يلتزم بالاتفاقات
وانتقد بارزاني الاطار التنسيقي لما وصفه “بعدم التزامه بالتفاهمات والاتفاقات”، قائلا: جميع السلطات تقريباً الآن بيد الإطار .. كنا قد اتفقنا على العودة إلى مبادئ الشراكة والتوافق والتوازن، لكنهم لم يلتزموا. وإذا استمروا على نفس النهج فسيكون الحكم مُعاقاً. “اذا لم يكن التيار الصدري حاضراً، وإذا لم نكن نحن حاضرين، وإذا لم تكن الأطراف الأخرى حاضرة أيضاً، فبالتأكيد سيكون الحكم القائم مشلولاً”.
واشار بارزاني الى عدم التزام الأطراف السياسية بما تتفق عليه، بما فيه البرنامج الحكومي “ما ان تتشكل الحكومة حتى تنسى التفاهمات وينسى الدستور وتصبح المزاجات الشخصية هي المتحكمة”.
وأوضح أن مشاركتهم في الحكومة استندت إلى اتفاق وقعه نائب رئيس الحزب الديمقراطي نيجيرفان بارزاني، وزعيم منظمة بدر هادي العامري ممثلا عن الإطار التنسيقي، ويتركز على أساس المشاركة، مبينا أن المشكلة ليست في إعطاء منصب، بل في قضايا أساسية ترتبط بـ«الحقوق والكرامة والشراكة».
تحدي حصر السلاح والمجهول
وبخصوص مسألة حصر السـلاح بيد الدولة، قال زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، ان تحقيقه “أمر صعب لوجود جهات منتفعة منه، ولو حدث هذا الأمر بشكل سلمي فهو انتصار كبير للعراق”، مضيفاً ان “حل هذا الملف بطريقة سلمية سواء عبر إيـران او غيرها، أمر جيد للجميع”.
وذكر ان “على إخواننا في الإطار التنسيقي ان يحلوا هذا الموضوع والا فأن البلد ذاهب نحو المجهول، ونحن جميعاً في سفينة واحدة، ونحن غير مستعدين لربط مصيرنا بتصرفات غير مسؤولة”.
وبحسب مسؤول عراقي، فان عملية الانسحاب الأمريكي من العراق انتهت بشكل كامل، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية، مبينة ان جميع القوات القتالية وقوات الدعم اللوجستي غادرت البلاد.
وكان العراق والولايات المتحدة الأمريكية قد اتفقا في عام 2024 على جدول زمني لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في البلاد، وبحسب وزارة الدفاع الأمريكية، كان نحو 2500 جندي أمريكي متمركزين في العراق خلال السنوات الأخيرة.
الانسحاب الأمريكي ومخاوف الاقليم
ومع تصاعد جدل تداعيات الانسحاب، كشف رئيس حكومة كردستان مسرور بارزاني في حديث لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، عن أن انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي من العراق يأتي في توقيت شديد الحساسية، وان حالة عدم الاستقرار الأمني في العراق تُشكل تهديداً صريحاً لأسس النظام الاتحادي.
وذكر بارزاني أن ترك الإقليم مكشوفاً دون توفير أي منظومات دفاعية تحميه، أمرٌ يبعث على القلق، مشيرا إلى تعرض الإقليم لأكثر من ألف هجوم صاروخي واعتداء بالطائرات المسيّرة.
وأعرب عن دعمه لجهود رئيس الوزراء علي الزيدي الرامية لمكافحة الفساد، ونزع سلاح الميـ,ليشيات، وتسوية الملفات العالقة بين أربيل وبغداد استناداً إلى الأطر الدستورية.
عودة داعش.. أزمة الفصائل
وحذّر باحثون وسياسيون، من أن الوضع في العراق، لا سيما الجانب الأمني، مرشح للتعقيد في ظل تداعيات انسحاب القوات الأمريكية، وعدم اكتمال بناء المنظومة الامنية العراقية، في ظل تداخل اقليمي ودولي وصراع أمريكي ايراني، ومع بروز مؤشرات لتزايد أنشطة تنظيم داعشفي سوريا الى جانب استمرار تحركاته في كركوك.
وكانت مواجهة بالاسلحة قد حصلت يوم الاحد 27 أيلول/ سبتمبر، بين افراد من قوة مكافحة الارهاب وعناصر تنظيم داعـش، في منطقة “ألتون كوبري” بمحافظة كركوك، سقط خلالها قتلى وجرحى.
وأعلن جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، أن قواته نفذت عملية أمنية نوعية في (التون كوبري)، جرى خلالها الاشتباك مع ثلاثة إرهابيين، قتل اثنان منهم والقي القبض على الثالث. فيما ذكرت مصادر كردية ان فتى قتل خلال الاشتباكات التي حصلت داخل محل تجاري في المدينة.
وبعدها بساعات، أعلن جهاز مكافحة الإرهاب، عن إلقاء القبض على ثلاثة أشخاص بتهمة الانتماء إلى تنظيم “داعش” خلال عملية نُفذت في محافظة السليمانية.
وتشير مصادر أمنية، أن التنظيم لم ينقطع نشاطه في المناطق المفتوحة بأطراف كركوك وخاصة القرى التي لا تشهد تواجدا أمنيا مكثفا، وانه يواصل عمليات خطف مزارعين في بعض المناطق بقصد الحصول على مبالغ.
ويجد التنظيم في الاضطرابات السياسية الإقليمية والدولية، وفي الصراعات المحلية كالانشغال بنزع سـ.لاح الفصـ.ائل او ضعف التنسيق بين القوات العراقية والبيشمركة، فرصة لترسيخ وجوده وشن هجمات متقطعة على القوات الأمنية العراقية أو تنفيذ أعمال إرهـابية متنوعة كالخطف.
مواقف من الانسحاب الامريكي .. المخاوف والامكانات والاستعدادات
وزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان:
– يأتي انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف من العراق في ظرف حساس، لا سيما أن الأوضاع الأمنية في العراق والشرق الأوسط تتسم بعدم الاستقرار وهي تشكل تهديدا للمنطقة برمتها، وتتطلب يقظة واتخاذ قرارات سياسية صائبة.
– مغادرة الولايات المتحدة لإقليم كردستان في ظل مثل هذه الظروف الإقليمية المعقدة، ودون توفير أي منظومة دفاعية، أمر يبعث على القلق.
– نحن على ثقة بأن أجواء الإقليم، باعتبارها جزءاً من أجواء الحكومة الاتحادية، تمثل أولوية لدى الحكومة الاتحادية، وعليها تحمل مسؤولية حماية أجواء الإقليم عند الحاجة.
الكاتب شيرزاد جبرائيل:
– العراق، رغم التطور الكبير الذي حققته قواته، لا يزال في مرحلة استكمال منظومة الدفاع الجوي والرادارات والقدرات اللازمة لحماية مجاله الجوي.
– السؤال ليس: هل نريد أمريكا أم لا؟ بل: هل أصبح العراق مستعدا فعلا لمرحلة ما بعد الوجود العسكري الأمريكي؟ إذا كان الجواب نعم، فليكن الانسحاب بداية لمرحلة جديدة من السيادة العراقية الكاملة. أما إذا كانت هناك ثغرات حقيقية في الدفاع الجوي، وحماية الحدود، وتوحيد القرار الأمني، فإن الانتقال من الوجود الأمريكي إلى فراغ أمني قد يحمل مخاطر لا ينبغي الاستهانة بها.
– البلاد تقع في منطقة شديدة الاضطراب، تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة. ومن هنا فإن القلق يتركز على ما قد يتركه الانسحاب من فراغ أمني إذا لم تكن الدولة مستعدة لملئه.
– عبرت قيادة إقليم كردستان، عن أهمية استمرار التعاون الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى موقع الإقليم والتحديات الأمنية التي واجهها، ولا سيما خلال الحرب على داعش.
– العراق لا يحتاج إلى وصاية أجنبية، لكنه يحتاج إلى دولة قوية، ولا يحتاج إلى قوات أجنبية دائمة، لكنه يحتاج إلى شراكات دولية تساعده على بناء قدراته. فالسيادة الحقيقية ليست مجرد خروج الجندي الأجنبي من أرضك؛ السيادة الحقيقية هي أن تصبح قادرا على حماية أرضك عندما يخرج.
الخبير في الشؤون الأمنية سرمد البياتي:
– يواجه العراق مشكلات كبيرة في ظل خروج القوات الأمريكية، وهناك خطورة في مناطق الفراغ الأمني بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، ولا سيما في غرب كركوك.
الباحث في الشأن السياسي حيدر الموسوي:
– لايمكن أن تؤخذ تصريحات شخصية بوزن مسعود بارزاني على الهامش حينما يعيد تكرار عبارة أن التنظيم سيعود بعد (انهاء مهام قوات التحالف الدولي التي جاءت بطلب من الحكومة العراقية) ، وما حدث في كركوك يشير إلى عدة استفهامات.
النائب السابقة عن كتلة الديمقراطي الكردستاني كافين شيخ سعيد:
– مخاوف رئيس حكومة الاقليم، مشروعة لأن الأمن لا يبنى على التطمينات بل على قدرة فعلية على الردع والحماية، والقلق الذي عبـر عنه ليس مبالغة ولا موقفاً عابرا بل يعكس سؤالاً أمنياً وسياسياً مشروعاً في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.
– إذا كان إقليم كردستان جزءاً من العراق فإن أمنه ليس شأناً ثانوياً ولا ملفاً قابلاً للتأجيل أو المساومة بل مسؤولية دستورية للدولة العراقية. ولهذا فإن المطلوب من بغداد ضمانات فعلية بتأمين منظومة دفاع جوي تحمي الإقليم ومطاراته ومنشآته الحيوية ومن خلال تنسيق أمني وعسكري مؤسسي مع قوات البيشمركة.
– يجب ضمان عدم ترك مدن الإقليم ومصالحه الاقتصادية عرضة لأي تهديد، فحماية كردستان لا تعني إضعاف بغداد، بل على العكس عراق قوي يعني حماية كردستان واحترام خصوصيتها الدستورية، وكردستان قوية وآمنة تعني قوة للعراق واستقراره.