مازن صاحب
بعد العقوبات الأمريكية الجديدة على قطاع الطيران الإيراني، توقفت الرحلات الإيرانية في مطارات بغداد والنجف وأربيل والسليمانية، وسط مخاوف شركات الخدمات الأرضية العراقية من التعرض للعقوبات الأمريكية. وأعلنت بغداد أنها تجري اتصالات مع واشنطن للحصول على استثناءات تسمح باستئناف الرحلات لأسباب إنسانية، بينها العلاج والدراسة والزيارات الدينية.
لكن طهران قرأت المشهد بطريقة مختلفة. لم تتعامل معه كإجراء فني يخص الطيران فقط، بل كامتداد للعقوبات الأمريكية إلى المجال الإقليمي. وذهب مستشار المرشد الإيراني محمد مخبر إلى التلويح بأن منع إيران من استخدام خدمات الطيران والمطارات قد يقابله منع دول المنطقة من التمتع بها. قبل ان يحصل تراجع ايراني عن مضمون التصريح عبر الاشارة بأنه فسر بطريقة أخرى.
هنا يظهر الفارق… تتعامل طهران مع العقوبات كأداة صراع، لكن بغداد تتعامل معها كواقع لا يد لها فيه وينبغي احتواء آثاره.!!!
ترفع الدبلوماسية الإيرانية سقف المواجهة، وتربط العقوبات بمبدأ السيادة وحق الدول في إدارة علاقاتها، وتحاول نقل كلفة الضغط إلى الطرف المقابل. أما بغداد فتتحرك في الاتجاه المعاكس: حوار مع واشنطن، طلب استثناء، وضمان استمرار المصالح المدنية من دون الاصطدام المباشر بالعقوبات.
والسبب ليس اختلاف اللهجة فقط، بل اختلاف موقع الدولتين… فما زالت طائرة الدولارات القادمة من واشنطن وعبر الفيدرالي الأمريكي لريع النفط، ترسخ الحاجة للسيولة المالية… مقابل خطاب شعارات من دون جدوى! حيث يعرف من يصدر مثل هذه البيانات ان الانصياع للعقوبات واجب والبحث عن الاستثناء مطلوب دبلوماسيا وليس عبر البيانات التي تظهر الحكومة العراقية في أضعف حالاتها أمام واشنطن!!
تتجاوز القضية مسألة المطارات. إنها تكشف حدود الحركة العراقية بين واشنطن وطهران، وتعيد طرح السؤال الأهم: عندما تتعارض المصالح العراقية مع شروط القوة الأمريكية ومقتضيات العلاقة الإيرانية، من يملك القرار العراقي ومن ينفذه؟
لا تعود أزمة الطيران مجرد ملف نقل جوي، بل اختبارا لاستقلال القرار الخارجي في ظل السلطة الهجينة ومفاسد المحاصصة وتعدد مراكز النفوذ.
فالفرق بين طهران وبغداد يمكن اختزاله في عبارتين: طهران تفاوض على العقوبات، وبغداد تفاوض للحصول على استثناء منها… السؤال الأخطر هو ما سيحصل مع استمرار جنون إمبريالية ترامب الجديدة في توسيع رقعة العقوبات على طهران، وهو خيار يؤيده العديد من مساعديه بدل التوجه للحرب؟. وحينها كم حالة استثناء يتوجب على بغداد ان تسعى للحصول عليها؟.. وهل يمكن ان تحصل على ذلك الاستثناء أصلا؟.. ولماذا؟ وفق الرؤية الأمريكية؟