محمد حسن الساعدي
يشكل ملف “السلاح خارج إطار وقرار الدولة” في العراق، أحد أعقد التحديات التي تواجه مسار بناء الدولة وتثبيت أركان الاستقرار السياسي والأمني منذ العام 2003 إذ لم تكن هذه الظاهرة وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة لترسبات تاريخية وأزمات متراكمة مرت بها البلاد، بدءاً من حل المؤسسة العسكرية والأمنية في أعقاب الغزو الأمريكي، مروراً بدوامة العنف الطائفي، وصولاً إلى اجتياح تنظيم داعش لمدن واسعة وما تلاه من استنفار شعبي ورسمي لمواجهة هذا الخطر الوجودي.
أسهمت هذه المحطات المتعاقبة في إيجاد بيئة خصبة لانتشار السلاح خارج المؤسسات الأمنية للدولة ودون ضوابط مع تعدد مراكز القوة والقرار بحكم الأمر الواقع، مما جعل امتلاك السلاح لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل امتد إلى الفصائل المسلحة والجهات العشائرية والجماعات المنظمة، لتتحول هذه المشكلة من مجرد تحدٍ أمني إلى معضلة سياسية وبنيوية تمس جوهر مفهوم السيادة.
وتكمن خطورة انتشار السلاح وانفلاته في تأثيره المباشر ليس على الأمن فحسب بل على العملية السياسية والمسار الديمقراطي في البلاد، فحين يمتلك الفاعل السياسي أو الاجتماعي جناحاً مسلحاً أو نفوذاً ميدانياً يتجاوز سلطة القانون، فإن قواعد اللعبة الديمقراطية تتعرض للتشويه والاضطراب ويصبح السلاح في كثير من الأحيان أداة للضغط والترهيب وحسم الخلافات بعيداً عن أروقة البرلمان والمؤسسات الدستورية.
تدمير بيئة الاستثمار والتنمية
وهذا يُضعف ثقة المواطن بالصندوق الانتخابي ويؤدي إلى تراجع المشاركة الشعبيّة في الاستحقاقات الوطنية، وبالنتيجة يُضعف الدولة التي لا يمكن ان تتقدم بوجود مراكز قوة وقرار مختلفة وبغياب مؤسسات حاكمة. فوجود السلاح غير الخاضع لسيطرة الدولة ينعكس سلباً على بيئة الاستثمار والتنمية، حيث يتردد المال المحلي والأجنبي في الدخول إلى سوق تغيب فيه ضمانات سيادة القانون ويسيطر عليه منطق القوة على العقود والمشاريع الاقتصادية.
على الصعيد الاجتماعي والعشائري، يتداخل ملف السلاح مع التكوين المجتمعي العراقي بطريقة تزيد من تعقيد المشهد، وتتصاعد من وقت لآخر النزاعات العشائرية المسلحة، خاصة في المحافظات الجنوبية والوسطى والغربية، مستخدمة أسلحة متوسطة وحتى ثقيلة، مما يربك الأمن المحلي ويستنزف جهود الأجهزة الأمنية في صراعات جانبيّة.
هذا النفوذ العشائري المسلح يأتي غالباً كملاذ أخير للمواطنين في ظل ضعف ثقتهم بمهنية المؤسسات القضائية أو قدرتها على إعادة الحقوق، وهو ما يعزز دور السلطة التقليدية القديمة على حساب سلطة القانون والدولة المدنية الحديثة.
“إحتكار الدولة للقوة عبر حصر السلاح بمؤسساتها، ليس شعارا سياسيا بل هو شرط وجودي للدولة ولضمان الاستقرار الدائم وبناء اقتصاد قوي”
البحث عن حل يُجنب الفوضى
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن ملف السلاح في العراق لا يمكن فصله عن التدافعات والصراعات التي تشهدها المنطقة، فلقد تحول العراق في مراحل متعددة إلى ساحة لتصفية الحسابات ورسائل النفوذ بين قوى إقليمية ودولية متصارعة، حيث يجد السلاح الفصائلي سنداً ودعماً خارجيين، مما يجعل قرار حصر السلاح مرتبطاً بتوازنات وتفاهمات تتجاوز الحدود الوطنية.
وهذا التداخل بين الداخل والخارج يجعل التعامل مع الملف معقداً جداً ويتطلب حكمة سياسية فائقة ودبلوماسية هادئة بما يضمن رفع يد التدخلات الخارجية وحماية القرار الوطني المستقل.
تدرك الحكومات المتعاقبة أن معالجة هذا الملف ليست بالمهمة السهلة، ولا يمكن حسمها عبر الخيارات العسكرية المباشرة فقط، لما قد يسببه ذلك من صدامات داخلية واضطرابات أمنية واسعة.
إن الحل الشامل ينبغي أن يستند إلى رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة تبدأ بإعادة بناء واستكمال جاهزية المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية من جيش وشرطة وأجهزة استخبارات، وتعزيز بنيتها التحتية وتدريبها وتجهيزها لتكون القوة الوحيدة القادرة على حماية البلاد وتطبيق القانون دون تمييز أو محاباة.
حوار وطني لتفكيك شبكات السلاح
بالتوازي مع ذلك، يحتاج العراق إلى تدشين حوار وطني شجاع وصريح بين جميع القوى السياسية والفاعلين الاجتماعيين للوصول إلى ميثاق شرف ينظم العلاقة بين السياسة والسلاح، ويضع جدولاً زمنياً وآلية واضحة لإدماج السلاح بكافة أشكاله ضمن هيكلية الدولة، وتفكيك الشبكات المسلحة غير القانونية، ما يتطلب تفعيل الإرادة السياسية الصادقة للقيادات والمكونات المختلفة، وتقديم المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية أو الفئوية الضيقة.
إن حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد شعار سياسي أو مطلب انتخابي يتكرر عند كل أزمة، بل هو شرط وجودي لقيام دولة المواطنة والاستقرار الدائم فلا يمكن التأسيس لمستقبل واعد للجيل الجديد أو بناء اقتصاد قوي ومستدام دون العودة إلى المبدأ الأساسي المتفق عليه عالمياً، وهو أن الدولة هي الكيان الوحيد الذي يمتلك الاحتكار الشرعي لاستخدام القوة.
لا يملك العراق خيارا غير إنجاح معالجة هذا الملف السيادي، لتجنب الانزلاق نحو الفوضى والاقتتال، وهو السبيل الأمثل لاستعادة العراق لمكانته الطبيعية كدولة مستقرة ذات سيادة كاملة على أراضيها وقرارها.