يفتح في علامة تبويب جديدة

آراء: ثقافة “سري وشخصي”: الحصانة البيروقراطية لملفات الفساد في مواجهة الصحافة الاستقصائية

ثقافة “سري وشخصي”: الحصانة البيروقراطية لملفات الفساد في مواجهة الصحافة الاستقصائية

دكتور أحمد فاتح محمد

في كل مرة يقترب فيها صحفي استقصائي أو باحث حقوقي في العراق من تتبع خيوط عقد حكومي مشبوه، أو فحص جداول مصروفات مشروع بنية تحتية متلكئ، يصطدم بجدار سميك ختمت عليه عبارة سري وشخصي أو للتداول الداخلي فقط.

لا يقف هذا العائق عند حدود التعنت البيروقراطي الروتيني المعروف، بل يعكس نمطاً هيكلياً ومقونناً للتعتيم المتعمد، يوظف بشكل ممنهج لتعطيل أدوات الرقابة والمساءلة العامة، وتحصين ملفات استنزاف المال العام، بكل ما تحمله تلك الملفات من تهديد لاقتصاد الدولة وربما وجودها، من المتابعة الصحفية والبحث والتقصي والنشر الاستقصائي.

المأزق الدستوري وفراغ النص

يكفل دستور جمهورية العراق لعام 2005 في مادته (38) حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام بما لا يخل بالنظام العام والآداب. إلا أن هذه الضمانة الدستورية تظل ناقصة الفاعلية بل معطلة بنيوياً في ظل غياب تشريع نافذ يكرس الحق في الحصول على المعلومة وتداولها.

لقد ظل مشروع قانون حق الحصول على المعلومة حبيس أروقة مجلس النواب العراقي لدورات تشريعية متعاقبة ولم يكن هذا التعطيل نتاج إهمال فني، بل جاء نتيجة مقاومة سياسية ممنهجة من قبل كتل برلمانية نافذة ترى في الشفافية خطراً مباشراً على شبكات مصالحها ونشاط مكاتبها الاقتصادية التي تحوم حول الكثير منها أسئلة حساسة.

وتزداد الخطورة مع محاولات تفريغ مسودات القانون من جوهرها المعياري، ومن ضروراتها الوطنية، عبر حشوها باستثناءات فضفاضة تحت لافتات مطاطة من قبيل حماية الأمن القومي وأسرار الدولة، بما يتيح للإدارات الحكومية حجب أدق تفاصيل العقود والمناقصات العمومية والمنع المسبق لفتح عشرات الملفات الحساسة المرتبطة بالهدر والفساد.

الترسانة العقابية وإرث ما قبل 2003

تستند المؤسسات التنفيذية والرقابية، في عملها الذي يُقيد ويحجب المعلومات، إلى ترسانة تشريعية بالغة التشدد تعود لحقبة ما قبل عام 2003، وفي مقدمتها قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل.

توظف نصوص مثل المادة (327) والمادة (437) المتعلقة بإفشاء الأسرار الوظيفية والمعلومات الرسمية كأداة ردع جنائي ضد الموظفين ما يجعل تقديمهم لوثيقة تكشف هدراً مالياً بمثابة جريمة يعاقب عليها القانون، بدلاً من التعامل معها كعمل وطني لحماية المصلحة العامة.

يمتد هذا التكييف العقابي ليطال الصحفيين الاستقصائيين أنفسهم. إذ تجد غرف الأخبار وأقسام انجاز التحقيقات نفسها عرضة لدعاوى قضائية كيدية بتهم حيازة وثائق مسربة بطرق غير مشروعة أو التشهير بمؤسسات رسمية، مما يقلب المعادلة القانونية رأساً على عقب: فبدلاً من التحقيق في محتوى الوثيقة ومحاسبة الفاسد، يتحول الجهد القضائي لمطاردة الصحفي والشخص المُبلغ عن الفساد، ومعرفة مصدر التسريب، ومن هم الموظفون الذين قاموا بإعطاء المعلومات في هذه القضية او تلك، بدل التحقيق في ما تم كشفه من خروقات وانتهاكات.

خرق الالتزامات الدولية لمكافحة الفساد

يتناقض هذا التعتيم المقونن بشكل صارخ مع التزامات العراق الدولية، وتحديداً اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادق عليها العراق بموجب القانون رقم 35 لسنة 2007.

المادتان (10) و(13) من الاتفاقية، تلزم الدول الأطراف باتخاذ تدابير تضمن تمكين الرأي العام من الحصول على المعلومات المتعلقة بإدارة الشأن العام وشفافية عمليات صنع القرار والإنفاق وتيسير مشاركة منظمات المجتمع المدني والصحافة الاستقصائية في كشف ومحاربة الفساد.

وما يزيد من صعوبة مهام الصحفي الباحث في ملفات الفساد، وبالتالي تقويض جهود مكافحته على مستوى الدولة، هو تعمد المؤسسات عدم نشر تفاصيل عقودها ومشاريعها، في اطار الشفافية وحق المواطنين في المعرفة.

فالوزارات والدوائر  الحكومية تمتنع عن نشر الكشوفات المالية التفصيلية، وعقود المشاريع، وتقارير الفحص الفني، وهو ما يعد خرقاً للمبادئ التوجيهية للشفافية الدولية، خاصة انه يحرم هيئات الرقابة المستقلة والصحافة من الأدوات الأساسية لمقارنة الأرقام المعلنة بواقع التنفيذ الميداني، كما تمثل تجاوزا على حق الشعب في الحصول على المعلومة التي على أساسها يمكن ان يتخذ قراره في موضوع ما، أو عملية انتخابية.

مأسسة الشفافية كضرورة استقصائية

إن فك الارتباط بين حماية الدولة وحماية الفاسدين يقتضي انتقالاً جذرياً في الفلسفة القانونية والإدارية في العراق:

1.  تشريع قانون تقدمي لحق الحصول على المعلومة: يتبنى مبدأ أصل الإتاحة واستثناء السرية، ويخضع أي حجب للمعلومات لـ اختبار الضرر والمصلحة العامة، مع تأسيس هيئة مستقلة للنظر في طعون الصحفيين والباحثين ضد قرارات الحجب البيروقراطي.

2.  حماية المبلغين: سن تشريع مستقل يوفر حصانة قانونية وأمنية للموظفين الذين يفصحون عن وثائق تكشف جرائم فساد أو انتهاكات لحقوق الإنسان، وتجريم أي إجراءات عقابية أو وظيفية تتخذ ضدهم.

3.  تعديل نصوص الإفشاء في قانون العقوبات: حصر مفهوم أسرار الدولة بالقضايا العسكرية والأمنية البحتة المحددة بدقة، ونزع صفة السرية عن كافة وثائق الإنفاق العام والمشتريات الحكومية وتراخيص الاستثمار.

إن مكافحة الفساد في العراق لا يمكن أن تنجح عبر الاعلانات الحزبية والخطابات السياسية الانتخابية، والاستعراضات الإعلامية أو ملاحقة صغار المرتشين، فالتحقيق الاستقصائي والصحافة التحقيقية هي أداة المساءلة الأولى، وما لم ترفع أختام السرية عن دفاتر العقود والمناقصات، سيبقى حجب الوثائق الغطاء القانوني الأكثر فاعلية لإدامة نهب ثروات البلاد بعيداً عن أعين الرأي العام.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35780}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">