بين “تفكيك” النفوذ و”البلقنة” ..واشنطن تضع بغداد أمام خيار “الحسم” أو “الانقسام والتصارع”
لا يقصد بـ"البلقنة" التفكك الرسمي للدولة أو إعادة رسم حدودها، بل يشير إلى سيناريو تظل فيه الدولة موحدة من الناحية الاسمية، بينما تتوزع السلطة وتتفتت بين الحكومة والفصائل المسلحة والأحزاب السياسية
وضع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، صورة مربكة عن مستقبل العراق، مشيراً الى سيناريو الصراع الداخلي والتفكك المناطقي، في حال أصرت الفصائل المسلحة الشـ.يعية الموالية لإيـ.ران على رفض نزع سـ.لاحها، خلال الفترة المقبلة. روبيو قال بوضوح من أن تجريد تلك الجماعات من السلاح من شأنه أن يجنب العراق خطر “البلقنة”؛ وهو تحذير صريح يربط بين استمرار وجود السلاح خارج سيطرة الدولة وبين خـ.طر تفتت البلاد إلى مناطق نفوذ متنافسة، تتمتع كل منها بقوتها العسكرية وسلطة اتخاذ القرار وحتى علاقاتها الخارجية الخاصة.
ورغم أن مصطلح “البلقنة” ينبع في الأصل من تفكك منطقة البلقان إلى كيانات متعددة غارقة في صراعات طائفية وسياسية، إلا أنه يُستخدم في السياق العراقي للتحذير من نشوء مراكز سلطة متعددة ومتنافسة داخل الدولة الواحدة.
ليس تقسيم البلاد بل تفتيت السلطة ولا يعني مصطلح “البلقنة” التفكك الرسمي للعراق أو إعادة رسم حدوده؛ بحسب باحثين ومتخصصين، بل يشير إلى سيناريو تظل فيه الدولة موحدة من الناحية الاسمية، بينما تتوزع السلطة وتتفتت بين الحكومة والفصائل المسلحة والأحزاب السياسية؛ وهي ديناميكية تمنح أطرافاً مختلفة أوراق ضغط لممارسة تأثير مباشر على بغداد.
وتكمن إشكالية هذا النموذج في أنه يخلق نوعاً من “البلقنة الناعمة”؛ إذ لا تشهد الدولة انقساماً مفاجئاً وحاسماً، بل تنزلق تدريجياً نحو حالة من التفتت، وهي عملية تغذيها خصخصة أصول الدولة، وتكاثر القوات المسلحة، وتحول الدولة نحو واقع مشتت يتسم باللامركزية.
وفي وقت، كان يتحدث وزير الخارجية الامريكي، عن مخاطر التصارع والانقسام الداخلي في العراق، قال المبعوث الرئاسي الخاص إلى العراق #توم_باراك رداً على سؤال بشأن اعلان توحيد قوات البيشمركة الذي حصل قبل أيام: أنه امر يبعث الأمل. نحن نتعامل مع الدول وليس الميليشيات، ومستقبل العراق يعتمد على وجود أمة واحدة ودولة واحدة.
السلاح والتمديد والمخاطر وجاء تصريح مارك روبيو، عقب اللقاء الذي جمع في نيويورك، الرئيس الأمريكي وعدد من كبار مساعديه مع رئيس الوزراء العراقي منفردا دون بقية أعضاء الوفد العراقي. وهي اشارة الى حساسية اللقاء واهمية المواضيع التي تم مناقشتها، وربما اتخاذ قرار بشأنها وعلى رأسها قضية “نزع سلاح الفصائل” والمدة الجديدة التي اقترحتها الحكومة العراقية لحسم الملف والتي يسعى الزيدي لاستحصال الموافقة الأمريكية عليها، بحسب مراقبين، ذكروا أيضا، أن محدودية المشاركين في اللقاء سيجعل تسريب معلومات دقيقة عنه امرا غير ممكن سواء كانت وعودا بالدعم او تحذيرات وتهديدات. وجاء اللقاء مع قرب حلول موعد انسحاب قوات التحالف الدولي في 30 أيلول/ سبتمبر 2026، وبعد أيام من تمديد الجدول الحكومي لحسم ملف سـ.لاح الفصائل المقربة من ايران إلى 30 حزيران/ يونيو 2027 وهو واحد من الشروط الامريكية الأساسية لدعم الحكومة الحالية .
وكان الزيدي قد تعهد سابقاً بحصر السلاح بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف، لكنه فشل في تحقيق ذلك في ظل رفض بعض قوى الاطار التنسيقي الحاكم المواجهة مع الفصائل، قبل أن تطرح الحكومة خطة جديدة تبدأ بتهدئة تستمر 90 يوماً، تمتنع خلالها الفصائل عن شن الهجمات مقابل عدم استهدافها من القوات الأمريكية، ثم تبدأ مرحلة تسليم الأسلحة تدريجياً.
وقال المبعوث الأميركي توم براك، عن الخطة العراقية المطروحة: ان اندماج الفصائل في الجيش سيتم عبر عملية تدريجية تتضمن تسليم الأسلحة والدمج خلال عدة أشهر، وان ثلاثة فصائل من أصل ستة وافقت على الاندماج. وترى واشنطن أن تمديد المدة يختبر جدية الحكومة العراقية، خصوصاً مع تمسك فصـ.ائل بارزة بسـ.لاحها وربط التخلي عنه بشروط لا تتعلق بخروج القوات الأجنبية فقط بل بإنهاء التأثير الأمريكي كله في العراق.
تحذير من عدم الايفاء بالتعهدات وخلال الاجتماعات العراقية الأمريكية في نيويورك، جدد وزير الخارجية الأمريكي، بحسب مصادر متطابقة، تأكيده على أهمية تفكيك الفـ.صائل التي تصنفها واشنطن “إرهــ.ابية”، ومنع تنفيذ هجمات من الأراضي العراقية، وتمكين الدولة من ممارسة سيادتها بصورة كاملة. ويحمل موقف مارك روبيو رسالتين إلى بغداد، الأولى تؤكد دعم واشنطن لرئيس الوزراء في تنفيذ خطة حصر السلاح، والثانية تحذره من أن هذا الدعم لن يبقى مفتوحاً إذا لم تنتقل الحكومة من التعهدات إلى الإجراءات.
وبذلك، تربط واشنطن مستقبل علاقتها مع بغداد بثلاثة ملفات مترابطة، إنهاء سـ.لاح الفصائل، ومنع الهجمات من الأراضي العراقية، وإبعاد مؤسسات الدولة عن النفوذ الإيـ.راني. كما تحاول تحميل الحكومة مسؤولية أي هجوم ينطلق من العراق، حتى إذا نفذته جهة مسـ.لحة لا تخضع بصورة مباشرة لقراراتها.
أما بغداد، فتواجه معادلة أكثر صعبة، لأنها مطالبة باستعادة قرارها الأمني من دون إشعال صراع داخلي، والحفاظ على علاقتها بواشنطن من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع القوى المرتبطة بإيـران.
ويضع تلميح واشنطن إلى احتمالية “بلقنة العراق” في حال رفضت الفصائل تسليم أسلحتها وفشلت الحكومة في تلك المهمة، البلاد أمام سيناريوهات معقدة؛ إذ يحذر محللون أمنيون وسياسيون من أن العراق قد يدفع ثمناً باهظاً جراء “تعنت” هذه الفصائل التي تخدم مصالح طهـ.ران على الأراضي العراقية وعلى حساب مصلحة العراق.
السياسي والنائب السابق عدنان الزرفي: – السياسة الأمريكية تجاه العراق تقترب من لحظةِ إعادة تعريف لا مجرد إعادة ترتيب، إمّا أن تُحسم مسألة السلاح خارج الدولة ضمن مسار سياسي يفضي إلى تفكيك الفصائل ونزع سلاحها، لأن استمرار وجودها بات يمسّ وحدة العراق، وإمّا أن يصبح تعذّر إنتاج دولة اتحادية قوية قابلة للحكم مدخلاً لإعادة النظر في شكل العراق نفسه. – رفض مقترح الإطار التنسيقي بشأن آلية حصر السلاح قد لا يكون نهاية المسار، إذ إن ما يصعب على الإطار تفكيكه من السلاح، قد يكون أيسر على الآخرين تفكيكه من العراق.
الكاتب والصحفي رسلي المالكي: – مصطلح (البلقنة) الذي أشار له روبيو خطير للغاية، فهو يعطي إنذاراً بإمكانية اندلاع حرب داخلية عراقية فيما لم تسلم الفصائل سـ.لاحها. – الصراع هنا سيكون بين الدولة والفصائل المسلحة، وسيخلق انقساما بين العراقيين بين من يقف مع الدولة ومن يقف ضدها، بل قد يقود إلى انقسامات بداخل الفصائل ذاتها.
الخبير العراقي في الشأن الأمريكي رمضان البدران: – وزير الخارجية الأمريكي لن يتعامل مع الجداول الزمنية التي وضعتها حكومة الزيدي بالتنسيق مع قوى الإطار والفصائل. وبيان الخارجية الأمريكية الصادر عقب الاجتماع مع الوفد العراقي حمل موقفاً واضحاً، واستخدم عبارة “تفكيك المـ.يليشيات الإرهابيـ.ة”. – اختيار كلمة “التفكيك” لم يكن عفوياً، لأنها تختلف عن نزع السلاح أو التنظيم أو الدمج داخل المؤسسات الرسمية، وتعني أن واشنطن لا تريد استمرار هذه الجمـ.اعات بصيغتها العسكرية والتنظيمية الحالية. – لم تمنح الإدارة الأمريكية أهمية للموعد الجديد الذي حددته الحكومة لإنهاء الملف في 30 حزيران يونيو 2027، وما زالت تتمسك بإجراءات أسرع وأكثر وضوحاً. – الموقف الأمريكي أصبح أكثر تشدداً عقب الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة السعودية. – لن تتخلى الفصائل بسهولة عن أسلحتها، بسبب ارتباطها العقائدي بإيـ.ران. لكن فرصها ستنحصر تدريجياً بين الخضوع لسلطة الدولة وإنهاء تشكيلاتها المستقلة، أو الدخول في مواجهة مع الحكومة والولايات المتحدة. – من المستبعد الوصول إلى تسوية سهلة، بسبب حاجة قوى سياسية نافذة إلى الفصائل لحماية نفوذها وضمان بقائها داخل النظام.
الأكاديمي والمحلل السياسي د.علي أغوان: – يتحدثون عن موعد جديد هو نهاية حزيران يونيو 2027 لإنهاء عمليات حصر السلاح بيد الدولة. هذا التاريخ للاسف قد يكون ملزم للزيدي فقط وليس لأي طرف آخر. لا الولايات المتحدة ستلتزم به ولا الفصائل ستنخرط فيه وتحترمه، وستتبعثر كل الاوراق في ما اذا اتت لحظة الصدام العسكري الامريكي الايراني من جديد. – مع أي مواجهة، لا تستطيع الحكومة أنْ تضمن تسليم الأسلحة ضمن المسار الزمني المطروح، او حتى عدم تنفيذ الفصائل عمليَّات ضدَّ القوات الأمريكيَّة أو دول الجوار أو إقليم كردستان. – خطَّة الزَّيدي تتضمن مراحل متدرجة، تبدأ بمرحلة انتقاليَّة، ثمَّ تسليم السلاح، وصولاً إلى مرحلة الإدماج، إلّا أنَّ السُّؤال الأساسي يبقى متعلقاً بمدى قدرة الحكومة على ضمان التزام الفصائل بهذه المراحل، فضلاً عن عدم وجود ضمانات مقابلة للجانب الأمريكي بعدم استهداف الفصائل.
الكاتب د.يحيى الكبيسي، يعيد التذكير بمنشور سابق له: – قرار حل المـيليشيات، أو نزع سـلاحها، ليس قرارا عراقيا في النهاية، بل هو قرار إيـ..راني. ومن ثم لا يمكن التعويل على مسرحية مرتجلة كانت أو محبوكة، لحسم هذا الموضوع، فلا إمكانية مطلقا للحديث عن مراجعة قد يجريها الفاعل السياسي الشيعي لهذه التبعية لإيـ.ران، على المدى المتوسط في أقل تقدير. – لا يمكن داخليا حل هذه الميـليشيات أو نزع سلاحها إلا بقرار أمريكي عبر الضغط الاقتصادي والمالي، وهو أمر أشك في تحققه، وأقصى ما يريده الأمريكيون هو تسليم تلك الميليشـيات لصواريخها وطائراتها المسيرة.