صفاء رشيد
لم يعد السؤال العراقي المطروح، مع اقتراب موعد اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي، وبدء مسار حصر السلاح بيد الدولة، هو فقط: هل تستطيع الحكومة إنهاء وجود السلاح خارج قرارها؟ بل أيضا حصر اقتصادياتها التي نشأت وتغولت في ظل السلاح؟
فحتى لو نجحت بغداد في وضع السلاح تحت سلطة المؤسسات الرسمية للدولة، يبقى السؤال الأكثر تعقيداً بلا إجابة، وهو: “ماذا سيحدث للنفوذ الذي تراكم حول هذا السلاح خلال سنوات طويلة؟” و”مَن يضمن ألّا تنتقل القوةُ من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي الذي دخلته الفصائل بقوة منذ سنوات، بحيث تتغير أدوات النفوذ من دون أن تتغير بنيته؟”.
كان مسار حصر السلاح يتزامن مع موعد اكتمال خروج قوات التحالف في 30 أيلول/سبتمبر 2026، لكن جرى فصل المسارين عن بعضهما قبل أسابيع من قبل أبرز قوى الاطار التنسيقي الحاكم، ليتم تأجيل اكمال “النزع، او الحصر، او التنظيم” الى 30 حزيران/ يونيو 2027، مع تأكيد الحكومة مضيها في المشروع والحوار مع الفصائل باتجاه إنهاء الأدوار الأمنية خارج مؤسسات الدولة، بينما لا تزال مواقف الفصائل متفاوتة بشأن آليات حصر السلاح وشروطه، وبعضها ترفضه جملة وتفصيلاً.
لكن التركيز على البندقية وحدها قد يحجب جزءًا مهمًا من المشكلة فالقوة التي نشأت في ظل السلاح لا تتحدد بما تمتلكه من قدرات عسكرية فقط وإنما بما تستطيع الوصول إليه من موارد وشبكات مصالح وفرص اقتصادية. ومن هنا تظهر مسألة (الاقتصاد الموازي) المرتبط بشبكات السلاح والقوة السياسية بوصفها أحد الملفات التي ستحدد ما إذا كان (حصر السلاح) يمثل تحولًا في بنية الدولة فعلًا أم مجرد تغيير في شكل النفوذ.
ولا يُقصد بـ(الاقتصاد الموازي) هنا كل نشاط تجاري تملكه شخصية سياسية أو كل شركة يعمل فيها أشخاص ينتمون إلى حزب أو فصيل، فهذا جزء طبيعي من انتقال القوى السياسية إلى العمل المدني والاقتصادي، ما دام يجري في إطار القانون.
المقصود هو شبكة الأنشطة والموارد والمصالح التي تتحرك خارج القواعد نفسها التي يُفتَرَض أن تحكم الاقتصاد الرسمي، أو تستفيد من النفوذ السياسي والأمني للحصول على امتيازات لا يستطيع المنافس الاقتصادي العادي الوصول إليها.
فعلى مدى سنوات الأزمات الأمنية والسياسية نشأت في العراق مساحات واسعة عند الحدود الفاصلة بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي مثل مساحات التجارة وتهريب المنافذ الحدودية والعقود والاستثمارات والأراضي والجبايات غير القانونية والقدرة الاستثنائية على الوصول إلى موارد الدولة.
فلم تتشكل كل هذه المساحات بمعزل عن السياسة فحين تكون الدولة ضعيفة في فرض قواعدها تصبح القدرة على الوصول إلى الموارد العامة واستغلالها لمصالح خاصة جزءا من القوة السياسية نفسها.
اقتصاد النفوذ والاقتصاد الموازي
تقدم المنافذ الحدودية مثالًا واضحا على أهمية السيطرة على الموارد في إنتاج النفوذ في العراق، فخلال عام 2025 تجاوزت الإيرادات الجمركية للمنافذ العراقية تريليوني دينار، ثم أعلنت هيئة المنافذ الحدودية أن الإيرادات غير النفطية المتحققة عبر المنافذ بلغت أكثر من 2.5 تريليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، في وقت قالت فيه الهيئة إن أكثر من 20 معبرًا غير رسمي أُغلق وإن الأتمتة والربط الإلكتروني أسهما في الحد من التلاعب والتهرب. ويقصد هنا وجود جهات تستفيد من تلك المنافذ بشكل أو آخر.
كما كانت وثائق عراقية كشفتها تحقيقات نيريج قد أظهرت في وقت سابق وجود عشرات المنافذ والمعابر غير الخاضعة بصورة كاملة للمنظومة الاتحادية أغلبها يقع تحت سلطة إقليم كردستان أو في مناطق متنازع عليها، بما جعل جزءًا من حركة التجارة والإيرادات خارج السيطرة الموحدة للدولة.
وتكشف هذه الوقائع أن المسألة لا تتعلق فقط بحجم الأموال الضائعة بل بمن يمتلك القدرة على تنظيم حركة المال والبضائع وتحديد الجهة التي تحصل على الإيراد. وهنا تفرض قاعدة “اقتصاد النفوذ” نفسها، وهي القدرة التي يمكن أن تتحول في بيئة سياسية وأمنية هشة إلى نفوذ اقتصادي وسياسي يوازي سلطة الدولة.
ومن هنا يمكن التمييز بين (الاقتصاد الموازي) و(اقتصاد النفوذ) فالاقتصاد الموازي في الأساس هو النشاط الذي يجري خارج القواعد الرسمية للدولة أو بعيدًا عن الرقابة الكاملة للدولة، أما اقتصاد النفوذ فهو المرحلة التي تصبح فيها القدرة على الوصول إلى هذه الموارد أو حمايتها أو التحكم بحركتها مرتبطة بالقوة السياسية والأمنية.
وفي هذه الحالة لا تعود الموارد هدفًا اقتصادياً فقط وإنما تتحول إلى مصدر قوة يمكن استخدامه لتثبيت الموقع السياسي وتوسيع قواعده وترسيخه في معادلة القرار، وبناء شبكات المصالح وإعادة إنتاج النفوذ. لذا فإن القضية لا تتعلق بحجم الأموال التي تتحرك خارج الاقتصاد الرسمي فحسب بل بمن يملك القدرة على الوصول إليها ومن يستطيع حمايتها ومن يحولها إلى قوة سياسية وبهذا المعنى يصبح اقتصاد النفوذ نتيجة لتداخل المال مع السلطة وليس مجرد صورة أخرى من صور الاقتصاد الموازي.
النفوذ.. من السلاح إلى الاقتصاد
تتضح العلاقة بين السلاح واقتصاد النفوذ أكثر حين نعلم أن السلاح لا ينتج المال بصورة مباشرة لكن بإمكانه توفير البيئة التي تسمح بحماية المصالح وردع المنافسين وفرض النفوذ في المناطق التي تكون فيها مؤسسات الدولة أضعف، وفي الاتجاه المقابل تستطيع الموارد الاقتصادية أن تمنح القوة المسلحة قدرة أكبر على الاستمرار وبناء الشبكات وتمويل النشاط السياسي والاجتماعي وتوسيع القواعد، وبذلك لا يعود الأمر مجرد علاقة بين السلاح والمال فقط وإنما يصبح حلقة متكاملة (القوة توفر الحماية) و(الموارد توفر الاستمرار) و(النفوذ السياسي يحول دون تفكيك الشبكة) وكلما أصبحت هذه العلاقة أكثر رسوخا أصبح الفصل بين المجال الأمني والاقتصادي أكثر صعوبة.
وهذه إحدى أكثر المسائل التي تجعل مرحلة ما بعد حصر السلاح معقدة؛ فالمشكلة ليست أن فصيلاً مسلحاً قد يتحول إلى حزب أو يدخل السوق، فهذا التحوّل يمكن أن يكون جزءًا من عملية اندماج سياسي طبيعية، المشكلة تبدأ عندما تنتقل الامتيازات التي تراكمت في ظل القوة المسلحة إلى الاقتصاد الرسمي من دون أن تخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها بقية الفاعلين، عندها يمكن أن تتحول عملية الانتقال من نزع السلاح إلى إعادة تشكيل النفوذ، أو استمالة.
فالقوة التي اعتادت ممارسة حضورها من خلال السلاح تستطيع إعادة إنتاج نفسها والاعتماد بصورة أكبر على البرلمان والحكومة والشركات والاستثمارات والتوظيف والعقود وشبكات المصالح، ولن يكون النفوذ في هذه الحالة أقل تأثيرا بالضرورة بمجرد أنه أصبح أقل ظهورا، بل ربما يصبح أكثر قدرة على التكيف مع قواعد الدولة الشكلية.
وهذه ليست فرضية منفصلة عن التطورات الحالية فمع تشديد الضغوط المالية الأميركية على شبكات مرتبطة بفصائل مسلحة، من المرجح ان تدفع العقوبات والقيود المالية بعض هذه الشبكات إلى إعادة تنظيم مصادر الإيرادات و الاعتماد على الموارد المحلية ومساحات النفوذ داخل مؤسسات الدولة والقطاعات الاقتصادية مرتفعة الإيرادات. هذا التحول تحديدًا في الضغوط المالية قد تعيد تشكيل “النموذج الاقتصادي التقليدي” للجماعات المسلحة بدل أن تؤدي إلى إنهائه وهو تحول رصدته أيضا قراءة حديثة لـ(Chatham House).
كما أن استمرار استهداف شبكات وشركات وأفراد عراقيين، في إطار العقوبات الأميركية المتعلقة بتمويل الجماعات المرتبطة بإيران، يوضح أن الصراع على النفوذ لم يعد عسكريا فقط بل اصبح مالياً أيضاً، وأنّ الوصول إلى مصادر التمويل أصبح جزءاً من معركة النفوذ الإقليمي داخل العراق، لذلك فإن حصر السلاح إذا بقي محصورا في السلاح، قد لا يكون كافيا لإنهاء البنية التي أنتجت النفوذ.
كما ان الدولة تحتاج بموازاة ذلك إلى معرفة أين تتحرك الموارد التي كانت جزءا من تلك البنية وكيف تدخل إلى الاقتصاد الرسمي ومن يملك القدرة على الوصول إليها وما إذا كانت تخضع للقواعد ذاتها التي يخضع لها أي مستثمر أو شركة أو تاجر.
والمسألة هنا ليست فتح مواجهة شاملة مع النشاط الاقتصادي المرتبط بالقوى السياسية ولا تحويل مكافحة الفساد إلى أداة لإقصاء الخصوم بل المطلوب هو أن تكون القاعدة واحدة، في النص والتطبيق، وأن تكون الموارد العامة قابلة للتتبع وأن تخضع لها جميع العقود والمنافذ والاستثمارات والشركات والجبايات، بصرف النظر عن هوية المستفيد أو قوته السياسية فالدولة التي تستعيد احتكار القوة وتترك أجزاءً من الاقتصاد رهينة لشبكات النفوذ، ستكون قد عالجت إحدى حلقات المشكلة فقط، أما الدولة التي تستطيع أن تجعل السلاح خاضعا للقانون والمال خاضعا للرقابة، والمنافسة الاقتصادية خاضعة لقواعد واحدة، فهي التي تكون قد بدأت بالفعل في تفكيك البنية التي سمحت بتداخل السياسي والعسكري والاقتصادي.
لهذا ينبغي ألّا يُقاس نجاح مرحلة حصر السلاح بعدد الأسلحة التي تدخل مؤسسات الدولة وسلطتها وحسب، بل بما إذا كانت هذه الدولة قادرة أيضاً على منع إعادة إنتاج النفوذ خارج قواعدها، فإذا أُزيل السلاح من المعادلة وبقيت الامتيازات التي نشأت في ظله، فقد يتغير شكل القوة من دون أن يتغير جوهرها.
إن معركة الدولة العراقية المقبلة، ليست بين الدولة والفصائل على السلاح فقط، وإنما بين منطقين مختلفين في إدارة الموارد: منطق الدولة التي تفترض أن المال العام والسوق والقانون تخضع لقواعد واحدة، ومنطق شبكات النفوذ التي تستطيع تحويل القوة السياسية إلى مورد اقتصادي، ثم إعادة تحويل المال إلى نفوذ سياسي.
من هنا تصبح عبارة “حصر السلاح” أضيق من حجم المهمة المطروحة أمام الدولة العراقية؛ فاستعادة احتكار القوة قد تكون خطوة أولى، لكن استعادة القدرة على ضبط الموارد وتطبيق القواعد الاقتصادية بالتساوي، هي التي تحدّد ما إذا كانت تلك الخطوة ستنتج تحولاً مؤسساتياً حقيقياً أم لا.