يفتح في علامة تبويب جديدة

آراء: دولة الرواتب.. ماذا عن حصة المواطن غير الموظف في الدخل القومي؟

دولة الرواتب.. ماذا عن حصة المواطن غير الموظف في الدخل القومي؟

إذا كانت موارد العراق ملكاً لجميع العراقيين، فلا ينبغي أن يتحدد نصيب المواطن منها بقدرته على دخول الجهاز الحكومي. الموظف يحصل على راتب وامتيازات مقابل خدمة يقدمها، بينما يحرم غير الموظف من حصته في ظل ضعف البنية التحتية والخدمات التي يحصل عليها من تعليم وصحة الى جانب ندرة فرص العمل. هنا تختل معادلة العدالة تماماً.

دلوفان برواري

ماذا يعني أن تكون مواطناً في دولة نفطية، لكنك لست موظفاً فيها؟     

هذا السؤال يقود إلى واحدة من أهم مشكلات العدالة في العراق إذا كانت الموارد العامة ملكاً لجميع المواطنين، فما الذي يحصل عليه المواطن الذي لا يتقاضى راتباً من الدولة مقابل حصته منها؟

الموظف يحصل على راتب من الخزينة مقابل عمل يؤديه للمجتمع، فيما يفترض أن تصل حصة غير الموظف عبر التعليم والعلاج والخدمات والبنية التحتية والاستثمارات التي تخلق فرص العمل. لكن عندما تستهلك الرواتب والتقاعد جزءاً كبيراً من الإنفاق العام، ولا يحصل المواطن على خدمات تتناسب مع حجم ما تنفقه الدولة، تتحول المشكلة من أزمة موازنة إلى سؤال في عدالة توزيع الثروة العامة.

دولة تحولت إلى ربّ عمل

على مدى أكثر من عقدين، توسعت الوظيفة العامة في العراق حتى تحولت من وسيلة لإدارة الدولة إلى واحدة من أهم وسائل توزيع الريع النفطي ومعالجة البطالة.

ووفق بيانات البنك الدولي المنشورة عام 2025، يشكل العاملون في القطاع العام 37.4% من إجمالي العمالة في العراق، مقابل 25.3% في السعودية و22.8% في الكويت و10.7% في قطر. ولا تعني المقارنة وجود نسبة مثالية واحدة للتوظيف الحكومي، لكنها تكشف حجم اعتماد العراق على الدولة في التشغيل.

هذا التوسع صنع دائرة مغلقة: ضعف القطاع الخاص يدفع الشباب نحو الوظيفة الحكومية، والتعيينات ترفع النفقات الجارية، فتتقلص قدرة الدولة على الاستثمار، ويضعف الاقتصاد والقطاع الخاص، فيزداد الطلب مجدداً على التعيين.

وهكذا لم تختفِ البطالة بقدر ما انتقل جزء منها إلى مؤسسات الدولة في صورة بطالة مقنعة تمولها الخزينة العامة.

الراتب مقابل ماذا؟

لكن عدد الموظفين ليس المشكلة الوحيدة. السؤال الأهم هو: ماذا يحصل المجتمع عموما مقابل الأموال التي تنفق؟

الوظيفة العامة عقد بسيط في جوهره: راتب وأمان وظيفي مقابل خدمة. لكن المواطن يرى دوائر مكتظة بالموظفين يقابلها بطء في الإنجاز، ومؤسسات صحية وتعليمية ضخمة لكنها بخدمات متواضعة، فيضطر للبحث عن الخدمة الأفضل في القطاع الخاص.

وتصبح المفارقة أوضح عندما يكون مقدم الخدمة هو الشخص نفسه. فقد لا يحصل المريض في المستشفى الحكومي على الوقت والاهتمام المطلوبين، ثم يجد الطبيب نفسه يقدم خدمة مختلفة في عيادته أو مستشفى خاص. وقد يقدم المدرس في مدرسة أهلية، حيث المتابعة والمحاسبة أكبر، أداء مختلفاً عما يقدمه في المؤسسة الحكومية.

هذا لا يعني أن جميع الموظفين مقصرون؛ فكثيرون يعملون بكفاءة وفي ظروف صعبة. لكنه يعني أن ضعف الخدمات لا يرتبط بنقص الأموال والتجهيزات وحدهما، بل أيضاً بضعف الإنتاجية ونظام وظيفي لا يربط بما يكفي بين الراتب والأداء وجودة الخدمة.

“لم تعد الوظيفة العامة راتباً مقابل عمل فقط، بل أصبحت في حالات كثيرة بوابة إلى شبكة من المنافع الاقتصادية والاجتماعية، بينما يبقى العامل في القطاع الخاص أو صاحب العمل الحر خارج تلك الشبكة”

المواطن خارج منظومة الامتيازات

ولا يقتصر الفارق بين الموظف وغير الموظف على الراتب. فالوظيفة العامة تفتح أيضاً باباً إلى مجموعة من الامتيازات والتسهيلات التي يصعب على المواطن خارجها الحصول عليها بالشروط نفسها.

فالحصول على بعض السلف والقروض المصرفية يكون متاح لموظفي الدولة، ولا سيما عند توطين الرواتب، كما خصصت برامج حكومية مختلفة قطع أراضٍ سكنية لفئات من الموظفين، إلى جانب تسهيلات وامتيازات أخرى مرتبطة بصفة الموظف أو راتبه، إضافة الى التقاعد المضمون الخ.

وهكذا لم تعد الوظيفة العامة راتباً مقابل عمل فقط، بل أصبحت في حالات كثيرة بوابة إلى شبكة من المنافع الاقتصادية والاجتماعية، بينما يبقى العامل في القطاع الخاص أو صاحب العمل الحر خارجها.

وهنا يصبح سؤال العدالة أكثر وضوحاً: لماذا يحدد الموقع الوظيفي للمواطن مقدار استفادته من موارد هي في الأصل ملك للجميع؟

المواطن يدفع مرتين

الأكثر مفارقة أن المواطن غير الموظف يساهم في تمويل المنظومة التي يبقى خارج جزء كبير من امتيازاتها. فهو يدفع الضرائب والرسوم وأجور الخدمات، ثم يضطر في كثير من الأحيان إلى الدفع مرة أخرى للحصول على تعليم أهلي أو علاج خاص أو كهرباء بديلة وخدمات لم يحصل عليها بالمستوى المطلوب من الدولة. أي أنه يدفع مرتين: مرة لتمويل الدولة وجهازها، ومرة لشراء الخدمة التي كان يفترض أن يقدمها ذلك الجهاز.

وتزداد المفارقة عندما تعالج الدولة أزمتها المالية بزيادة الضرائب والرسوم من دون إصلاح موازٍ في حجم الجهاز الحكومي وإنتاجيته. فصاحب المتجر والعامل والمزارع وصاحب المشروع لا يحصلون على راتب من الخزينة، لكنهم مطالبون بالمساهمة في تمويلها. ومن حقهم أن يسألوا: أين حصتنا من الثروة العامة؟

حق الراتب.. وحق الخدمة

يظهر الاختلال بصورة أكثر وضوحاً عند تأخر الرواتب. فبمجرد تأخر راتب الموظف تتحول القضية إلى أزمة سياسية واجتماعية واحتجاجات، وهذا حق مشروع؛ فمن يعمل يستحق أجره كاملاً وفي موعده. لكن في المقابل هناك حق لا يحظى بالقوة نفسها: حق المواطن في الحصول على الخدمة التي موّلها.

إذا كان الموظف يستطيع أن يسأل الدولة: أين راتبي؟ فمن حق المواطن أيضاً أن يسأل الموظف والمؤسسة: أين خدمتي؟

الراتب حق محدد بالدينار واليوم، بينما بقيت الخدمة حقاً فضفاضاً يمكن أن تتراجع جودته سنوات من دون مساءلة مماثلة. وهنا يختل العقد عندما تكون الدولة ملزمة بدفع الراتب، بينما لا يخضع الجهاز الذي يتلقى هذا الراتب للمستوى نفسه من المحاسبة عن جودة الخدمة.

“المفارقة أن المواطن غير الموظف يساهم في تمويل المنظومة التي يبقى خارج جزء كبير من امتيازاتها. فهو يدفع الضرائب والرسوم وأجور الخدمات، ثم يضطر في كثير من الأحيان إلى الدفع مرة أخرى للحصول على تعليم أهلي أو علاج خاص أو كهرباء بديلة”

ليست المشكلة في الموظف وحده

القضية ليست مواجهة بين الموظف وغير الموظف، انما المشكلة في النظام الذي صنع هذا النموذج: تعيينات لا ترتبط دائماً بالحاجة، وضعف في قياس الأداء، وترقيات وحوافز لا ترتبط بما يكفي بالإنتاجية، واستخدام الوظيفة العامة لأغراض سياسية انتخابية ولمعالجة البطالة بدلاً من بناء اقتصاد يخلق فرص العمل.

لذلك لا يكون الإصلاح بقطع الرواتب، بل بإعادة تعريف الوظيفة العامة: راتب مقابل عمل، واستقرار وظيفي مقابل التزام، وترقية وحوافز مقابل كفاءة وإنتاجية، ومحاسبة عند التقصير.

وبالتوازي، يجب توجيه الموارد التي يوفرها الإصلاح نحو الاستثمار والخدمات وتنمية القطاع الخاص، حتى لا تبقى الوظيفة الحكومية الطريق الأكثر أماناً للاستفادة من ثروة البلاد.

لمن تنتمي الثروة؟

في النهاية، القضية ليست عدد الموظفين ولا حجم الرواتب فقط، بل كيفية توزيع الثروة العامة. إذا كانت موارد العراق ملكاً لجميع العراقيين، فلا ينبغي أن يتحدد نصيب المواطن منها بقدرته على دخول الجهاز الحكومي. الموظف يحصل على راتب وامتيازات مقابل خدمة يقدمها، بينما يجب أن يحصل غير الموظف على حصته عبر التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات وفرص العمل وخلق بيئة صالحة للاستثمار.

وحين يحصل الأول على الراتب والامتيازات، ولا يحصل الثاني على الخدمة، ثم يُطلب منه دفع المزيد من الضرائب والرسوم، تختل معادلة العدالة.

لقد توسعت الدولة في توزيع الثروة عبر الرواتب والامتيازات أكثر مما نجحت في توزيعها عبر الخدمات والتنمية. والفارق جوهري: الراتب والامتياز الوظيفي يصلان إلى فئة محددة، بينما المدرسة والمستشفى والطريق والكهرباء والاستثمار تصل منفعتها إلى الجميع. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف ندفع أقل للموظفين؟

بل: كيف نجعل كل دينار تنفقه الدولة على الوظيفة العامة يعود إلى المواطن في صورة خدمة، وكل دينار توفره من الهدر يعود إلى المجتمع في صورة تنمية؟

عندها فقط يمكن الانتقال من “دولة الرواتب” إلى دولة تكون فيها الثروة العامة حقاً لجميع المواطنين.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35732}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">