شحة المشتقات ستستمر لفترة أطول.. انتاج لا يسد الاستهلاك المتزايد وعمليات التهريب المتواصلة
هناك مفارقة صادمة في أزمة المشتقات النفطية، فالبلد الذي يمتلك احتياطيا هائلاً، ما يزال عاجزا عن انتاج حاجته من المشتقات نتيجة تعثر خطط تطوير البنية التحتية للطاقة، في وقت يتصاعد الاستهلاك بوجود سبعة ملايين سيارة، وما يعقد الأزمة هو استمرار مشكلة التهريب الذي يجري عبر شبكات مدعومة من شخصيات نافذة وفصائل مسلحة.
خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت #بغداد والمحافظات العراقية، أزمة في المشتقات النفطية شغلت تفكير وأحاديث العراقيين، إذ شَحَّ البنزين بجميع أصنافه، وتراجع تجهيز الگاز/ الديزل، واحتشدت السيارات والشاحنات على أبواب محطات الوقود وهدد أصحاب المولدات الكهربائية التي تزود الأحياء السكنية بإيقاف تشغيلها، وقبل ذلك، ارتفع سعر غاز الطبخ لمستويات قياسية.
بحسب خبراء اقتصاديين، أزمة شحة البنزين وبعض المشتقات النفطية، التي تفاقمت في منتصف شهر أيلول/ سبتمبر، ستطول وتمتد للأشهر المقبلة، لأن الانتاج المحلي لا يسد حاجة السوق والحكومة تضطر لاستيراد جزء من احتياجات البلاد من الأسواق العالمية، التي تشهد ظروفا استثنائية نتيجة الحرب الأمريكية الايرانية، واغلاق مضيق هرمز أمام حركة الناقلات النفطية.
ولا تقتصر آثار الأزمة على مشكلة الانتظام في طوابير الانتظار للتزود بالوقود، فشح الغاز ينعكس على تراجع انتاج الكهرباء الوطنية، وشح الگاز/ الديزل يؤثر على اسعاره في السوق المحلية والتي بدورها تؤثر على اسعار انتاج الكهرباء من خلال المولدات الأهلية، اضافة الى تزايد كلف نقل مختلف أنواع السلع بما فيه الأساسية.
وفي مواجهة الأزمة، تتجه الحكومة نحو خيار رفع الدعم تدريجيا عن أسعار المنتجات النفطية للعديد من القطاعات بما فيها الانتاجية، مع استثناء المنتجات المجهزة للمواطنين حصرا، في وقت يطالب مختصون بالاسراع في انجاز مشاريع الطاقة المتعثرة، ومكافحة التهريب بمنظومات تتبع صارمة بالإضافة إلى مراجعة سياسة الدعم بما يوازن بين حماية المواطن ومنع استنزاف الخزينة، فضلا عن اطلاق مشاريع النقل العام، بدل التركيز على بناء الطرق والجسور التي لم تحل الاختناق المروري ولا الوقودي.
في تقرير لها تتتبّع منصة “صحيح العراق” جذور أزمة الوقود العراقية، وتتقصى في الإجراءات الحكومية، وتبحث عن الأسباب ومواضع الفشل. ويعرض التقرير حالة قطاع التكرير العراقي ومشروعاته، والتداعيات المحتملة للأزمة على حياة العراقيين ومعيشتهم خاصة مع احتمال تجدد الحرب الأمريكية الايرانية وتمددها لأشهر أخرى واحتمال توسعها لتشمل دول أخرى في المنطقة.
الأزمة قديمة والحرب فاقمتها!
منذ سنوات تتكرر مشاكل توفر الوقود بين فترة وأخرى خاصة في أشهر الصيف، حيث يرتفع الاستهلاك سواء من قبل السيارات او مولدات انتاج الكهرباء. لكن هذه الأزمة التي ضربت بغداد وعددا من المحافظات، ترتبط بشكل مباشر بتداعيات الحرب الإقليمية بين #واشنطن وطهران وما تلاها من توترات في مضيق هرمز، إذ أدى إغلاق المضيق وتعطل جانب كبير من صادرات العراق النفطية ووارداته من الوقود إلى تفاقم الأزمة في وقت لا يكفي فيه الإنتاج المحلي لتغطية احتياجات السوق.
ومرت أزمة الوقود في العراق بمرحلتين متتاليتين: الأولى بتوقف أنبوب غاز التاجي، والثانية مع اندلاع الحرب، والتي أدت إلى توقف إنتاج #النفط العراقي وبالتالي توقف #الغاز المصاحب له. أما على مستوى البنزين فإنّ العراق يحتاج إلى استيراد نحو خمسة ملايين لتر يوميًا لسد الفارق بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، وأي تأخر في وصول الناقلات بسبب الأوضاع الأمنية ينعكس مباشرة على المحطات.
ومع اشتداد الأزمة على امتداد المدن العراقية، تقول الجهات المسؤولة إن الأسباب لا تتمثل بنفاد المخزون الاستراتيجي، بقدر ما هي اختناق مؤقت في سلسلة الإمداد، إذ أكّد متحدث وزارة النفط أن العجز خلال مدة مغادرة الناقلة وعودتها يعوَّض عبر الخزين المتاح، وأن الوزير وجّه بالتعاقد مع شركة وناقلة إضافية لتفادي هذا العجز المتكرر.
المحافظات الأكثر تضررا
في الشارع، ظهرت الأزمة بشكل أكبر في العاصمة بغداد والمدن الكبرى (نينوى، #البصرة، كركوك، بابل وواسط)، إلى جانب معظم محافظات إقليم #كردستان.التي بدأت الأزمة فيها في شهر تموز يونيو وأدت الى تضاعف أسعار كل أنواع المشتقات لتصبح معادلة للأسعار العالمية. كما سُجّلت أزمات حادة أيضاً في الناصرية التي عانت من نقص واضح في البنزين وإغلاق معظم محطات التعبئة، وهو ما يعزى إلى مزيج من سوء التوزيع، وضعف الرقابة على حصص المحطات الأهلية مقابل الحكومية، إلى جانب أثر التهريب عبر الحدود.
وفي واسط ونينوى تحديدا، ما تزال الأزمة قائمة، حيث تمتد طوابير مركبات لكيلومترات أمام محطات مركزية في الموصل، كما لوحظ في نينوى تحديدًا ظاهرة “النزوح الوقودي” الى #إقليم_كردستان المجاور، ما يرفع الطلب المحلي لمستويات قياسية.
كردستان.. أزمة أقدم وبنزين أغلى وأسوأ
وفي إقليم كردستان فإنّ أزمة الوقود مزمنة ولها جذور معقدة، حيث يعتمد الأهالي بشكل كبير على المحطات الأهلية مقابل أسعار تبلغ نحو ثلاثة أضعاف الأسعار في بغداد. وفي واحدة من الموجات الأخيرة، سجلت أربيل أسعارا بلغت 2150 دينارًا لكل لتر “بنزين السوبر”، و1950 دينارًا لـ “المحسّن”، و1575 دينارا لـ”العادي” – وهي أرقام تفوق كثيرًا الأسعار المدعومة في بقية المحافظات، وترتفع تلك الأرقام أكثر لتقارب الـ2000 دينار للنوع العادي الذي يشهد اقبالا أكبر.حکومەتی هەرێمی کوردستان
ولا توزّع وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم سوى 50 ألف برميل يوميًا من الخام على مصافيها، وهو ما يعادل ثلث احتياجات الإقليم من البنزين فقط، بحسب التصريحات الرسمية، حيث ينتج البنزين العادي ويباع بسعر 750 دينارا للتر الواحد. وتطالب الوزارة بزيادة حصتها إلى 140 ألف برميل يوميًا لتغطية الاستهلاك المحلي. ويعزى فارق الأسعار الكبير بين اربيل وبغداد الى محدودية الدعم في الاقليم، كما أنّ منشآته تُدار من شركات خاصة بتكاليف تشغيل أعلى، فضلاً عن أنشطة التهريب التي يعتقد الأهالي أنّها أكبر أسباب الأزمة، وأبرز أسباب فشل حكومة الإقليم في خفض الأسعار.
السياق الإقليمي والعالمي
ومع أنّ الأزمة مرتبطة بواقع المنطقة الأوسع، إذ أثّرت التوترات في #مضيق_هرمز على قدرة العراق على استئجار الناقلات؛ إضافةً لارتفاع كلف النقل والتأمين جراء المخاطرة التي تتعرض لها الناقلات في الخليج، إلاّ أنّ جذور المشكلة الحقيقية داخلية مرتبطة بالإنتاج والتكرير وآليات إدارة القطاع، أي أن الحرب فاقمت هشاشة قائمة أصلاً، وفق مختصين.
من أين يأتي الوقود؟
وتبدأ رحلة الوقود في العراق من استخراج الخام في الحقول الجنوبية والشمالية، حيث ينتج العراق كمية ضخمة يوميا تبلغ نحو 4.2 ملايين برميل خلال الفترة التي سبقت اندلاع الحرب، مقابل استهلاك محلي من النفط والمشتقات يقارب 1.1 مليون برميل يوميا، ثم يُنقل جزء كبير منه للتصدير عبر الموانئ الجنوبية وخط جيهان التركي، بينما تذهب حصة محددة للتكرير المحلي في مصافٍ موزعة بين ثلاث شركات جغرافية (الشمال والوسط والجنوب). وبعد التكرير تُنقل المشتقات عبر الصهاريج والأنابيب إلى محطات التوزيع، لتصل أخيرًا للمستهلك.
وتكمن المشكلة الأساسية في الحلقة الثالثة: #العراق لا يعاني من نقص الخام بقدر ما يعاني من فجوة بين إنتاج النفط الخام وقدرة التكرير على إنتاج المشتقات المطلوبة محليّاً.
النقص والفائض
يتركز النقص في المشتقات “البيضاء” الخفيفة مثل البنزين عالي الأوكتان (المحسّن والسوبر)، وزيت الغاز (الكاز/الديزل) الذي شهد شحًا موازيًا في عدد من المناطق وصل إلى قطاعات خدمية، إضافة إلى الغاز السائل المنزلي. في المقابل، يمتلك العراق فائضًا كبيراً من الخام غير المكرر والمنتجات الثقيلة كالنفط الأسود (الفيول)، وهو ما يفسر المفارقة: بلد يمتلك احتياطيًا هائلاً وقدرة تصديرية تتجاوز ثلاثة ملايين برميل يوميًا، لكنه ما يزال يواجه تحديات في توفير بعض المشتقات، رغم امتلاكه إمكانات كبيرة تؤهله لتحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي، لولا معوقات التشغيل وتطوير البنية التحتية.
الاكتفاء المستعجل
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وجّه رئيس الوزراء آنذاك محمد شياع السوداني بإيقاف استيراد البنزين والگاز والنفط الأبيض مع تحقيق الاكتفاء الذاتي في العراق، وفق ما أعلن. وسبق ذلك تصريح في تموز/ يوليو 2025 بأن العراق سيتوقف عن استيراد وقود البنزين خلال ذلك العام، مؤكدًا أن البلاد باتت على أعتاب الاكتفاء الذاتي مع خطة مستقبلية للتصدير. لكن الوقائع اللاحقة تكشف أن الإعلان كان سابقًا لأوانه؛ فبحلول آب/أغسطس 2026، أي بعد أقل من عام، عادت طوابير البنزين لتتكدس على امتداد خريطة البلاد مجددا.
وخلال العام الماضي، رصد “إيكو عراق” أن العراق ينتج يوميا نحو 29 مليون لتر من البنزين من مختلف المصافي، لكن الاستهلاك اليومي يتجاوز 33 مليون لتر، أي بعجز يقدر بـ 4 – 5 ملايين لتر يوميًا كان يُغطى عبر الاستيراد من دول خليجية قبل توقفه.
ومثّل مصفى كربلاء الجديد، الورقة الرابحة في خطة الاكتفاء الذاتي، إذ لعب دورًا محوريًا في رفع إنتاج البنزين المحلي خلال العامين الماضيين، بمعدل زيادة إنتاج يصل إلى 9 آلاف متر مكعب يوميًا، ما قلّص الاستيراد إلى ما بين 4 و5 آلاف متر مكعب فقط.
أما مشروع FCC في مصافي الجنوب بالبصرة، والذي كان يُفترض أن يشكل نقلة نوعية في إنتاج البنزين عالي الأوكتان، فقد تعطل بسبب الحرب. يقول نائب عن البصرة إنّ العمل توقف في المشروع نتيجة مغادرة عدد من الشركات المصنّعة العالمية وتطبيق بند “القوة القاهرة”، ما أدى إلى تعذر تنفيذ التزامات العقد بين الجهة المنفذة وإدارة المصافي.
وكان من أبرز الشركات المنسحبة شركة JGC اليابانية المنفذة الرئيسية، إلى جانب شركات مصنّعة وموردة نتيجة الظروف الأمنية التي رافقت الحرب الإقليمية. وبحسب تقرير سابق للأزمة، فإن الوحدة نفسها كانت قد دخلت حيز التنفيذ في شباط/فبراير 2026، وفق خطة لإنتاج نحو 4 ملايين لتر من البنزين عالي الأوكتان يوميًا، قبل انسحاب الشركة المنفذة. وبعد أشهر من التعطل، تم التوصل في أواخر آب/أغسطس الماضي إلى اتفاق مع شركة JGC اليابانية لاستئناف العمل في المشروع.
ما هو مشروع FCC؟
والرمز “FCC” هو اختصار لعبارة “التكسير التحفيزي المائع (Fluid Catalytic Cracking)”، وهي تقنية تكرير متقدمة. ويذكر بيان رسمي لوزارة النفط، أنّ الهدف من المشروع هو تصحيح حالة عدم التوازن بين الطلب السوقي على وقود السيارات والمنتجات الفائضة كالنفط الأسود والنفثا الناتجة عن التقطير التقليدي، وتحقيق إيرادات مالية مضاعفة من الفارق في سعر المنتجات المكررة، أي أنها تحوّل الفائض الثقيل غير المرغوب فيه إلى بنزين عالي القيمة. وعند اكتماله، كان يُفترض أن ينتج المشروع بطاقة 55 ألف برميل يوميًا (نحو 4200 متر مكعب من البنزين عالي الأوكتان يوميًا)، إضافة إلى 1600 متر مكعب من الكازويل، و350 طنًا من غاز الطبخ — وهو ما كان سيغيّر معادلة الاكتفاء الذاتي فعليا.
قطاع التكرير.. لماذا لا يتوسع بالسرعة الكافية؟
ويمتلك العراق مصافٍ عدة موزعة جغرافيًا، لكن أيًا منها لا يعمل بكامل طاقته التصميمية، إذ أنّ مصفاة الصمود (بيجي سابقًا)، وهو أكبر المصافي بطاقة تصميمية تبلغ 280 ألف برميل يوميًا، لا يعمل إلا بنصف طاقته، بعد عمليات تخريب وسرقة أعقبت سيطرة تنظيم “داعش” عام 2014. وتخطط الحكومة لرفع الطاقة الإجمالية لشركة مصافي الشمال إلى نحو 584 ألف برميل يوميًا مع إدخال وحدات متطورة في مصافي الجنوب والشمال، إلى جانب إنشاء مجمع بتروكيماويات ومحطة كهرباء مدمجة بطاقة 2000 ميغاواط، إلّا أن هذه المشاريع تصطدم بعقبات التمويل والشراكات الأجنبية كما حدث مع مشروع FCC إضافة إلى استمرار الاعتماد الهيكلي على الاستيراد.
التهريب حقيقي وموجود
ولا تقتصر مشكلات الوقود في العراق على التكرير فقط، بل تبرز عقبات أخرى تعزز من عمق الأزمة، أخطرها التهريب، والذي لم يعد نشاطًا عشوائيًا، بل صناعة منظمة ارتبط بعضها بشخصيات نافذة داخل فصائل مسلحة أو أحزاب سياسية متنفذة تسهل عمليات التهريب في مناطق خاضعة لنفوذها.
وخلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام فقط، أعلنت شرطة الطاقة ضبط نحو 7 ملايين لتر من المشتقات النفطية واعتقال 278 متهمًا. وفي شهر واحد ألقت القوات القبض على 43 متهمًا، وضبطت 47 صهريجًا وعجلات مخصصة للتهريب، إضافة إلى مداهمة 5 مواقع لخزن المشتقات المهربة في البصرة وصلاح الدين.
البنزين المغشوش!
كما تنتشر ظاهرة الغش التجاري مع صعوبة بالغة في رصدها. يقول أحد الموظفين في محطة وقود بالعاصمة بغداد لـ “صحيح العراق”، إنّ “خلط البنزين بمواد رخيصة يوفر للمحطات المخالفة مبالغ هائلة مع صعوبة اكتشاف هذا النوع من الغش، بالنظر إلى أنّ المواد المضافة بنسب بسيطة لا تغيّر لون أو رائحة الوقود، وتحتاج إلى مختبرات بترولية متخصصة لكشفها”.
وعلى مستوى الأثر الفعلي، يشتكي سائقون باستمرار من أعطال مزمنة ضمن منظومات الاحتراق للسيارات، مع غياب رقابة حقيقية صارمة من وزارة النفط.
أزمة “غاز” أيضا
ومع هذا التشخيص تتضح أسباب نقص غاز الطعام في الأشهر الأخيرة، وكذلك شح أنواع الوقود الأساسية الأخرى مثل الكاز، والتي نقلت المشكلة إلى أزمة أكبر مرتبطة بالكهرباء، نتيجة تأثر المولدات الأهلية.
الظلام يهدد العراق بأكمله
وفي 12 أيلول/ سبتمبر 2026، أعلن رئيس لجنة المولدات في كركوك أن المحافظة ستضطر لقطع التيار الكهربائي بسبب عدم توفر الديزل، بعد قرار المحافظ بتشغيل المولدات الأهلية 24 ساعة استجابة لاحتجاجات المواطنين، دون توفر كميات كافية في السوق أو المصافي، ودون صرف الحصة المخصصة للمولدات حتى حينها، حيث يعتمد على هذه الحصة نحو 1200 مولدة أهلية في المحافظة.
في 15 أيلول/ سبتمبر 2026، تظاهر أصحاب مولدات أهلية قرب المنطقة الخضراء ببغداد، مطالبين بتوفير الگاز وإلغاء الضرائب والجبايات، بعدما أصبحت الحصص الحكومية “لا تكفي لتشغيل بعض المولدات سوى نحو 12 يومًا في الشهر”. ولوّح المحتجون بأنهم لن يكتفوا بالإطفاء بل سيرفعون مولداتهم من مواقعها ويوقفون الخدمة نهائيًا اعتبارًا من مطلع تشرين الأول/أكتوبر.
في المقابل، أعلنت شركة توزيع المنتجات النفطية إطلاق حصة المولدات الأهلية من “الگاز” لشهر أيلول/سبتمبر، مع “حملة رقابية تُلزم أصحاب المولدات بالتشغيل بالتناوب مع الكهرباء الوطنية وتغريم من يتعمد الإطفاء بمبالغ تتجاوز مليون دينار”.
البعد الأعمق: أزمة الكهرباء الوطنية
وفي مطلع 2026، انخفضت واردات الغاز الإيرانية اللازمة لتشغيل محطات التوليد إلى نحو 15-18 مليون متر مكعب يوميًا، مقابل حاجة مقدرة بنحو 50 مليون متر مكعب، ما أدى إلى عجز توليد لا يقل عن 11 غيغا واط أمام ذروة طلب متوقعة بين 40 و55 غيغا واط. ونتيجة هذا العجز، تسدّ مولدات الديزل الخاصة الفجوة بتكلفة اقتصادية وبيئية باهظة، مع خلق اقتصاد ظل للكهرباء بقيمة مليارات الدولارات — وهو الاقتصاد الذي ينهار الآن كلما شحّ الديزل الذي يغذيه.
العراق بلد السيارات
وبالتوازي مع أزمة الوقود، يتصاعد الطلب بفارق هائل سنويًا نتيجة ارتفاع هائل لأعداد السيارات سنويًا. وقدرت وزارة التخطيط في وقت سابق أنّ عدد السيارات في العراق يفوق سبعة ملايين، منها أكثر من مليوني سيارة في بغداد وحدها، فيما تقول وزارة الإعمار إنّ عدد المركبات في العاصمة بغداد يفوق قدرتها الاستيعابية بأكثر من سبعة أضعاف — وهو ما يفسر جزئيًا سبب كون بغداد الأكثر تضررًا من أي أزمة إمداد، مهما كانت محدودة.
حكومة الزيدي وخيار رفع الدعم
في مواجهة الكلفة المتصاعدة، اتجهت حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي نحو خيار رفع الدعم تدريجيًا عن قطاعات بعينها. فبحسب بيان رسمي، أقرّ مجلس الوزراء اعتماد رفع الدعم عن أسعار المنتجات النفطية لجميع القطاعات، باستثناء المنتجات الرئيسة المجهزة للمواطنين حصرًا (البنزين وزيت الغاز والنفط الأبيض والغاز السائل)، اعتبارًا من الأول من أيلول/سبتمبر 2026، مع التأكيد على أن أي دعم يُمنح لقطاع ما سيُخصم من حصة الخزينة العامة. غير أن استمرار الأزمة دفع لاحقاً لمراجعة الموقف، إذ كشف عضو في لجنة النفط والطاقة النيابية أن أزمة الوقود المتصاعدة دفعت الحكومة لمراجعة قرار رفع الدعم عن الأسعار خشية تفاقم الاحتقان الشعبي. الحكومة العراقية
الحلول الممكنة؟
وعلى مستوى الحلول الممكنة، يقول أحد المختصين، إنّ من الضروري استكمال مشاريع التكرير المعلقة، وعلى رأسها FCC، بعيدًا عن رهانات الاستقرار الإقليمي الهش، وتشديد الرقابة على جودة الوقود في المحطات عبر فحوصات مخبرية دورية، ومكافحة التهريب بمنظومات تتبع أكثر صرامة (مثل تقنيات GPS للصهاريج التي بدأت تجريبيًا بشكل محدود)، إضافة إلى مراجعة سياسة الدعم بما يوازن بين حماية المواطن ومنع استنزاف الخزينة”.
كما يؤكّد على أهمية معالجة جذر الطلب المتصاعد “عبر الاستثمار الجاد في النقل العام في بغداد والمحافظات الكبرى، بدل الاكتفاء بمشاريع الطرق والجسور التي لم تحل الاختناق المروري ولا الوقودي”.