يفتح في علامة تبويب جديدة

تقارير إخبارية: البيشمركة بين إرث النضال وتحدي العمل المؤسسي..هل يتجاوز التوحيد المعلن الانقسام الحزبي، وماذا عن سلطة بغداد؟

البيشمركة بين إرث النضال وتحدي العمل المؤسسي..هل يتجاوز التوحيد المعلن الانقسام الحزبي، وماذا عن سلطة بغداد؟

يقول رئيس اقليم كردستان، ان التوحيد المعلن "ليس نهاية العملية، بل بداية مرحلة جديدة أكثر صعوبة، لأنه يجب أن ينعكس في القيادة والريادة والعقيدة العسكرية والانضباط". في وقت تكمن أبرز العوائق أمام التوحيد الحقيقي، في المصالح السياسية للحزبين الكبيرين، إذ قد يُنظر إلى التخلي عن السيطرة الحزبية على القوات باعتباره خسارة لجزء من النفوذ السياسي.

هردي باشوري

في العاشر من أيلول/ سبتمبر، أصدر وزير البيشمركة في حكومة إقليم كردستان شورش إسماعيل، بيانا أعلن فيه اكتمال عملية توحيد وإعادة تنظيم قوات البيشمركة تحت مظلة الوزارة، قائلا ان ذلك يمثل “إنجازاً عظيماً لطالما حلم به شعب كردستان”.

وجاء في البيان، أنه “بعد سنوات من الجهود المتواصلة، تم تجاوز جميع العقبات المتراكمة وإعادة توحيد القوات 70 والقوات 80، وفي إطار هذا الإصلاح الجذري، أُعيد تنظيم جميع القوات على مستوى القيادة والسيطرة الموحدة، وسيحظى إقليم كردستان بجيش موحد تحت القيادة المباشرة لوزارة البيشمركة”.

على الرغم من أهمية البيان، فانه لم يحظ من قبل غالبية أهالي الاقليم ونخبه السياسية والثقافية بالاهتمام. ولم تشر اليه قوى المعارضة في تصريحاتها شبه اليومية، مع أن تلك الخطوة كانت مطلبا أساسيا منذ 30 عاما!

وكانت وزارة البيشمركة قد اعلنت في نهاية العام 2025 عن اعادة هيكلة القوات الحزبية تحت مظلة الوزارة، من خلال تشكيل قيادة المنطقة الأولى (القوات 80 – تتبع الحزب الديمقراطي) وقيادة المنطقة الثانية (القوات 70- تتبع الاتحاد الوطني)، لإدارة وتنسيق شؤون القوات ميدانياً وفق هيكلية عسكرية موحدة.

التوحيد المعلن.. بداية الطريق!

وفي 21 أيلول/ سبتمبر، وفي مراسم خاصة بالتزامن مع الذكرى الرابعة لتوقيع مذكرة التفاهم (2022) بين وزارة شؤون البيشمركة ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أعلن رئيس اقليم كردستان نيجيرفان بارزاني عن اكمال توحيد قوات البيشمركة بشكل رسمي.

وقال في المراسم، التي حضرها  عبد الامير الشمري مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية:”هذا ليس مجرد تغيير في الهيكل والتنظيم، أو مجرد نقل للوحدات من تشكيل إلى آخر، بل هو خطوة وطنية كبرى في مسيرة بناء مؤسسات إقليم كردستان”.
وبموجب الاعلان، سينضم عشرات الآلاف من قوات البيشمركة التابعة للوحدتين70 و80 إلى إطار عسكري موحد تحت القيادة المباشرة لوزارة البيشمركة.

وأضاف بارزاني: “لطالما قلنا ان كردستان بحاجة إلى قوة واحدة، ووزارة واحدة، وقيادة واحدة، وقلنا يجب أن تكون البيشمركة قوة وطنية بعيدة عن التدخلات والخلافات الحزبية.واليوم، نخطو خطوة كبيرة نحو تحقيق هذا الهدف، بجمع كل البيشمركة داخل مؤسسة وطنية واحدة”.

وتابع:”التوحيد ليس نهاية هذه العملية، بل هو بداية لمرحلة جديدة قد تكون أكثر صعوبة، فاعتباراً من اليوم، يجب أن ينعكس هذا التوحيد في كل شيء في القيادة والريادة، في القرار والأمر، في التدريب والتنظيم، في الحقوق والواجبات، في الترقيات، وفي العقيدة العسكرية والانضباط”.

ونبه رئيس الاقليم الى ابعاد الصراع السياسي عن المؤسسة العسكرية باعتبارها قوة كردستانية تمثل الجميع:”يجب أن يكون واضحاً للجميع أن المؤسسة العسكرية لن تكون ساحة للصراع السياسي. الأحزاب تتنافس في الانتخابات، وتختلف في برامجها ورؤاها ومواقفها، لكن يجب أن تبقى البيشمركة فوق التنافس الحزبي، لأنها ليست قوة حزبية، بل هي قوة كردستانية”.
وأكد بارزاني ان قوات البيشمركة الموحدة “هي جزء من المنظومة الدفاعية للعراق الفيدرالي”، مبينا أن تعزيز قدراتها وتمتين التنسيق بين البيشمركة والجيش العراقي يصب في خدمة أمن إقليم كردستان وعموم العراق، داعيا الحكومة الاتحادية الى التعامل مع البيشمركة وفقاً للدستور والإيفاء بالتزاماتها وضمان كافة حقوقها.

“التوحيد ليس نهاية العملية، بل بداية مرحلة جديدة أكثر صعوبة، لأنه يجب أن ينعكس في القيادة والريادة، والقرار والأمر، والتدريب والتنظيم، والحقوق والواجبات وفي العقيدة العسكرية والانضباط“

توحيد القوات.. الميدان هو المحك

اعلان توحيد قوات البيشمركة، التي تضم نحو 150 الف فرد، غالبيتهم الساحقة من الحزبين الكرديين الحاكمين، الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني، مع عدد صغير تابع لأحزاب أخرى مثل الحزب الاشتراكي الكردستاني، قوبل ببرود من أحزاب المعارضة الكردية. لكن زعيم حراك الجيل الجديد، عد ما حصل توحيدا شكليا.

وقال شاسوار عبد الواحد، إن اعلان التوحيد “لا يمتّ إلى الواقع بصلة”، مبينا أن ما جرى على أرض الواقع لا يتجاوز كونه إجراءً شكلياً وتغييراً في التسميات، من دون تحقيق توحيد حقيقي للقوات تحت قيادة وطنية موحدة “فقوات منطقة السليمانية لا تزال مرتبطة بالاتحاد وتتلقى أوامرها منه، وقوات أربيل ودهوك مرتبطة بالحزب الديمقراطي”.

وتابع :”تغيير تسمية قوات الوحدة 80 إلى المنطقة الأولى وقوات الوحدة 70 إلى المنطقة الثانية لا يعني توحيد البيشمركة، فالتوحيد الحقيقي يتطلب ولاءً وطنياً ومؤسساتياً، وليس ولاءً للأحزاب”، وخلص الى القول “ما نشهده اليوم هو قوى حزبية وشخصية، وليس قوة وطنية موحدة”.

ويعلق الكاتب حسين أسكندر، المختص بالشأن الكردستاني، على اعلان التوحيد، قائلا ان بنية البيشمركة في كردستان هي بنية حزبية منذ نشأتها، وان 35 عاما من وجود وزارة البيشمركة وحكومة الاقليم ومؤسساتها لم ينجح في ابعاد تلك القوات عن الارادة الحزبية، فبقيت القوات تتحرك بناء على قرارات الأحزاب التي تتبعها، وهذا لا يمكن ان ينتهي بمجرد برامج وقرارات توحيد معلنة.

ويضيف “الخطوة المعلنة اليوم هي مهمة، وهي محل ترحيب كل مواطني وقوى الاقليم بتوجهاتهم المختلفة، لكن العملية صعبة جدا ومعقدة، لذلك تجد الكثيرين لا يؤمنون بتحقق ذلك على الأرض”.

ويتابع:”ضم القوات 70 التي تتبع الاتحاد الوطني، والقوات 80 التي تتبع الديمقراطي الكردستاني، الى وزارة البيشمركة، والاعلان عن دمج كل القوات الحزبية في هيكلية وزارة البيشمركة، لا تغير في الواقع الميداني الكثير، خاصة في ظل وجود شبه ادارتين أو مركزي قرار في كردستان”.

ويوضح:”على الأرض التحرك يجري على هذا النحو: كل فرد يلتزم بأوامر ضابطه الذي يلتزم بالتعليمات الحزبية، سواء كان الهيكل التنظيمي الذي يؤطره حزبيا او وزاريا”.

وتطالب النخب الكردية وقوى المعارضة، منذ عقود بانهاء انقسام قوات البيشمركة على أساس حزبي بين مركزي أربيل والسليمانية، وإعادة هيكلة القوات وتوحيدها تحت قيادة مؤسساتية واحدة، مؤكدين ان ذلك سيدعم وضعها القانوني في العراق كقوة دستورية وطنية.

الوضع الدستوري والموقف الاتحادي

يحذر خبراء ومراقبون للمشهد الأمني، من أن الارتباط الحزبي للقوات الكردية، الذي يظهر عادة أثناء التوترات، يخلق ازدواجية في القرار الأمني والعسكري، ما يثير المخاوف من ان تتحول الأزمات السياسية الحزبية في لحظة ما إلى مواجهة أمنية، مشيرين الى أن معالجة الملف يجب أن يتم بشكل يتوافق مع البنود الدستورية.

يقول خبير أمني وعسكري عراقي، طلب عدم الكشف عن هويته لحساسية موقعه، إن الدستور العراقي أشار إلى (قوات حرس الإقليم)، وليس إلى قوات البيشمركة بصيغتها الحالية، معتبراً أن طبيعة مهام القوات وهيكليتها ومرجعيتها القيادية تختلف عما هو قائم حالياً، لذلك تسوية هذا الملف لا يمكن ان تكون مسألة داخلية في الاقليم، بل يجب ان تتم بالتوافق مع الحكومة الاتحادية.

ويوضح الخبير الأمني، أن الدستور ينص على أن قوات حرس الإقليم تكون ضمن منظومة القوات المسلحة وتخضع لسلطة القائد العام للقوات المسلحة العراقية، مضيفاً أن استمرار البيشمركة بهيكليتها الحالية المستقلة تماما عن بغداد، يعطي الحجج لبعض الفصائل المسلحة، برفض تسليم أسلحتها ودمج نفسها في الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية.

وكانت قوى ما تعرف بالمقاومة الإسلامية في العراق، قد وضعت ضمن شروطها للتعاون مع الحكومة بشأن تنظيم السلاح، مسألة حل قوات البيشمركة ودمجها بالكامل ضمن المنظومة الاتحادية، معتبرة أنها “المليشيا الأكثر تسليحاً”، الى جانب مطالبتها بالخروج الكامل للقوات الأميركية من الأراضي والأجواء العراقية.

وتبدي القوى الكردية، رفضاً قاطعاً لأي مساس بوضعية البيشمركة، مؤكدين انها قوات رسمية ونظامية معترف بوجودها في المادة 121 من الدستور العراقي، بوصفها “حرس الإقليم”، وبالتالي لا يمكن مقارنتها بالفصائل المسلحة أو إدراجها ضمن مشاريع دمج الميليشيات.

وتنص الفقرة الخامسة من المادة 121 من الدستور على أن “تختص حكومة إقليم كردستان بكل ما تتطلبه إدارته، وبوجه خاص، إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم، كالشرطة والأمن والحرس”.

“حسم ملف البيشمركة بشكل كامل وفق الدستور، يتطلب تفاهما سياسيا بين بغداد وأربيل بشأن طبيعة القوات ومرجعيتها وسلسلة قيادتها، بما يضمن وحدة القرار الأمني العراقي“

وكان قاسم الأعرجي، المستشار الأمني لرئيس الوزراء، قد رفض وضع قوات البيشمركة ضمن الجهات المصنفة كفصائل، قائلا أن سلاحها يقع ضمن الإطار الدستوري، بينما يشمل قرار نزع السلاح الجهات المسلحة الموجودة خارج أحكام الدستور والمؤسسات الرسمية.

ويعلق الخبير الأمني العراقي، على ذلك بالقول، ان انقسام البيشمركة على أساس حزبي هو الذي يمثل مشكلة، مشيراً الى أن قوات البيشمركة تخضع عملياً لنفوذ الحزبين الكرديين الرئيسيين، لافتاً إلى استخدامها في مراحل سابقة لحسم صراعات وخلافات سياسية داخلية.

واستشهد الخبير، باستخدامها، كما يقول، خلال المواجهة التي حصلت نهاية العام الماضي مع عشيرة الهركية، معتبراً ذلك مثالاً على إمكانية توظيف القوات الأمنية في صراعات ذات أبعاد سياسية أو داخلية.

ويرى الخبير الأمني، أن توحيد البيشمركة فعلياً تحت قيادة عسكرية واحدة مهمة صعبة في ظل طبيعة تشكلها الحزبية، وللخلاف حول الجهة أو الشخصية التي ستتولى قيادة القوات، منبها الى ان حسم ملف البيشمركة بشكل كامل وفق الدستور، يحتاج إلى تفاهم سياسي بين بغداد وأربيل بشأن طبيعة القوات ومرجعيتها وسلسلة قيادتها، بما يضمن وحدة القرار.

045

البيشمركة دستورية.. الخلاف على حزبيتها

في السياق ذاته، يؤكد عضو برلمان كردستان عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، الدكتور فاتح سنكاوي، على أهمية خطوة وضع البيشمركة ضمن هيكلية مؤسساتية، وإبعادها عن نفوذ الحزبين الرئيسيين، باعتباره “ضرورة وطنية ملحّة”.

ويقول سنكاوي أن أجهزة الدولة وقوات البيشمركة ينبغي أن تكون مؤسسات دائمية وملكاً للشعب وليس لطرف، بينما تمثل الأحزاب السياسية كيانات مؤقتة، ولا ينبغي أن تكون أساساً لعمل المؤسسات والقوات الرسمية.

ويرفض الطروحات التي تشكك في دستورية قوات البيشمركة، معتبراً أنها لا تستند إلى أساس، مبينا أن الدستور العراقي أقر وجود قوات حرس الإقليم بوصفها الإطار الدستوري للقوات الأمنية في الإقليم.

من جانبه، يرفض الباحث السياسي الكردي محمود خوشناو توصيف البيشمركة كقوة حزبية، مؤكداً أنها “قوة وطنية” بصرف النظر عن آليات تنظيمها الحالية.

ويقول خوشناو إن تاريخ البيشمركة يمتد لنحو سبعة عقود من مواجهة الأنظمة الدكتاتورية وحماية الشعب الكردي، مشيراً إلى أن القوات لعبت بعد عام 2003 دوراً بارزاً في مواجهة تنظيم داعش وقدمت تضحيات كبيرة خلال المعارك ضد التنظيم.

وفي ما يتعلق بالوضع الدستوري، يقول خوشناو إن إقليم كردستان كيان أقره الدستور العراقي 2005، مستشهداً بالمواد 115 و117 و121 المتعلقة بصلاحيات الأقاليم ومؤسساتها، بما في ذلك المؤسسات الأمنية.

ويوضح أن المادة 117 تقر للأقاليم صلاحيات في إدارة شؤونها الداخلية، معتبراً أن القوانين والأنظمة التي أقرها برلمان كردستان منذ عام 1992، ومن بينها القوانين المتعلقة بقوات البيشمركة وحقوق أفرادها ورواتبهم، تستند إلى ذلك الإطار الدستوري القائم.

ويرد على الجدل بشأن اختلاف تسمية “حرس الإقليم” الواردة في الدستور عن تسمية “البيشمركة”، بالقول إن المصطلحين يشيران إلى القوات نفسها، وإن الخلاف حول التسمية يمكن حسمه من خلال تشريع برلماني في إقليم كردستان إذا اقتضت الحاجة.

كما يشير إلى أن المادة 121 لا تقتصر على إقليم كردستان، بل تنطبق على الأقاليم التي ينص الدستور على تشكيلها لاحقاً، معتبراً أن تشكيل أقاليم أخرى في العراق سيمنحها حق امتلاك قوات أمنية تتولى حماية أمنها الداخلي.

“أحد أبرز العوائق أمام التوحيد الحقيقي الكامل، يتمثل في المصالح السياسية للحزبين، إذ قد يُنظر إلى التخلي عن السيطرة الحزبية على القوات باعتباره خسارة لجزء من النفوذ السياسي التاريخي”

الإرث الثقيل للانقسام الحزبي

يرى الباحث السياسي الدكتور هونر حاجي جاسم، أن نجاح تحويل البيشمركة إلى قوة عسكرية وطنية موحدة، يمثل أحد أبرز التحديات السياسية والمؤسساتية في كردستان، مؤكداً أن القضية لا تتعلق بالجانب العسكري وحده، بل ترتبط أيضا بالعلاقة بين الأحزاب والسلطة ومؤسسات الإقليم.

ويقول جاسم إن البيشمركة تمثل تاريخياً “رأسمالاً دفاعياً كبيراً للكرد”، لكنها لم تتحول بصورة كاملة طوال ثلاثة عقود إلى قوة وطنية موحدة، إذ بقيت مرتبطة بالمركزين السياسيين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

ويشير إلى أن أحد أبرز العوائق أمام التوحيد الحقيقي والكامل، يتمثل في المصالح السياسية للحزبين، إذ قد يُنظر إلى التخلي عن السيطرة الحزبية على القوات باعتباره خسارة لجزء من النفوذ السياسي التاريخي.

ويقول ان تجارب التاريخ القريب، تذكرنا بأن الانقسام قد يجعل أي أزمة سياسية كبيرة قابلة للتحول إلى أزمة أمنية وعسكرية، مستشهداً بمحطات عديدة من الانقسامات التي تركت إرثا ثقيلا من التداعيات، بينها أحداث 31 آب أغسطس 1996، و16 تشرين الأول أكتوبر 2017، و22 آب أغسطس 2025.

ففي عام 1996، أدى الصراع المسلح بين الحزبين، والذي استخدمت فيه قوات البيشمركة، إلى تدخل قوات نظام صدام حسين وسيطرتها على أربيل، وهو مثال على إمكانية استغلال الانقسام العسكري الداخلي من قبل قوة خارجية لتحقيق مكاسب.

وفي 16 تشرين الأول 2017، وبعد استفتاء استقلال الإقليم، تقدمت القوات الاتحادية العراقية نحو كركوك والمناطق المتنازع عليها، مستغلة الخلافات مع الاقليم، وانقسام قوات البيشمركة على أسس حزبية ومناطقية، ما أدى إلى انسحابها بشكل غير منضبط وخسارة الإقليم مناطق استراتيجية، بينها كركوك.

أما في 22 آب 2025، فقد شهدت مدينة السليمانية اشتباكات مسلحة خلال محاولة توقيف رئيس جبهة “الشعب” المعارضة لاهور شيخ جنگي بعد محاصرة فندق “لاله زار”. ويرى جاسم أن الحادث، رغم اختلاف حجمه عن أحداث عامي 1996 و2017، أظهر مجدداً إمكانية تحول الصراع السياسي إلى مواجهة مسلحة تستخدم فيها القوات الأمنية المرتبطة بمراكز سياسية متنافسة.

البيشمركة من قوة حزبية إلى مؤسسية

تعود جذور قوات البيشمركة إلى مراحل مبكرة من الحركة القومية الكردية، قبل أن تتوسع مع اندلاع الثورة الكردية عام 1961 بقيادة مصطفى بارزاني، لتصبح لاحقاً جزءاً أساسياً من الهوية السياسية والقومية الكردية.

وخاضت القوات مواجهات عسكرية متعددة مع الحكومات العراقية، كما شاركت في مراحل مختلفة في صراعات داخلية بين الفصائل الكردية، ولا سيما خلال النزاع المسلح بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في تسعينيات القرن الماضي.

وخلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، لعبت البيشمركة دوراً في القتال ضد الجيش العراقي باستخدام أساليب حرب العصابات، بينما شهدت تلك المرحلة انضمام مقاتلين أكراد من الجيش العراقي إلى صفوفها.

وبعد حرب الخليج عام 1991 وفرض منطقة حظر جوي في شمال العراق، تمكن الأكراد من إدارة مناطقهم بعيداً عن سلطة بغداد، قبل إجراء الانتخابات البرلمانية في إقليم كردستان عام 1992 وتشكيل حكومة وحدة بين الحزبين الرئيسيين.

وفي الفترة بين 1994 و1998، اندلعت حرب أهلية بين قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، قبل أن تنتهي باتفاق واشنطن عام 1998 بوساطة أمريكية.

وبعد عام 2003، تعاونت قوات البيشمركة مع القوات الأمريكية والبريطانية خلال العمليات العسكرية في العراق، وشاركت في عمليات ضد تنظيم أنصار الإسلام، كما ساهمت في تأمين مناطق استراتيجية في شمال البلاد.

وفي عام 2005، أقر الدستور العراقي الجديد الوضع الدستوري لإقليم كردستان ومؤسساته، ونص على وجود قوات أمن للإقليم ضمن الإطار الدستوري للدولة العراقية.وتنتشر قوات البيشمركة في أراضي إقليم كردستان وعدد من المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل.

أعداد القوات وتسليحها

ولا تزال الأرقام الدقيقة لأعداد قوات البيشمركة محل خلاف بين بغداد وأربيل، إلا أن أمين عام وزارة البيشمركة السابق الفريق جبار ياور قال إن الحكومة الاتحادية قادرة على التحقق من أعداد القوات المسجلة، بعد اعتماد نظام التسجيل البيومتري أو ما يعرف بالرقم الوطني.

ووفق الأرقام التي أوردها ياور، يبلغ عدد قوات البيشمركة نحو 160 ألف عنصر، فيما أشارت تقديرات أخرى، بينها ما ورد في مقال نشر على موقع “وار أون ذا روكس”، إلى أن العدد قد يصل إلى نحو “200 ألف مقاتل”.

وتعكس هذه التقديرات تفاوتاً بين المصادر المختلفة بشأن الحجم الفعلي للقوات.

وتستخدم البيشمركة معدات عسكرية متنوعة، تشمل الدبابات والمدفعية وناقلات الجند ومركبات “همفي”، إضافة إلى أسلحة مضادة للدروع وأنواع مختلفة من الصواريخ.

الدعم الدولي في مسار التوحيد

حظي توحيد قوات البيشمركة طوال السنوات التي أعقبت الحرب مع تنظيم داعش، باهتمام الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي أطلقت برنامج دعم مالي وفني واستشاري لتوحيد تلك القوات، بهدف بناء قوة مهنية وموحدة وموثوقة كشريك أمني.

وضغطت قوات التحالف الدولي في مراحل عديدة، على قيادتي الحزبين الحاكمين في كردستان، لاكمال توحيد قوات البيشمركة وبشكل حقيقي ضمن قيادة وطنية واحدة.

ويرى الباحث السياسي الدكتور هونر حاجي جاسم، أن توحيد القوات الكردية والاصلاح المؤسسي، يرفعان مستوى الثقة الدولية ويعززان فرص استمرار التعاون العسكري.

ومن منظور “القوة الوطنية”، يقول إن القوة العسكرية لا تصبح جزءاً فاعلاً من القدرة الوطنية إلا عندما تخضع لقيادة ومؤسسات وقواعد قانونية موحدة، معتبراً أن النص الدستوري العراقي لعام 2005 بشأن قوات أمن الإقليم يمثل رصيداً قانونياً وجيوسياسياً ينبغي الحفاظ عليه، لا لتكريس القوة الحزبية، وإنما لتحويلها إلى قوة دفاع وطنية.

ويخلص جاسم إلى أن مستقبل البيشمركة يرتبط بالانتقال من قوة ذات ارتباطات حزبية إلى قوة وطنية بقيادة موحدة، ومن رأسمال حزبي إلى رأسمال وطني، معتبراً أن عملية التوحيد ليست مشروعاً عسكرياً فحسب، بل مشروع وطني وسياسي ومؤسساتي وجيوستراتيجي.

“لا يعني انتهاء مذكرة التفاهم الأمني مع واشنطن بالضرورة توقف التعاون الأميركي مع البيشمركة، إذ تشير مصادر كردية إلى إمكانية الانتقال إلى إطار جديد للتعاون الأمني”

مصير الدعم الأمريكي والأوروبي

أبلغت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قادة في إقليم كردستان العراق أنها لا تخطط لتجديد مذكرة التفاهم الخاصة بالمساعدة الأمنية الأميركية لقوات البيشمركة، وفق مصادر كردية مطلعة، بالتزامن مع قرب انتهاء الاتفاق في 30 سبتمبر/أيلول 2026 واستكمال الانسحاب العسكري الأميركي وقوات التحالف الدولي من العراق.

وقالت مصادر أميركية إن مذكرة التفاهم الموقعة بين وزارة الدفاع الأميركية وحكومة إقليم كردستان تنتهي في الموعد ذاته، وإن أي مساعدات أميركية للعراق بعد ذلك ستكون مرتبطة بتنفيذ مهام محددة وتحقيق نتائج متفق عليها.

وتعود الشراكة العسكرية بين واشنطن والبيشمركة إلى الحرب ضد تنظيم “داعش”، إذ وقعت الولايات المتحدة والإقليم أول مذكرة تفاهم عام 2016، قبل تجديدها عام 2022 لأربع سنوات. وشمل التعاون التدريب والتسليح والدعم اللوجستي والمالي، إلى جانب برنامج لإصلاح قوات البيشمركة وتوحيد تشكيلاتها تحت قيادة وزارة شؤون البيشمركة.

ويأتي انتهاء المذكرة في إطار انتقال العلاقات الأمنية الأميركية العراقية إلى مرحلة جديدة بعد إنهاء المهمة العسكرية للتحالف ضد “داعش”. وأكدت بغداد أن انسحاب قوات التحالف سيُستكمل بحلول 30 سبتمبر/أيلول، مع استمرار التعاون الأمني الثنائي مع واشنطن في مجالات التدريب والاستشارة وتبادل المعلومات.

ولا يعني انتهاء المذكرة بالضرورة توقف التعاون الأميركي مع البيشمركة، إذ تشير مصادر كردية إلى إمكانية الانتقال إلى إطار جديد للتعاون الأمني.

وكانت الولايات المتحدة قد كثفت دعمها للبيشمركة منذ عام 2014، فيما قدمت ألمانيا ودول أخرى تدريباً ومعدات عسكرية، في إطار الجهود الدولية لتعزيز قدرات القوات الكردية في مواجهة التنظيم.

اعادة الهيكلية وتحديد المسؤوليات

يقول الخبير الأمني العراقي سرمد البياتي، إن قوات البيشمركة “قوات دستورية وطنية” تختلف جوهرياً عن الفصائل المسلحة، كونها تعمل تحت قيادة إقليم كردستان، لكن المشكلة تكمن في انقسام القوات بين مركزي أربيل والسليمانية، وذلك يمثل مصدر “خطر كبير”.

فذلك الانقسام، كما يرى، أسهم خلال تسعينيات القرن الماضي في اندلاع حرب كردية داخلية استمرت عدة سنوات. الأمر الذي يستدعي، حلولاً جدية وفاعلة لمعالجة الملف.

وفي ما يتعلق بإعادة هيكلة تلك القوات بما يعزز المنظومة الامنية العراقية، يقول البياتي أن الملف يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة الاتحادية، وبالتنسيق مع قيادة إقليم كردستان ووزارة البيشمركة، معتبراً أن القضية معقدة وتتطلب تفاهمات سياسية وأمنية على مستويات عليا، للوصول إلى صيغة مؤسساتية واضحة تضمن العمل ضمن قيادة وتنظيم موحدين.

ويشدد على أهمية وضع أطر قانونية ودستورية واضحة لتنظيم عمل قوات البيشمركة وتحديد مسؤولياتها وهيكلها القيادي، بما يضمن وحدة القرار العسكري ويعزز دورها ضمن المنظومة الأمنية والدستورية في العراق.

اختبار سياسي ومؤسساتي

وبينما يتفق المراقبون للمشهد الأمني، على دستورية وجود البيشمركة وأهميتها لحماية إقليم كردستان، فإن الخلاف يتمحور أساساً حول “طبيعة مرجعيتها، وهيكل قيادتها، ومدى استقلالها عن الحزبين الرئيسيين”.

ففي حين يرى منتقدو الوضع الحالي أن استمرار الانقسام الحزبي بكردستان والاستقلالية الكاملة لقرار البيشمركة بعيدا عن بغداد تمثل تهديداً لوحدة القرار الأمني والعسكري العراقي، يؤكد المدافعون أن وجود قوات أمنية خاصة للإقليم أقره الدستور العراقي وانها تحفظ أمنه وخصوصيته، وأن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل قرار توحيدها الى حقيقة عبر هيكل بناء مؤسسي وطني لا يخضع للارادة الحزبية.

وبذلك، يبدو مستقبل البيشمركة مرتبطاً بقدرة بغداد وأربيل، إلى جانب القوى السياسية داخل إقليم كردستان، على التوصل إلى صيغة تجمع بين “المرجعية الدستورية، ووحدة القيادة العسكرية، والاستقلال عن التجاذبات الحزبية”.

ويظل توحيد القوات، اختباراً يتجاوز البعد العسكري إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحزب والسلطة والمؤسسة الأمنية، بما قد يحدد شكل المنظومة الأمنية في إقليم كردستان ودورها ضمن النظام الاتحادي العراقي.

المزيد عن تقارير إخبارية

تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35702}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">