يفتح في علامة تبويب جديدة

آراء: الفشل في إقليم كردستان العراق.. عن النموذج الذي لم ينجح ليكون نموذجا !

الفشل في إقليم كردستان العراق.. عن النموذج الذي لم ينجح ليكون نموذجا !

يتعدى تقديم إقليم كردستان لنموذج حكم رشيد قوي ومستقر، مسألة امكانية تعميم التجربة واعادة تشكيل العراق على أساس أقاليم مستقرة وناجحة أخرى بصلاحيات محددة، فبالنسبة لشعب كردستان، النجاح سيشكل طوق النجاة الوحيد للحفاظ على ذلك الكيان الدستوري، وتمكينه من تصفير مشاكله مع بغداد وطمأنة الجوار الإقليمي.

من وجهة نظر شعبية، يرى كثيرون من سكان وسط وجنوب العراق، في مدن إقليم كردستان حلماً يتمنون تحقيقه في مدنهم، إذْ ارتبطت الإشارة إلى كردستان لسنوات طويلة في الأحاديث الشعبية بقصص نجاح، ووصف الاقليم على نحو واسع كبقعة ضوء وسط الظلمة، بسبب الحركة العمرانية وبنية الطرق الحديثة التي يتمتع بها الإقليم.

لكن لا يعلم كثيرون في وسط وجنوب العراق بدقة كيف هي أحوال الشعب الكردي في الإقليم، فالصورة النمطية المأخوذة عنهم انهم أغنياء يتمتعون بخدمات أساسية ممتازة وبنية تحتية راسخة، ولا يشتكون من شيء، على عكس الواقع.

تبددت هذه الصورة الوردية نسبياً بعد أزمات الاستفتاء في 2017 والخلافات الداخلية بين الحزبين الحاكمين الى جانب الخلافات مع بغداد، والتي أفرزت أزمة دفع رواتب الموظفين، وأدت بشكل واضح الى ارتفاع نسب البطالة ومستويات الفقر وحتى نوعية الخدمات، وهنا يبرز سؤال مهم: ماذا لو تجاوز الإقليم مشاكله البنيوية وعثراته، وقدم نموذجاً سياسياً-ادارياً واقليمياً أفضل؟

الإقليم المميز في المنطقة

يتمتع إقليم كردستان بوضع قانوني ودستوري خاص إذ يمتلك أوسع الصلاحيات السيادية والتشريعية الممنوحة لإقليم فيدرالي في العالم العربي. تمنح المادة 121 من الدستور سلطات الإقليم الحق في تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم، ففي حالة التناقض بين قانون الإقليم والقانون الاتحادي في الصلاحيات المشتركة، تكون الأولوية لقانون الإقليم، هذه الصلاحية هي الأقوى والأندر في الأنظمة الفيدرالية حول العالم.

كذلك، سلطاته الثلاث مستقلة عن السلطات الثلاث الاتحادية فالبرلمان والحكومة والقضاء منفصلة عما في بغداد. وله تمثيل دبلوماسي مستقل وقواته الأمنية مستقلة عن الجيش والشرطة الاتحاديين. وعلى الرغم من الخلافات الطويلة حول ملف النفط والغاز، إلّا أن الدستور أشرك الإقليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم في إدارة الحقول المستخرجة قبل عام 2005، ورسم السياسات الاستراتيجية للثروات.

هذه الميزات، اعطت مساحة عمل واسعة للاقليم مكفولة دستوريا، ومنحته حقوق سياسية – اقتصادية- امنية غير مسبوقة، وهو ما ساعد قياداته على بناء نموذج ادارة شبه مستقلة، تمكن من تطوير بنية الاقليم الخدمية والانطلاق بمشاريع عمرانية كبيرة ساهمت بتوفير فرص عمل.

لكن ذلك التطور المتحقق واجه في السنوات العشر الأخيرة، تباطؤا واضحاً مع بروز وتعقُد الخلافات الحزبية الداخلية وتراجع المؤسسات وغياب البرلمان. حتى طال لهيب الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني الحاكمين، بآثاره وتداعياته في السنوات الأخيرة صميم تجربة الإقليم وما حققته من نجاحات سابقة، فأثرت على اقتصاده وعطلت ادارته الموحدة. إلى جانب نار النزاعات والأزمات الدستورية المستمرة مع بغداد حول الموازنة والنفط والمناطق المتنازع عليها.

وما زاد من الآثار السلبية للخلافات، استمرار الفساد دون مواجهة حقيقية، حتى بات ينخر بنية الإقليم المؤسسية، فمئات القضايا المتعلقة بالفساد والاختلاس واستغلال النفوذ، يجري الحديث عنها داخليا، وتعرض بعضها أمام المحاكم.

116

تقديم أقلمة أفضل

مع توسع مفهوم الأزمة في القرن الحادي والعشرين، ليشمل البيئة والأمن السيبراني والاقتصاد إلى جانب الحرب، تطوّر مفهوم “السيادة الوظيفية” ليقيس قدرة الكيان السياسي على الاستجابة للتحديات العابرة للحدود وتوفير متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين، وبالتالي توسع مفهوم “السيادة التقليدية” وتعدى مجرد السلاح والحدود والقومية وانتزاع الصلاحيات والسلطة المطلقة.

تاريخياً، ركّز الفكر السياسي في المنطقة – وفي إقليم كردستان تحديداً – على السيادة الصلبة غير أن أزمات القرن الحادي والعشرين أثبتت أن الشرعية والسيادة الحقيقية لأي كيان سياسي تُبنى من الداخل عبر السيادة الوظيفية.

يمرّ نجاح أي إقليم أو دولة بمرحلتين أساسيتين، هما بناء الأمّة المتمثل بالتركيز على الهوية المشتركة واللغة وهذا ما حققه الأكراد بنجاح على مدى عقود طويلة من النضال. والمرحلة التالية تتمثل ببناء الدولة، وتركز على مأسسة السلطة، أي بناء مؤسسات قوية وقضاء مستقل ونظام ضريبي عادل واقتصاد مستدام يتجاوز الانتماءات الحزبية أو العشائرية.

تمثّل هذه المرحلة تحدياً في الوقت الراهن، فالنموذج الأمثل لتجربة إقليمٍ ناجحٍ، تُوجب بناءً حقيقيا لسلطةَ القانون والمؤسسة، وليس ثنائية الحزبية والعشائرية التي قسّمت كردستان إلى مراكز نفوذ.

إن الانتقال من بناء الأمّة القائمة على الهوياتية إلى بناء الدولة القائمة على المؤسسات يستوجب كسر “لعنة الموارد”، وهذه نظرية سياسية تفترض أن ريعية الدول والأقاليم تُضعف حاجتها إلى بناء نظام ديمقراطي وضريبي مرن فالجهات الحاكمة ليست بحاجة للمواطن وبذا تضعف المساءلة بين المواطن والحكومة.

ومادام النفط والغاز هي الركيزة الاقتصادية الرئيسية في الإقليم، فإن ابسط أزمة نفطية ستزلزل اقتصاده وهذا ما حصل منذ توقف شحنات تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي إثر خلافات بين بغداد وأربيل وأنقرة حول الإدارة النفطية والجمارك في 2023.

النموذج الأفضل لإقليم كردستان يتطلب الانتقال من أدوات القرن العشرين (الصراع السياسي وتثبيت الحدود وتجييش القومية) إلى أدوات القرن الحادي والعشرين (الحوكمة الرقمية  التنويع الاقتصادي والأمن المائي وتلبية طموحات الشباب).

كردستان ناجح يعني أقاليم أخرى ناجحة

العرب السنة في العراق، هم الأكثر مطالبة بإقليم خاص بهم نتيجة “التمدد الشيعي في الحكم” بما حمله من مظالم ورؤى طائفية لادارة الدولة، حسب دعاة الإقليم، وهم يتعكّزون على الثروات المعدنية في الأنبار ونينوى لبناء اقتصاد قوي إلى جانب دعم مزعوم او متوقع من دول الخليج وتركيا.

يرفض سياسيو الشيعة عموما، التوجه نحو انشاء اقاليم جديدة، بدعوى الخوف من تقسيم البلاد، لكن الحقيقة تتمثل في العقلية المركزية الحاكمة والخوف من فقدان النفوذ والسيطرة على الموارد. وتتركز الأصوات المطالبة بإقليم شيعي في البصرة، حيث تعلو بين الحين والآخر تلك الأصوات، بسبب مستويات عالية جداً من الفساد والفقر والبطالة في وسط وجنوب البلاد، وهي تتعكّز على ما يمكن ان يجلبه نفط البصرة من مستوى معاشي أفضل.

تلك المطالب تجابهها ذات العقلية المركزية، مع الاشارة الى فشل تجربة إقليم كردستان في إدارة الموارد (وإن كانت أقل بكثير جداً من موارد البصرة) وخلافات قياداته المستمرة مع المركز.

نجاح إقليم كردستان في تجربته سيؤدي إلى أحد سيناريوهين: تركيز أصحاب العقلية المركزية على تحسين الأداء لتقديم نموذج اتحادي أفضل يمنع نشوء أقاليم أخرى مشابهة، أو الدفع أكثر نحو إنشاء أقاليم شيعية وسنية بهدف السير على خطى التجربة الناجحة في الشمال.

ويتعدى تقديم إقليم كردستان لنموذج حكم رشيد قوي ومستقر، مسألة امكانية تعميم التجربة واعادة تشكيل العراق على أساس أقاليم مستقرة وناجحة أخرى بصلاحيات محددة، فبالنسبة لشعب كردستان، النجاح سيشكل طوق النجاة الوحيد للحفاظ على ذلك الكيان الدستوري، وتمكينه من تصفير مشاكله مع بغداد وطمأنة الجوار الإقليمي.

يمتلك أكراد العراق فرصة تاريخية بوجود كيان معترف به دولياً ودستورياً يحمل ثقلاً رمزياً، فالتحصين بنموذج حوكمة حقيقي واقتصاد مرن يكسر عقدة المستحيل لدى أكراد إيران وسوريا وتركيا الذين لا يتمتعون بما حظي به أكراد العراق.

وعلى الرغم من اختلاف السياقات الجيوسياسية، ونشوء إقليم كردستان العراق استناداً إلى حماية دولية مباشرة، فنجاح تجربة الإقليم في كردستان العراق “المتعثرة حاليا” ربما يصيب أكراد المنطقة بالعدوى السياسية ويؤدي بطهران وانقرة ودمشق الى توفير بيئة أفضل لهم بطريقة او بأخرى، لتجنيب دولهم الاضطرار للتنازل إلى درجة السماح بأقاليم كردية شبه مستقلة تلاصق بعضها بعضا.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35682}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">