
عبدالرحمن مهابادي:
بينما يواصل النظام الاسلامي القومي الحاكم في ايران، استخدام كل أشكال العنف من قتل واعتقال ومطاردة للمنتقدين والمعارضين لرؤيته، تتفاقم أزمات النظام في الجوانب المختلفة السياسية والاقتصادية، في وقت تتآكل سلطته في الداخل ويصبح أكثر شراسة في الخارج، وهو ما يراكم مؤشرات الانهيار والتغيير.
ويتواصل صراع الإرادات بين الشعب والسلطة، وتتركز الرهانات على عامل «الوقت» كونه يؤدي دوراً محورياً في هذه المعادلة الحرجة. فالشعب يأمل تقصير زمن سقوط النظام إلى أدنى حد ممكن، بينما يعمل النظام وبشتى الوسائل على إطالة عمر بقائه. إنها معركة حتمية النتيجة لكن التغيير قد يتعجل أو يتأخر.
مصير الحرب الخارجية
لا تكتسب الحرب الخارجية مشروعيتها إلا إذا كانت في خدمة الشعب الايراني ولتحقيق تطلعاته، وإلا فإن المستفيد الأكبر منها في النهاية سيكون النظام من خلال ادامة سلطته، وان جاء على خراب ما بقي في ايران، وعبر دعاية “مشروعية قمع المتآمرين والمتعاونين مع الأعداء”.
إن تجاوز “الحرب الخارجية” القائمة حاليا لحدود مصالح الحكومات المتصارعة، يعني الارتقاء بها لتكون في مصلحة الشعب الإيراني، بحيث يتمكن البديل الحقيقي من أن يحل محل السلطة الحالية. والبديل هو ذلك الذي يتصف بكونه «جمهورياً» و«ديمقراطياً»، ويمتلك قوة حقيقية فاعلة على الأرض.
وهذا أمر يحكمه الواقع السياسي، ولا يمكن تحقيقه عبر «صناعة بدائل مصطنعة» من قبل دول خارجية وفرضها على الساحة السياسية الإيرانية. ويحاول المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (ائتلاف سياسي يضم قوى متعددة ابرزها مجاهدي خلق بزعامة مريم رجوي) تثبيت نفسه بوصفه البديل الوحيد. وهذا البديل يواصل السعي لتحقيق أهدافه، في مواجهة البدائل الوهمية والمزيفة.
الوضع الراهن.. الاقتصاد يهدد السلطة
يتركز مسار الحرب الخارجية، حالياً على زيادة الضغوط الاقتصادية بما يراكم أزمات النظام، وهو ما أسهم في تعميق ما يُعرف بـ«حرب الذئاب» داخل أجنحة النظام، كما وسّع الهوة بين الشعب والنظام الحاكم. لكن في الوقت نفسه، أدت هذه الحرب الهامشية إلى تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين بنحو غير مسبوق، وصولا الى عدم قدرة جزء كبير من الايرانيين على تأمين قوت يومهم.
وفي ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة في ايران بات أركان السلطة يشعرون بالقلق، وهو ما تكشفه تصريحاتهم المحذرة من من انفجار مفاجئ لغضب المجتمع. ففي 28 آب/ أغسطس، حذر رئيس الجمهورية مسعود بزشکیان خلال مؤتمر صحفي، وبقلق واضح، من غضب الشارع، قائلاً: «إن الشعب الإيراني يقف الآن على الحافة».
كما أشار محمد باقر قالیباف، رئيس البرلمان الإيراني، في إحدى رسائله، إلى أن المجتمع الإيراني يشبه «برميلاً من البارود». وكان قد أقر سابقاً بشكل صريح بحجم التحدي الذي تشكله الأزمة الاقتصادية: «مهما امتلكنا من قوة عسكرية، فإننا لن نصمد إذا كان الناس جائعين».
مصالح الداخل والخارج
ومن البديهي أن المهمة الأساسية لكل فرد حر أو تيار إيراني وطني، هي إسقاط النظام القائم واستبداله بنظام ديمقراطي تعددي يمثل الشعوب الايرانية جميعا.
لكن ذلك الهدف، لا يتوافق مع رغبات بعض الأوساط الغربية، التي تتحرك انطلاقاً من مصالحها الاقتصادية، فهي تسعى إلى استمرار السلطة الحالية في إيران، ولا يهمها الدفاع عن مصالح الشعب الإيراني. وهذه الأوساط عملت وتعمل، على البحث عن حلول وطرح بدائل، للحفاظ على النظام وبما يخدم مصالحها.
وبعبارة أخرى، فإنها تريد استمرار إيران ضمن مسار التبعية والنفوذ الخارجي. في وقت يريد الشعب الإيراني «الحرية والاستقلال» بما يصنع ايران جديدة، قوية اقتصاديا ومنتعشة تنموياً، ومؤثرة في محيطها والعالم.
بين الانتفاضة والانقلاب من داخل النظام
مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران، وتردي الأوضاع المعيشية للغالبية الساحقة من السكان، واستمرار موجة الغلاء وعدم قدرة الموظفين والعمال على تأمين الحد الأدنى من حاجاتهم للسلع الغذائية الأساسيية، في ظل انهيار سعر صرف الليرة الايرانية، يُعتقد على نحو واسع، ان بقاء الأوضاع بشكلها الحالي لا يمكن أن يستمر.
ويبدو ان السيناريو الأرجح هو انتفاضة تنتظر شرارة الانطلاق، فالايرانيون يبحثون عن فرصة لاتخاذ الخطوة الأخيرة بانفجار شعبي مفاجئ وشامل، حتى بوجود شريحة صغيرة من المؤيدين للنظام مع سلسلة من الأجهزة الامنية المدافعة عنه. بينما سيدفع عدم تفجر الانفجار الشعبي، معارضين الى رفع السلاح من أجل انهاء نظام الحكم الحالي الذي يشكل مصدر أزماته، خاصة ان جوهر المشكلة في إيران سياسي بالدرجة الأولى وليس اقتصادياً.
كما لم يعد ممكنا للنظام القائم، الاستمرار وهو يقف بوجه مصالح مختلف فئات الشعب وقومياته ومذاهبه، بعد ان نجح طوال اربعة عقود في تحقيق نوع من التوازن الاجتماعي الذي ساعد على ضمان بقائه حتى مع حرمان شرائح واسعة من المواطنين من حقوقهم الأساسية.
وما يعزز خيار الانتفاضة المفاجئة والانهيار السريع، هو وصول الشعب الإيراني الى مرحلة بات فيها الغالبية تقول فيها إنهم لم يعودوا يملكون شيئاً ليخسروه، خاصة ان الشباب الإيراني الذي يشكل 45% من مجموع السكان، يقف اليوم في مقدمة المواجهة المتوقعة مع النظام مع قناعتهم بأن نظام الحكم السائد في بلادهم غير صالح للاستمرار.
أما السيناريو الثاني، وهو الأضعف، فيتمثل في انقلاب من داخل النظام وبين قوى السلطة المختلفة. لكن ذلك يبدو مستبعدا، فإذا كان نظام الشاه قد تمكن عام 1953 من تهيئة الظروف لانقلاب 19 آب/ أغسطس 1953 ضد الحكومة الوطنية والقانونية للدكتور محمد مصدق، فإن التعويل اليوم على انقلاب داخلي جديد في إيران، يبدو انه مجرد سراب. ذلك أن جميع أجنحة نظام ولاية الفقيه القائم، تبحث عن استمرار سلطتها وان كان على حساب مصالح الشعب، لهذا بات الأرجح سقوط النظام بكامل بنيته.






