يفتح في علامة تبويب جديدة

آراء: الإطار التنسيقي والفصائل .. سلطة واحدة بوجهين ولهدف واحد

الإطار التنسيقي والفصائل .. سلطة واحدة بوجهين ولهدف واحد

إن السعي إلى تسويق سردية وجود طرفين، الأول إطار تنسيقي شيعي، بوصفه المظلة السياسية للسلطة الحاكمة في العراق، والثاني فصائل تحمل عنوان «سلاح المقاومة»، وأن هناك مسافة فاصلة بين الدولة والفصائل – المليشيات، هو عملية تضليل تمارسها سلطة الإسلام السياسي الحاكم، وساهمت حالة اللاحرب واللاسلم في المنطقة في ترسيخ هذه السردية وترويجها في وسائل الإعلام المختلفة.

كما ان الاعتقاد السائد لدى بعض العراقيين، بأن حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي ستنهي أمر الفصائل في العراق وتنزع سلاحها، هو مجرد وهم. 

في الأيام الماضية، تم دحض تلك السردية، من خلال التصريحات التي أطلقها رئيس ائتلاف “دولة القانون” نوري المالكي ورئيس منظمة “بدر” هادي العامري، وهما يمثلان أبرز قادة الاطار التنسيقي، بل الشخصيتان اللتان تديران دفة السلطة السياسية في العراق، وتحددان إيقاعها، وتحركان حكومة الزيدي نفسها يمينا ويسارا، كما فعلت مع حكومة محمد شياع السوداني وقبله حكومتا مصطفى الكاظمي وعادل عبد المهدي، بدفاعهما عن فكرة تأجيل حسم ملف سلاح الفصائل وابقائها وحمايتها تحت عناوين جديدة مثل التنظيم والاحتواء، وغيرها من العبارات والكلمات المظللة. 

فشل تعهد 30 أيلول

إن هذه الجرأة التي ظهر بها العامري والمالكي، من خلال الغاء موعد التسليم 30 أيلول/ سبتمبر، وفتح الباب أمام حوار طويل، بل والدفاع عن موقف الفصائل، تعود في جانب أساسي منها، إلى عدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على حسم مصير الحرب مع ايران لصالحها. واصبح واضحا لكل الذين راهنوا على حكومة الزيدي وتصديق الفقاعات الاعلامية حول حربها على الفساد وانهاء السلاح خارج الدولة، بعدم امكانية الفصل بين الإطار التنسيقي والفصائل؛ فهما وحدة واحدة: الإطار التنسيقي هو الجناح السياسي للسلطة في العراق، بينما الفصائل هي ذراعها العسكري.

إن معضلة السلطة السياسية الشيعية القائمة، والتي تمسك بزمام آلة الدولة التي تشكل الفصائل أحد أعمدتها الأساسية، تكمن في عدم حسمها للصراع السياسي الداخلي بما يتيح لها تصفية جميع منافسيها.

وهناك نقطة أخرى مهمة، وهي أن معضلة عدم حسم الصراع، ترتبط ارتباطا وثيقا بالوضع السياسي والحرب الدائرة في المنطقة والتي لا تعرف مآلاتها، في ظل صراع الأقطاب الإقليمية والتحولات الجيوسياسية العالمية التي تعتبر الشرق الأوسط جزء منها.

الحصول على موطئ قدم

فالعملية السياسية في العراق تستند في استقرارها إلى الدعم الإقليمي، بينما ترتبط أطراف العملية السياسية بالقوى الإقليمية. وقد فتحت إسرائيل أبواب جهنم على المنطقة وأججت صراع اعادة بناء الشرق الأوسط الجديد، بنما تحاول كل قوة إقليمية الحصول على موطئ قدم في المعادلات السياسية الجديدة.

فتركيا لن تتخلى عن موطئ قدمها في كردستان العراق، وهي تملك اكثر من 52 نقطة عسكرية بما فيه قواعد كبيرة، وهو ما يشكل منفذاً لدعم القوى التي تسمي نفسها «السنية». كما أن السلطة الموجودة في بغداد مرتبطة بشكل عضوي بالنظام القومي الإسلامي في إيران، وأي خلل في طرف ما سيؤثر بشكل مباشر على الطرف الثاني، ولدول الخليج حضور أيضا، وهي ترفض استمرار النفوذ الإيراني في العراق باعتباره يشكل عامل عدم استقرار ويعكر حرية ومزاج حركة الرأسمال والتجارة والاقتصاد العالمي.

والعراق منخرط فعليا في الصراع إلى جانب إيران ضد دول المنطقة والولايات المتحدة الأمريكية. وما لم تُحسم مسألة الحرب في المنطقة، سيظل العراق تتقاذفه الرياح الإقليمية.

أما المعضلة الأخرى التي تواجه الإطار التنسيقي، فتتمثل في محاولة إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والحفاظ على الإخلاص العقائدي والسياسي للجمهورية الإسلامية في إيران من جهة أخرى، في وقت هناك عدم انسجام بين هذين الاتجاهين، ولا يمكن جمعهما ضمن رؤية سياسية واضحة للخروج من المأزق الذي يجد الإطار نفسه فيه.

الانفكاك المستحيل

فالإطار التنسيقي لا شيء من دون الفصائل، ولن يستطيع أن تقوم له قائمة من دونها. وقد بيّنت انتفاضة تشرين 2019 السلمية مدى خواء هذه السلطة وعدم قدرتها على الاستمرار من دون سلاح الفصائل، الذي قتل نحو 800 شخص، وغيّب عددا كبيرا من المعارضين والمتظاهرين. وقد اعترف رئيس منظمة “بدر” هادي العامري نفسه بذلك أمام العالم، عندما قال ان سلاح المقاومة تصدى لـ”فتنة تشرين”.

الأخطر الذي يواجه الوضع السياسي في العراق اليوم هو انفلات عقال الفصائل، في إطار سعيها إلى إسكات الأصوات الداعية إلى نزع سلاحها، عبر سلسلة من عمليات المداهمة والاقتحام، كما حدث في مؤتمر “مرصد مراقبة الديمقراطية” الذي نُظّم في فندق الرشيد وسط المنطقة الخضراء، وكذلك اقتحام معرض بغداد الدولي للكتاب ومصادرة كتاب أكاديمي للباحث علي المدني، فضلا عن استهداف المنشآت السعودية انطلاقا من الأراضي العراقية للمرة الثانية، ورفع مستوى الخطاب الطائفي.

يحدث كل ذلك، في الوقت الذي لا يحرك فيه مجلس القضاء الأعلى أو الإدعاء العام ولا المؤسسات الحقوقية ساكنا تجاه هذه الخروقات، بما يؤكد أن المسار السياسي في العراق يتجه نحو فوضى مصطنعة تقودها الفصائل وأذرعها، بهدف حسم مصير السلطة لصالح الإطار التنسيقي وتصفية مخالفيه.

ويبقى السؤال الذي يضغط على قوى الإطار التنسيقي وسلطته السياسية وأدواته: هل توجد حلول أو أجوبة في كيفية الرد على التحركات الاحتجاجية للعاطلين عن العمل، وعمال النفط والمصافي، والمطالبين بتعديل سلم الرواتب، التي تستمر في مدن العراق، والتي وصلت إلى ما يقارب 300 احتجاج خلال مئة يوم من تشكيل الحكومة، بين تظاهرات ووقفات ومسيرات واعتصامات، أم أن الرد سيكون فقط بتسخين الخطاب الطائفي واطلاق يد الفصائل التي ما زالت تختبئ تحت عنوان “المقاومة” حتى بعد اعترافات العامري.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35600}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">