يفتح في علامة تبويب جديدة

آراء: حفلة سيف نبيل كشفت الوجه الحقيقي لحيلة “الذوق العام”

حفلة سيف نبيل كشفت الوجه الحقيقي لحيلة “الذوق العام”

"الذوق العام" هو القناع الذي تختبئ خلفه الأسلمة الاجتماعية، فهو يبدو بريئا في ظاهره، لكنه في جوهره محاولة لتحويل خيارات شخصية الى قوانين اجتماعية ملزمة للجميع.

حسام عبد الحسين

حفلة الفنان العراقي سيف نبيل، التي أقيمت في أحد فنادق حلب السورية، في مطلع أيلول سبتمبر، تعرضت على مواقع التواصل الاجتماعي، ووفق أحكام مزاجات الشارع، لمحاولات تسقيط سبقتها محاولات منع. وظهر خطاب يقسم مناطق سوريا الى أماكن “يجوز فيها الغناء” وأخرى “لا يجوز” ذلك. هذه ليست مجرد قضية حفلة!

هنا يظهر مفهوم “الذوق العام” كأداة خطيرة عندما يتحول من احترام حقوق الاخرين في الفضاء العام الى فرض نمط فكري وسلوكي وأخلاقي واحد على المجتمع كله.

و”الذوق العام” هو القناع الذي تختبئ خلفه الأسلمة الاجتماعية، فهو يبدو بريئا في ظاهره، لكنه في جوهره محاولة لتحويل خيارات شخصية الى قوانين اجتماعية ملزمة للجميع.

تخيل أن شابا أو فتاة تسير في شارع بملابس مريحة، فيأتي من يقول لها “هذا لا يليق بذوق الحي”. أو مقهى يشغل موسيقى رومانسية هادئة، فيتهم بأنه “يخدش الحياء العام”. هذا هو “الذوق العام” في أخطر صوره، ليس مجرد رأي، بل سلطة اجتماعية تمارس الضغط على المختلف.

هذه احدى طرق فرض نمط ديني واحد على المجتمع من الأسفل. لا تحتاج السلطة الى إعلان “دولة دينية”، بل يكفي أن يصبح المجتمع نفسه أداة للضغط على المختلف، بالتسقيط والاتهام، ثم يتنازل الفرد عن حريته حتى لا يصطدم بالجماعة.

الذوق العام وفرض الاختيارات

لكن من يعطي لهذا الشخص أو ذاك الحق في تحويل ذوقه وأفكاره واختياراته الى معيار لحياة الاخرين؟

“الذوق العام” في الحقيقة، تسمية لا وجود لها، يتم استخدامها لفرض أفكار وطرق على المجتمع وتقييد الاختيارات الشخصية.

الدولة المدنية الحقيقية تحمي الإنسان من تسلط الدولة ومن سلطة المجتمع معا. فالفرد في مجتمعاتنا يعاني من دكتاتوريتين، دكتاتورية الدولة التي تسن القوانين بما فيها المجحفة، ودكتاتورية المجتمع التي تفرض العادات والتقاليد وغالبا باسم الدين. الثانية أخطر لأنها تبدو “طبيعية” و”اختيارية”، بينما هي في الحقيقة قيد أشد إحكاما لأنه لا يرى ولا يحاسب عليه أحد.

فالأخطر ليس دائما أن تفرض القيود بالقانون من الأعلى، بل أن تتحول الى ثقافة اجتماعية تجعل الناس يفرضونها على بعضهم بعضا، حتى يصبح الفرد أسيرا لذوق الجماعة قبل أن يكون أسيرا لقانون الدولة.

الأسلمة عبر العادات والتقاليد

السؤال المهم هنا، لماذا لم يعلن الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة وتوليه رئاسة المرحلة الانتقالية بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٥ عن دولة وطنية وليست دينية إسلامية؟

الجواب ببساطة: لأن غالبية شعب سوريا علماني، وكان تجنب المواجهة المباشرة معه ضرورة سياسية. لذا ستتم أسلمة المجتمع من الأسفل؛ أي أن المؤسسات الدينية والاجتماعية المحافظة ستعمل على فرض الأسلمة بشكل تدريجي عبر العادات والتقاليد والأعراف، وبأدوات الضغط الاجتماعي وهي الطعن، الاتهام، الاستصغار، والتخوين لكل من يخالفها فكريا.

هكذا ينشأ صراع داخل المجتمع نفسه، ويجبر الأغلبية في النهاية على مسايرة هذه الأحكام خوفا من العزلة والاتهام. هذه هي “تغيير الثقافة” قبل تغيير القانون.

ثم تلقائيا تفرض الأسلمة على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية والثقافية بشكل غير رسمي، دون الحاجة الى إعلان “دولة إسلامية”.

هذه الطريقة أخطر وأكثر إدامة من أسلمة المجتمع من الأعلى مثل أفغانستان، لأنها لا تواجه مقاومة مباشرة، بل تتسلل بهدوء حتى تصبح جزءا من “الطبيعة” و”البديهيات”.

والسؤال الأهم: هل “الأسلمة من الأسفل” هي الخطر الأكبر على سوريا، أم أن هناك تحديات أخرى أخطر إقليميا ودوليا؟

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35549}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">