يفتح في علامة تبويب جديدة

آراء: الموت السريري لديوان الرقابة.. الحسابات الختامية المتأخرة كغطاء قانوني للفاسدين!

الموت السريري لديوان الرقابة.. الحسابات الختامية المتأخرة كغطاء قانوني للفاسدين!

حين يحال تدقيق حسابات سنة مالية ما بعد مرور ثماني أو عشر سنوات، يفقد التقرير الرقابي قيمته الزجرية ويتحول عملياً من أداة ردع ومساءلة فورية إلى مجرد وثيقة تاريخية توثق خراباً مالياً وقع وانتهى. وهكذا تموت عملية مكافحة الفساد وتضيع مليارات الدولارات من الأموال العامة.

دكتور أحمد فاتح محمد

بينما تنشغل المنظومة السياسية في بغداد ببيانات مكافحة الفساد وملاحقة صغار الموظفين، يستمر التواطؤ الصامت في تعطيل إقرار الحسابات الختامية للدولة، ليتحول التدقيق المالي المتأخر من أداة دستورية للمساءلة إلى أكبر مظلة قانونية تسقط جرائم هدر المليارات بعامل التقادم.

في كل دورة برلمانية يتكرر المشهد ذاته: سجالات محتدمة ومفاوضات شاقة خلف الأبواب المغلقة لتقاسم بنود الموازنة العامة، ثم يرتفع سوار التصويت لتمرير مئات التريليونات من الدنانير.

لكن أمراً واحداً يغيب دائماً عن جلسات البرلمان برضا الجميع: أين ذهبت أموال السنوات السابقة؟ وما الذي تحقق فعلياً من تلك الأرقام الفلكية؟

إن المادة (62) من الدستور العراقي وقانون الإدارة المالية الاتحادية، لم يجعلا تقديم الحسابات الختامية تفصيلاً بروتوكولياً أو عملاً إدارياً مؤجلاً، بل جعلاه شرطاً دستورياً جوهرياً وجوبياً، إذ لا يجوز للبرلمان من حيث المنطق القانوني ومبدأ المشروعية، أن يمنح الحكومة تفويضاً جديداً بالصرف والجباية قبل أن تثبت الأخيرة أوجه إنفاقها الفعلي وأرصدتها الدفترية للسنة المنصرمة.

غير أن ما استقر عليه العرف السياسي في العراق طيلة عقدين هو الانقلاب الصريح على هذا المبدأ. لقد اعتادت الحكومات المتعاقبة ترحيل الحسابات الختامية لسنوات طوال، وتحولت قاعدة الصرف الفعلي (1/12) من استثناء اضطراري إلى نظام دائم لإدارة الدولة خارج القيود المحاسبية.

في هذا الفراغ المفتعل، يقع ديوان الرقابة المالية الاتحادي ضحية لما يشبه الموت السريري لفاعليته الرقابية. فالديوان وهو المؤسسة الفنية الأقدم والأكثر رصانة في التدقيق المالي، لا يزال يصدر تقاريره باحترافية مشهودة، لكن هذه التقارير تلقى عمداً في بئر التعطيل السياسي.

وحين يحال تدقيق حسابات سنة مالية ما بعد مرور ثماني أو عشر سنوات، يفقد التقرير الرقابي قيمته الزجرية ويتحول عملياً من أداة ردع ومساءلة فورية إلى مجرد وثيقة تاريخية توثق خراباً مالياً وقع وانتهى.

هنا تحديداً تكمن الثغرة القانونية الخبيثة، فالزمن في القانون الجنائي والإداري ليس عنصراً محايداً، بل هو أقوى أسلحة الإفلات من العقاب:

– تآكل الأدلة والأوليات: مع مرور السنين، تضيع السجلات الأصلية أو تحرق، وتتلاشى مسارات التدقيق لما يعرف بـ حسابات السلف المعلقة التي تبتلع تريليونات الدنانير بلا تسوية.

– سقوط المسؤولية والانضباط: بمرور الوقت، تُحال القيادات الإدارية والوزارية المعنية إلى التقاعد، أو تسقط التهم الانضباطية بالتقادم، أو يتعذر إثبات القصد الجرمي أمام محاكم التحقيق والنزاهة بسبب تعاقب الإدارات وتحميل المسؤولية لجهات مجهولة.

إن غياب الحسابات الختامية في العراق ليس عجزاً في الأنظمة المحاسبية أو نقصاً في الكفاءات المالية، بل هو فلسفة لاقانونية مدروسة تتقاسم فيها السلطتان التنفيذية والتشريعية المصلحة المشتركة، فالأولى تضمن الصرف دون رقابة لاحقة والثانية تضمن استمرار تدفق الحصص والمكاسب في الموازنات الجديدة دون فتح دفاتر الماضي.

ما لم يضع القضاء والمحكمة الاتحادية حداً لهذا التواطؤ، ويفرض الإلزام الدستوري الصارم: لا موازنة جديدة دون حساب ختامي للسنة الماضية، سيظل ديوان الرقابة المالية مقيد اليدين، وستبقى الحسابات المؤجلة الدرع القانوني الأكثر أماناً لحماية كبار الفاسدين في الدولة.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35546}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">