
رمزي ميركاني
شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 نقطة تحول حاسمة في التاريخ المعاصر، فلم تكن مجرد هجوم إرهابي دامي استهدف برجي مركز التجارة العالمي والبنتاغون، بل كانت زلزالاً هز الأركان السياسية والأمنية والفكرية للعالم بأسره. بعد مرور عقدين ونصف على ذلك اليوم الفارق، ما يزال العالم، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، ترزح تحت وطأة التداعيات من حروب وأزمات والتي أعادت رسم الخرائط، وغيرت مفاهيم الأمن القومي، وألقت بظلال ثقيلة على صورة الإسلام وحتى قضايا الشعوب المُضطهدة.
تشويه الهوية وصعود الإسلاموفوبيا
لقد كان الإسلام والمسلمون هم الضحية الثانية بعد الأرواح البريئة التي زُهقت في الهجمات. فيجمع الكثير من الباحثين والمتخصصين، على أن هذه الأحداث شكلت “كارثة” على مسار الدعوة الإسلامية وحركاته المختلفة؛ إذ استغلها اليمين المتطرف والإعلام الغربي لربط الدين الاسلامي بالعنف والهمجية.
وتصاعدت موجات “الإسلاموفوبيا” وارتفعت وتيرة جرائم الكراهية ضد الجاليات المسلمة في الغرب، مما أعاق جهود الحوار الثقافي الديني ودفع مئات الملايين عبر العالم الى النفور من الدين الإسلامي مع تقديم صورة سلبية له على أكبر منصات الاعلام العالمية.
ورغم استنكار المرجعيات الإسلامية الكبرى للهجمات وتأكيدها على تحريم قتل الأبرياء، إلا أن الصورة النمطية التي كرستها وسائل الإعلام العالمية وبعدها هوليوود -والتي حصرت المسلم في قوالب الإرهاب والاضطهاد والجهل-لا تزال تمثل تحدياً ثقافياً كبيراً.
عقيدة الحرب على الإرهاب وإعادة رسم المنطقة
سياسياً، دشن بوش الأبن عقيدة الضربات الاستباقية، وهو مثل تحولا جوهريا في السياسات العالمية، منح الولايات المتحدة ذريعة للتدخل العسكري في أي بقعة تراها تهديداً محتملاً. ومن هناك انطلق غزو أفغانستان في العام 2001 لتعقب تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، الذي وقف وراء هجمات 11 سبتمبر، ثم تبعه غزو العراق في العام 2003 بناءً على ادعاءات ثبت بطلانها حول امتلاك نظام حزب البعث أسلحة دمار شامل، والتي معها حدثت تحولات كبرى في البلاد.
لكن تلك التدخلات، بتداعياتها الهائلة، لم تجلب الاستقرار المنشود الى الدولتين والمنطقة، بل أدت إلى انهيار البنى المؤسسية، وخلق فراغ أمني هائل، وتدمير البنى التحتية، مفسحة المجال لما عُرف بـ “الفوضى الخلاقة”.
هذا الفراغ الأمني شكل التربة الخصبة لظهور تنظيمات أكثر توحشاً، وعلى رأسها تنظيم (داعش) بزعامة أبو بكر البغدادي، الذي تجاوز في جرائمه وفظاعته تنظيم (القاعدة). وانتقل داعش من فكرة المنظمة السرية إلى مشروع (دولة الخلافة) المزعومة، مستغلاً التقنيات الرقمية الحديثة لتجنيد آلاف المقاتلين الأجانب من أكثر من 86 دولة، وممارساً أبشع أنواع الإبادة والتهجير الطائفي، وتدمير التراث الإنساني العالمي.
تراجع قضايا انسانية وتفتيت النسيج الاجتماعي
وكان من تداعيات 11 سبتمبر، تراجع القضية الفلسطينية في أجندة الاهتمام الدولي والعربي على حد سواء، الى جانب تراجع قضايا الشعوب المضطهدة الباحثة عن حقوقها. ففي فلسطين استغلت اسرائيل بحكوماتها اليمينية الانشغال العالمي بمحاربة الإرهاب، والدعاية العالمية الموجهة ضد المسلمين، لتعميق الخلل القائم في الأراضي المحتلة وترسيخ نظام تمييزي عنصري، بينما انشغلت الدول العربية بأزماتها الداخلية وصراعاتها الطائفية التي أججتها الحروب بالوكالة، وفشلت شعوب وقوميات عانت لعقود من الاضطهاد في ظل دكتاتوريات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرق آسيا، في استحصال حقوقها الأساسية في ظل توصيف كفاحها بالارهاب.
كما برزت دعوات ومشاريع لتفتيت المنطقة على أسس مذهبية وعرقية، بدل اعادة بناء الدول على أساس المواطنة والعدالة والحقوق، وهو ما كشف عنه مسؤولون سابقون في الاستخبارات الأمريكية حول مشاريع الشرق الأوسط الجديد التي تهدف إلى إضعاف الأنظمة وتفكيك القوة الاقتصادية والعسكرية للدول الكبيرة في المنطقة.
نحو استراتيجية مواجهة شاملة
وبعد مستويات التدمير الهائلة التي أتت بها تلك الحروب والتدخلات عبر التحالفات العالمية، وبعد عقدين من الزمن، أثبتت التجارب أن الحلول العسكرية وحدها لا تكفي لاجتثاث الإرهاب وصناعة الاستقرار وبناء نظام عالمي جديد يعزز التحاور والتعايش بين الدول والشعوب.
ومع تلك التجارب المريرة الفاشلة، وبعد الخسائر الاقتصادية والبشرية والتنموية الهائلة، تبرز اليوم، الحاجة إلى التركيز على أربعة محاور للخروج من مرحلة الكوارث والأزمات والفشل والبدء بمرحلة اعادة البناء:
– المواجهة الأمنية الحاسمة، ضد قوى الارهاب والتطرف.
– اقرار وترسيخ التشريعات الوطنية المتسقة مع القانون الدولي.
– بناء التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتجفيف منابع الفقر والجهل.
– المواجهة الفكرية وتصويب الخطاب الديني.
ولعل النقطة الأخيرة، تكسب أهمية خاصة في مرحلة اعادة البناء، من أجل انهاء الصراعات الداخلية على أساس الاختلافات الدينية والعقائدية والمذهبية. وهو ما يضع على عاتق العلماء والمنابر الإسلامية دوراً محورياً في تفنيد الفكر المتطرف وتصويب الخطاب الديني، فالمعركة الحقيقية هي معركة عقول ووعي، وهي معركة تُدار في الفضاء الرقمي قبل الميدان. الى جانب معركة اعادة بناء المجتمعات على قيم المواطنة والعدالة والمساواة والنزاهة والعمل والانتاج.
إرث الماضي ومسؤولية المستقبل
إن إرث 11 سبتمبر، الثقيل بكل ما حمله من حروب ودمار وتدخلات، يفرض على المجتمع الدولي إدراك أن الأمن العالمي لا يتحقق بفرض الهيمنة أو شن الحروب الوقائية، بل بمعالجة الجذور الحقيقية للتطرف وتعزيز قيم التعايش السلمي والتعاون العالمي.
فتجارب عقدين من الصراعات والأزمات، بالنتيجة حول الإرهاب من تنظيمات مركزية يمكن تدمير قوتها ومنع بناء سلطتها، إلى خلايا لامركزية تستمر في الحياة والظهور مهددة السلم العالمي، مما يتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً بعيداً عن الغطرسة والاملاءات والمعايير المزدوجة.
كما ان تجارب 11 سبتمبر تخبرنا ان استقرار الشرق الأوسط مرهون بقدرتنا على بناء دول وطنية قوية تؤمن بقيم المواطنة والمساواة والقانون، دول بمجتمعات منفتحة لكنها محصنة ضد الأفكار الهدامة. الاستقرار مرهون بضمان العدالة في القضايا الدولية العالقة، ليكون المستقبل خالياً من أشباح “الأيام المظلمة” التي غيرت وجه التاريخ.






