العراق أمام لحظة الاختبار الأصعب بين الدولة واللادولة: من يملك قرار الحرب؟
الهجوم على خط النفط الاستراتيجي "شرق-غرب" السعودي، الذي يمثل مسار نجاة لصادرات النفط السعودية من حلقة مضيق هرمز الخانقة، والمتزامن مع سيطرة الحوثيين على كامل الساحل الغربي اليمني بما فيه مضيق "باب المندب"، يعيد عراقيا فتح السؤال المقلق بشأن من يحتكر السلاح والقرار السيادي في البلاد، ومآلات ذلك، بين بناء الدولة واستمرار اللادولة، وما سيعنيه…
قد لا تكون الطائرات المسيّرة التي انطلقت من الأراضي العراقية وضربت خط النفط السعودي “شرق غرب” قد أصابت منشأة نفطية فحسب؛ بل ربما أصابت أيضاً المعادلة الهشة التي حكمت علاقة الدولة بالفصائل المسلحة طوال السنوات الماضية، وأعادت طرح السؤال المقلق الذي حاول النظام السياسي العراقي تأجيل الإجابة عنه طويلاً: من يملك فعلياً قرار الحرب والسلم في العراق؟.. وماذا يعني ويحمل عدم امتلاك القرار؟
المشكلة لا تتعلق بالسعودية وحدها، ولا باحتمال تكرار الهجوم عليها، وإنما بما كشفته العملية من قدرة قوة مسلحة على استخدام الأراضي العراقية لاتخاذ قرار عسكري يمكن أن يستهدف أياً من دول الجوار أو القوات والمصالح والمنشآت التابعة لدول أخرى، ويضع العراق أمام تداعيات سياسية أو عسكرية لم تتخذ مؤسساته قراراً بشأنها.
بذلك تنتقل قضية حصر السلاح من نقاش حول مستقبل الفصائل إلى اختبار يتعلق بمعنى السيادة نفسها، وبالأمن العراقي بل والمستقبل الاقتصادي: هل تستطيع الدولة ضمان ألا تستخدم أراضيها وسلاح الجماعات الموجودة فيها، لإقحام العراق في حروب الآخرين، بما قد يحمله ذلك من هجمات مضادة وعقوبات أمريكية؟
ما يزيد من خطورة السؤال أن الهجوم جاء في توقيت بالغ الحساسية، قبيل انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول/سبتمبر والدخول في مرحلة يفترض أن يصبح فيها ملف حصر السلاح أكثر جدية.
حديث ذلك فيما حقق الحوثيون في اليمن نجاحات غير مسبوقة بسيطرتهم على كامل الساحل المطل على البحر الأحمر وباب المندب، بكل ما يعنيه ذلك بالنسبة للاقتصاد العالمي.
وعندما توضع هذه التطورات إلى جانب الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تتعرض لها إيران في صراعها مع الولايات المتحدة، يصبح من الصعب التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة تماماً، إذ يجد العراق نفسه مجدداً عند نقطة التقاء الصراع الداخلي على سلطة الدولة بالصراع الإقليمي على النفوذ والممرات والطاقة.
من ميسان إلى باب المندب
لا تكمن أهمية استهداف خط النفط السعودي في المنشأة نفسها فقط، فالخط الممتد من شرق السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر يمثل أحد أهم المسارات التي تسمح بتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، بواقع تصديري يبلغ في المتوسط 5 مليون برميل يوميا بحسب مصادر سعودية، ولذلك ازدادت قيمته الاستراتيجية مع اضطراب الملاحة والطاقة في الخليج عبر مضيق هرمز الخاضع للتهديد الايراني. وفي الطرف الآخر من البحر الأحمر، أدى التقدم الحوثي على الساحل اليمني إلى زيادة الضغط على باب المندب، أحد أهم طرق التجارة العالمية حيث ان 12 الى 15% من حجم التجارة البحرية العالمية تمر من هناك، وبقيمة بضائع تتجاوز تريليون دولار سنوياً.
وعند جمع المشهدين تظهر خريطة أوسع للصراع: ضغط على هرمز من الشرق، وتهديد لباب المندب من الجنوب، واستهداف لمسار نفطي يسمح بتجاوز هرمز بينهما. ولا يكفي هذا التزامن للجزم بأن جميع هذه التحركات صدرت عن غرفة عمليات واحدة، لكنه يجعل فرضية التقاطع الاستراتيجي بينها جديرة بالفحص، خصوصاً أن إيران، التي تواجه ضغطاً عسكرياً واقتصادياً متزايداً، تمتلك مصلحة واضحة في توسيع كلفة المواجهة على جميع دول العالم ونقل جزء منها من حدودها إلى المجال الإقليمي، ومن عملياتها المباشرة الى وكلائها وحلفائها في المنطقة.
إيران ومحاولة توسيع ساحة الصراع
تأتي هذه الجولة في وقت تواجه فيه إيران واحدة من أكثر مراحل الصراع إنهاكاً لاقتصادها، مع تراجع الإيرادات النفطية بنحو 75% (وصلت تحت ضغط الحصار البحري، لنحو 240 الف برميل يومياً في آب أغسطس مقارنة بنحو مليوني برميل في آذار مارس) وتشديد الضغوط على قدرتها التجارية والمالية، بالتزامن مع ظهور نقاش أكثر وضوحاً داخل الطبقة السياسية حول كلفة استمرار الحرب.
وقد أقر الرئيس الايراني مسعود بزشكيان بحجم المشكلات الاقتصادية التي تواجهها الدولة، فيما ذهب الرئيس السابق حسن روحاني إلى طرح فكرة العودة إلى الشعب إذا كان استمرار الحرب سيقوده إلى تحمل كلفتها.
ضمن هذه الظروف تصبح الأوراق الإقليمية أكثر قيمة لطهران كلما تقلصت قدرتها على تحمل مواجهة طويلة، لأن توسيع ساحات الضغط على الاقتصاد العالمي، يرفع كلفة الحرب على خصومها الكبار، ويمنحها أدوات إضافية للمساومة.
لكن استخدام الساحة العراقية يختلف عن ساحات أخرى، لأن في العراق الحاكمون في الدولة وأصحاب القرار فيها هم أبناء النظام السياسي نفسه، لكن في اليمن ولبنان هم أطرف او جزء من السلطة النافذة. كما ان حكومة العراق تمر بمرحلة تحاول فيها الحكومة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة، فيما بدأت قوى شيعية نافذة تنظر إلى استمرار القرار العسكري المستقل باعتباره خطراً على الدولة والنظام السياسي الذي تشارك هي نفسها في إدارته.
ومن هنا تكتسب العملية الأخيرة دلالتها الأوسع؛ فهي لم تختبر أمن السعودية وحدها، بل اختبرت بصورة عملية قدرة العراق على تنفيذ تعهد أكثر جوهرية: ألا تتحول أراضيه إلى منصة لاستهداف دول الجوار أو القوات والمصالح الأجنبية والإقليمية من دون قرار الدولة.
الزيدي واختبار سلطة الدولة
جاء رد رئيس الوزراء علي الزيدي سريعاً بعد إعلان الرياض أن الهجوم انطلق من الأراضي العراقية، إذ فتحت بغداد تحقيقاً وأقرت باستخدام أراضيها في العملية واتخذت إجراءات بحق المسؤولين الأمنيين عن المنطقة التي انطلقت منها الطائرات. وتكتسب هذه الخطوات أهميتها من أن الحكومة لم تكتف بالإدانة أو النفي، وإنما تعاملت مع الحادث باعتباره مسألة سيادية تتحمل الدولة مسؤولية منع تكرارها.
لكن هذا الموقف يرفع في الوقت نفسه سقف التحدي أمام الحكومة، لأن الاعتراف بأن قوة مسلحة استطاعت استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجوم خارجي يفرض عليها الانتقال من تشخيص المشكلة إلى إثبات قدرتها على منعها.
ولا يتعلق الأمر هنا بمهاجمة السعودية؛ فالمعيار الحقيقي لنجاح الدولة سيكون قدرتها على منع أي جماعة من استخدام العراق لمهاجمة دول الجوار أو استهداف قواعد ومصالح أميركية أو غربية أو إقليمية، ما لم يكن استخدام القوة قراراً صادراً عن المؤسسات الدستورية العراقية.
بهذا المعنى، لم يعد حصر السلاح مشروعاً أمنياً لتقليص نفوذ الفصائل بقدر ما أصبح جزءاً من إعادة بناء القرار السيادي، لأن الدولة لا تحتكر القوة فعلياً إذا كانت تمتلك جيشاً وأجهزة أمنية كبيرة، لكنها لا تستطيع منع جماعة داخل حدودها من اتخاذ قرار قد يدخل البلاد في حرب مكلفة وتداعيات اقتصادية مدمرة.
الشرخ داخل البيت الشيعي
يزداد المشهد تعقيداً لأن المواجهة المقبلة لا تبدو مواجهة بين الحكومة والبيت الشيعي بأكمله، بل قد تتحول إلى انقسام داخل “القوى الشيعية الحاكمة” حول مفهوم الدولة وحدود سلطة الفصائل. ففي وقت تصرفت فيه قوى شيعية ببراغماتية عالية، وأعلن قادة شيعة كالشيخ قيس الخزعلي (الأمين العام لحركة عصائب اهل الحق) أن حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية ضرورة لا يمكن التراجع عنها، تصر قوى مسلحة أخرى على رفض تسليم سلاحها وفق جدول حكومي، وبعضها يفضل الحديث عن (تنظيم السلاح) بدلاً من (حصره).
وهذا الاختلاف ليس لغوياً، لأن المفهومين يقودان إلى نموذجين مختلفين للدولة. فحصر السلاح يعني أن المؤسسة الرسمية تصبح صاحبة الحق الحصري في استخدام القوة واتخاذ قرار الحرب والسلم، بينما يسمح مفهوم تنظيم السلاح، وفق تفسير القوى الرافضة للحصر، باستمرار تشكيلات مسلحة تحتفظ بدرجة من استقلالها العسكري مع إخضاع نشاطها لقواعد أو تفاهمات معينة.
إذا استمر هذا التباين، فقد يشهد العراق تحولاً مهماً داخل البيئة السياسية الشيعية الحاكمة نفسها، بحيث تقف قوى ترى أن حماية النظام السياسي ومصالح المكون الشيعي تتطلب بناء دولة قوية تحتكر السلاح في مواجهة قوى تعتبر الاحتفاظ بسلاح “المقاومة” ضمانة لا يمكن التخلي عنها.
وعندها لن تكون المواجهة بين “الدولة والفصائل” بالمعنى التقليدي فقط، بل بين رؤيتين لمستقبل الدولة داخل القوى التي شكلت عماد النظام السياسي خلال العقدين الماضيين.
المشكلة ليست في السلاح بل في القرار
منذ 2003، استطاع العراق التعايش مع معادلة استثنائية تجمع بين دولة تمتلك جيشاً وأجهزة أمنية ومؤسسات دستورية، وقوى مسلحة تمتلك في الوقت نفسه درجات متفاوتة من الاستقلال في القرار العسكري والسياسي.
وقد ساعدت الحرب على تنظيم داعش والصراع الأميركي–الإيراني والتوازنات الداخلية على استمرار هذه الازدواجية، بل اتساعها وتضخمها، حتى أصبحت هذه عقدة كبيرة ومقلقة شعبيا وتهدد النظام السياسي، مع تحول العراق إلى ساحة يمكن أن تنطلق منها عمليات تؤثر في أمن دول أخرى وفي حركة الطاقة والتجارة الدولية.
لذلك فإن جوهر الأزمة لا يتعلق بمن يحتفظ بصاروخ أو طائرة مسيّرة، وإنما بمن يمتلك حق تحديد العدو واختيار الهدف واتخاذ قرار استخدام القوة.
فإذا كان هذا القرار موزعاً بين الحكومة وعدة جماعات مسلحة، فإن الدولة لا تواجه مشكلة سلاح خارج السيطرة فحسب، بل مشكلة تعدد مراكز السيادة نفسها، ومن هذه النقطة تحديداً تتفرع السيناريوهات التي يمكن أن تحدد شكل العراق في المرحلة المقبلة.
السيناريو الأول: الدولة تستعيد قرارها
يقوم السيناريو الأول على نجاح الحكومة، بدعم جزء مؤثر من القوى الشيعية وبقية القوى السياسية العراقية، في تحويل مبدأ حصر السلاح إلى عملية فعلية ومتدرجة لا تستهدف إنهاء الفصائل سياسياً أو اجتماعياً بقدر ما تستهدف إنهاء استقلال قرارها العسكري.
ويمكن أن يحدث ذلك من خلال دمج من يقبل منها ضمن المؤسسات الرسمية، وضبط التمويل والسلاح والحركة العسكرية، وعزل القوى الرافضة سياسياً وقانونياً، وصولاً إلى تثبيت قاعدة واحدة: لا استخدام للقوة داخل العراق أو خارجه إلا بقرار الدولة.
نجاح هذا المسار سيغير طبيعة النظام السياسي العراقي أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى، لأنه يمكن أن ينتج طبقة سياسية، وخصوصاً داخل القوى الشيعية، تصبح مصالحها مرتبطة بقوة مؤسسات الدولة أكثر من ارتباطها بقوة الجماعات المسلحة. وعندها يستطيع العراق أن يقدم نفسه إلى محيطه بوصفه دولة يمكن الوثوق بالتزاماتها، وأن يطمئن دول الجوار والمستثمرين إلى أن أراضيه لن تستخدم لضربهم أو استهداف مصالحهم.
وقد يفتح هذا التحول أمام بغداد مجالاً أوسع للدخول في مشاريع التنمية والطاقة والنقل التي يجري تشكيلها في المنطقة، وأن يحول العراق من ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين إلى لاعب يبني علاقاته مع ودول الجوار والمجتمع الدولي وفق مصالحه الخاصة.
ولن يعني ذلك بالضرورة الانتقال من محور إلى آخر، بل الخروج تدريجياً من منطق المحاور باتجاه سياسة خارجية يكون مركز قرارها في بغداد.
السيناريو الثاني: الفصائل تفرض إرادتها
أما السيناريو المقابل فيبدأ إذا تمكنت القوى الرافضة لحصر السلاح من إجبار الحكومة على التراجع، وتحويل العملية إلى تفاهمات فضفاضة “وحصر او تنظيم شكلي للسلاح” تسمح باستمرار مراكز مستقلة لقرار القوة.
وفي هذه الحالة لن تكون النتيجة مجرد احتفاظ بعض الفصائل فعليا بأسلحتها وقرار استخدامها، وإنما إثبات أن الدولة أعلنت قراراً سيادياً ولم تستطع تنفيذه، وهو ما سيضعف مؤسساتها داخلياً ويغير نظرة الخارج إلى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
فالدول التي تدخل في اتفاقيات اقتصادية أو أمنية مع بغداد لن تنظر إلى المسألة باعتبارها خلافاً عراقياً داخلياً إذا كان السلاح الموجود خارج قرار الحكومة قادراً على استهداف أراضيها أو قواتها أو شركاتها ومنشآتها في داخل البلاد. وسيصبح السؤال بالنسبة إليها بسيطاً: هل تستطيع الحكومة العراقية ضمان ألا تستخدم تلك القوة ضدنا؟ وإذا أصبحت الإجابة غير مؤكدة، فإن الاتفاقات الاقتصادية والاستثمارات ومشاريع الربط الإقليمي ستصبح أكثر هشاشة، فيما سيرتفع خطر العقوبات والعزلة المالية والسياسية، ومعها الفقر والبطالة بمعدلاتها العالية أصلا.
وقد تكون التداعيات الداخلية أشد خطورة، لأن المناطق والقوى التي تريد الاندماج في الاقتصاد الإقليمي ولا ترغب في تحمل كلفة الصراع الأميركي–الإيراني قد تبدأ بالبحث عن ضمانات ومسافات أكبر عن قرارات بغداد إذا شعرت أن الدولة لم تعد قادرة على منع جر البلاد إلى المواجهة.
نعم ذلك لا يجعل تفكك العراق نتيجة حتمية، لكنه قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب جيوسياسية داخلية، خصوصاً إذا أصبح الانقسام حول السلاح متداخلاً مع الانقسامات الجغرافية والسياسية والاقتصادية القائمة أصلاً.
أما الاحتمال الأخطر فهو أن يتحول الانقسام السياسي داخل القوى الشيعية حول حصر السلاح إلى انقسام أمني ومن ثم صراع، فتجد القوى المؤيدة لقرار الدولة نفسها في مواجهة قوى ترفض التخلي عن استقلالها العسكري.
وعندها يمكن أن تنتقل الأزمة من صراع حول صلاحيات الدولة إلى خطر اقتتال داخلي لن تبقى تداعياته محصورة داخل البيئة الشيعية وحدها.
أي عراق بعد هذه الأزمة؟
لهذا قد يكون استهداف خط النفط السعودي “شرق غرب” جرس انذار خطير، وعلامة أولى على أزمة أكبر بكثير ربما تهدد وجود النظام السياسي بشكله القائم حالياً، لأنه يكشف أن الامتحان الكبير الذي سيواجه العراق في المرحلة المقبلة لا يتعلق بالسعودية ولا بالفصائل وحدها، بل بطبيعة الدولة التي ستخرج من هذه المواجهة.
إذا نجح المسار الأول، فقد يبدأ العراق انتقالاً تدريجياً من دولة موزعة القرار إلى دولة تحاول احتكار القوة وبناء علاقاتها الخارجية وفق مصالحها، بما يفتح أمامها باب الاندماج في مشاريع التنمية والتجارة والطاقة الإقليمية ويمنحها دوراً أكبر في التوازنات الجديدة للمنطقة، ويخفف من أزمات البلاد الاقتصادية والمالية.
أما إذا انتصر المسار الثاني، فقد يجد العراق نفسه دولة أضعف لا تستطيع ضمان عدم استخدام أراضيها لاستهداف الآخرين، بما يعرضها للعزلة والعقوبات ويعمق الانقسامات الداخلية، وربما يدفع بعض مكوناتها ومناطقها إلى إعادة النظر في شكل علاقتها بالمركز.
وبين السيناريو الأول والثاني، ستظل التسوية ممكنة، كما كانت دائماً في العراق، لكن قدرة النظام السياسي على شراء الوقت تبدو هذه المرة أقل بكثير من السابق، لأن الصراع لم يعد محصوراً داخل الحدود العراقية، ولأن قراراً تتخذه جماعة مسلحة في ميسان أو الأنبار أو بغداد يمكن أن يستهدف دولة مجاورة أو مصالح قوة دولية ويضع بلداً بأكمله أمام حرب لم تخترها حكومته.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي لحصر السلاح لن يكون في عدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة التي تجمعها الدولة، ولا في عدد الفصائل التي تعلن التزامها، وإنما في الوصول إلى لحظة يصبح فيها هناك عنوان واحد فقط يقرر متى يستخدم العراق القوة، وضد من، ولماذا: الدولة العراقية؟. ويصبح كل من يقف بالضد من هذا العنوان، خارجا عن القانون، متمردا على الدولة والنظام!
فإذا تحقق ذلك، لن يكون العراق قد حل مشكلة السلاح فحسب، بل سيكون قد بدأ إعادة تحديد موقعه في المنطقة. أما إذا فشل، فلن تكون المشكلة أن السلاح بقي خارج الدولة، بل أن قرار العراق نفسه بقي خارجها أيضاً.