أماني الحسن
تثير الشكاوى الموثقة لدى الهيئات الحقوقية العراقية، إلى جانب التقرير السنوي للمفوضية العليا لحقوق الإنسان، تساؤلات عديدة بشأن تداعيات الاتكاء الكامل على “أمر الضبط الأعلى” في إدارة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهو ما يتسبب بمظالم ذات تداعيات “جسدة ونفسية” بحق العديد من المنتسبين.
ويُسهم غياب “مدونة سلوك إلزامية ومحددة” في ترك مساحة واسعة للاجتهادات الفردية والعقوبات الكيفية داخل الثكنات العسكرية ومراكز التدريب، وهو ما ينعكس في حالات عدة على سلوك المؤسسة وتطبيقاتها الانضباطية والميدانية.
يروي منتسب برتبة نائب ضابط، من محافظة بغداد، طلب عدم الإفصاح عن اسمه لحمايته من التبعات الانضباطية، واقعة شهدها بنفسه أثناء خدمته العسكرية إذ ينقل عن ضابط برتبة فريق ركن (ع. ف)، شغل مناصب قيادية في قيادة عمليات كركوك عام 2021، أنه أصدر أمراً شفهياً بنقل فوج كامل بكامل معداته وآلياته من قاطع كركوك نحو موقع جديد خارج المحافظة باتجاه قاطع صلاح الدين، وذلك بعد ليلة أسرف فيها بالشراب.
بحسب شهادة المنتسب، فإن القرار تسبب في استنفار الفوج وبدء التحضيرات اللوجستية وتجهيز الآليات تمهيداً للانطلاق، قبل أن يستيقظ القائد في الصباح ويلغي الأمر شفهياً ويعيد الأوضاع إلى حالتها الأولى قبل تحرك الأرتال فعلياً من المقر.
تجسد هذه الحادثة هيمنة الأعراف العسكرية التقليدية التي تقر بأن “من هم أدنى رتبة لا يقيّمون أفعال الأعلى رتبة” ، والاستمرار في تطبيق مقاربة “نفّذ ثم ناقش”، في ظل انعدام أي مساحة للمناقشة أو التظلم المباشر.
ويرى بعض المنتسبين، أن المشكلة داخل المنظومة الأمنية والعسكرية تكمن في اتساع هامش الاجتهاد الفردي على حساب النصوص الانضباطية المحددة، التي يتم تغييبها، إذ يُخضع المنتسبون لقوانين تتناقض تطبيقاتها الميدانية مع اللوائح الرسمية، لاسيما عند تكليفهم بواجبات خارج الاختصاص أو معاقبتهم بالحجز في الثكنة مثلا والحرمان من الإجازات الدورية بناءً على مزاجية الآمر.
تخضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في العراق تشريعياً لـ قانون العقوبات العسكري رقم 19 لسنة 2007 وقانون عقوبات قوى الأمن الداخلي رقم 14 لسنة 2008.
وتنص هذه التشريعات على آليات محددة للضبط والمساءلة، كما تُتيح للمنتسب النظر في مظلمته عبر القنوات الرسمية الممثلة بـ “المديرية العامة للآمرية والانضباط” والمجالس الاستئنافية والمحاكم العسكرية.
إلا أن متخصصين يؤكدون بأن التحدي العملي يكمن في الفرق الجوهري بين “القانون” و”مدونة السلوك”؛ فالقانون يحدد المخالفات والعقوبات العامة، بينما تُفترض في مدونة السلوك أن تكون بروتوكولاً تنفيذياً يومياً يُحدد حدود التعامل، ويجرم تجاوز الحدود الإدارية، ويمنع الآمر من استغلال حالة “الاجتهاد” لإصدار قرارات تعسفية.
وبحسب، صفحات وسائل تواصل اجتماعي، تتبع وزارة الدفاع العراقية، هنالك ما تعرف ببطاقة الجندي، وهي مدونة لـ(سلوك الجندي في السلم والحرب)، أصدرتها الدائرة القانونية بالتنسيق مع حلف الناتو، وتضم مجموعة من التوجيهات والتعليمات المستقاة من أحكام القانون الدولي الإنساني، تخص حماية الأفراد والمنشآت.
لكن هذه المدونة غير معروفة لدى المنضمين للسلك العسكري، ولا تجد تفاصيلها حتى في الموقع الألكتروني لوزارة الدفاع. وتتركز بنودها بحسب الدائرة القانونية للوزارة، على توجيه المقاتلين ميدانياً للتعامل الأخلاقي والقانوني عند الاحتكاك مع المواطنين العزل وضمان عدم ارتكاب أي انتهاكات.
السلوك الميداني ومفهوم المخالفة الانضباطية
يروي محمد (36 سنة)، من بغداد، وهو ضابط برتبة عقيد في وزارة الدفاع، واقعة شهدها بنفسه في أحد معسكرات التدريب بالعاصمة بغداد، في مطلع عام 2026، حيث جرى توقيف 12 منتسباً جديداً ومنعهم من إجازتهم الدورية، لا لتقصير في حراسة موقع حساس أو مخالفة عسكرية صريحة، بل لمجرد أنهم “نسوا سقاية حديقة الثكنة”.
ويعلق العقيد، على الأمر بقوله أن الأدلة التوجيهية وكراسات حقوق الإنسان في المؤسسات فهي “غير مفعلة ميدانياً”، مؤكداً أن غياب التعليمات المكتوبة والمعتمدة:”يترك المنتسبين تحت رحمة الأوامر الكيفية”.
وفي التفسير القانوني لهذه الممارسات، يوضح المحامي علاء جاسب، وهو محام في محاكم الديوانية جنوبي العراق، أن المشكلة تكمن في الاتساع الإداري لمفهوم “مخالفة الأوامر العسكرية”. ويوضح:”إذ لا يتعامل النظام الانضباطي مع صغر حجم الفعالية المطلوب تنفيذها، بل يعد الامتناع أو التقصير فيها مخالفة صريحة للواجب تُساق بسببها المخالفون للمجالس التحقيقية”.
وفيما يتصل بالانتهاكات الجسيمة أثناء التدريب، تشير القرارات القضائية والتحقيقات الرسمية إلى حادثة الكلية العسكرية الرابعة في محافظة ذي قار عام 2025؛ إذ أدى إبقاء الطلاب تحت أشعة الشمس المباشرة في درجات حرارة تجاوزت 48 درجة مئوية خلال الصيف دون توفير المياه، وتدريبهم تحت وطأة الإجهاد البدني المفرط والضرب، إلى وفاة طالبين وإصابة العشرات بالجفاف والتسمم، وهي الحادثة التي أسفرت لاحقاً عن إعفاء ومحاسبة القيادات المعنية بأحكام عسكرية قضائية.
وتعكس البيانات الموثقة لدى المنظمات الحقوقية الكلفة المترتبة على هذه البيئة؛ إذ ينعكس الضغط الإداري والنفسي على حياة المنتسبين، فقد وثقت التقارير تسجيل ست حالات انتحار لمنتسبين في محافظات بغداد ونينوى والبصرة خلال الفترة بين أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025، امتداداً إلى انتحار ضابط برتبة عقيد داخل قاعدة عسكرية في محافظة نينوى خلال شباط 2026.
وفي البعد المتعلق بالمجتمع ومراكز الاحتجاز التابعة للأجهزة الأمنية، تتقاطع التقارير الحقوقية عند ارتباط الممارسات الميدانية للضباط والمنتسبين في الشارع ومراكز الشرطة والسجون بالنمط الانضباطي السائد داخل المؤسسة؛ حيث ينعكس تطبيق “أمر الضبط الأعلى” على آليات التعامل مع المدنيين والموقوفين.
وفي هذا السياق، أعلنت المفوضية العليا لحقوق الإنسان عن تلقيها 793 شكوى تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة خلال عام 2024 وحده، تركزت غالبيتها في مراكز التوقيف التابعة لوزارة الداخلية والمديريات الاستخبارية ضد متهمين بقضايا الإرهاب، وتضمنت الإفادات اتهامات بالضرب المفرط، الصدمات الكهربائية، والخنق أثناء التحقيق.
من جهته، وثق “المرصد العراقي لحقوق الإنسان” تسلم عائلات لجثامين أبنائها الموقوفين وعليها آثار حروق وكدمات، إلى جانب تسجيل نحو 400 حالة وفاة لسجناء وموقوفين خلال عام 2025، أرجعتها التقارير إلى التعذيب، الإهمال الطبي، والاكتظاظ داخل السجون ومراكز الاحتجاز (ومنها سجن التاجي ومراكز مكافحة الإجرام) في ظل تجاوز أعداد الاحتجاز الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الإصلاحية البالغة نحو 67 ألف سجين.
يرافق ذلك استمرار تلقي اللجنة الدولية للصليب الأحمر مئات الطلبات سنوياً لتقفي أثر مفقودين ضمن ملفات الاعتقال والاحتجاز الممتدة منذ عام 2014.
المجالس التحقيقية والغطاء التشريعي للتظلم
ينص التشريع النافذ، ممثلاً بقانون عقوبات قوى الأمن الداخلي رقم 14 لسنة 2008 وقانون العقوبات العسكري رقم 19 لسنة 2007، على منع المنتسبين من التصريح أو النشر الإعلامي بالزي العسكري وتصوير المقرات الأمنية.
وفي هذا السياق، يروي وسام (39 سنة)، وهو منتسب من مدينة الناصرية، واقعة تعرضه لمجلس تحقيقي؛ موضحاً أنه رغم كونه ضابط اختصاص في معالجة المتفجرات وإدارة الآليات الثقيلة، تم تكليفه بواجبات حراسة في نقطة تفتيش دون توجيه بروتوكول، وعندما حدث إخفاق ميداني، عُوقب “بحجز الثكنة” لمدة 10 أيام مع حرمانه من الإجازة والترقية. ويوضح ان آخرين كانوا يعفون من العقوبة ذاتها، عند حصول اخفاق، بناءً على علاقاتهم الشخصية بالآمر.
وفي توضيح للإطار التشريعي والرقابي المحيط بفرص التظلم، يبيّن المحامي علاء جاسب، أن قوانين العقوبات العسكرية وقوى الأمن الداخلي تمنح “آمر الوحدة” صلاحيات واسعة تشبه سلطة قاضي التحقيق من حيث التوقيف وتشكيل المجالس التحقيقية وتولّي رئاستها، تمهيداً للإحالة إلى المحاكم العسكرية أو محاكم قوى الأمن الداخلي.
ويؤكد جاسب، أن القانون النافذ يحتوي على ضمانات تشريعية للمنتسبين، إلا أن الأزمة العملية تتجسد في محورين: أولهما جهل غالبية المنتسبين بالضمانات القانونية المتاحة لهم، وثانيهما هيمنة “السلطة العسكرية والهرمية” على التطبيق الميداني، مما يدفع المنتسبين إلى الامتناع عن تقديم الشكاوى والتظلمات خوفاً من التبعات الانتقامية أو النقل إلى مناطق نائية تحت بند “عدم إطاعة الأوامر”.
موقف لجنة الأمن والدفاع والحلول التشريعية
وفي تعليق رسمي بشان الفراغ التشريعي وعدم إصدار “وثيقة سلوك خاصة ملزمة لجميع الاجهزة العسكرية والأمنية”، يكشف عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، والنائب عن محافظة بابل ياسر وتوت، أن عدم إقرار “مدونة السلوك العسكري” يعود إلى “الاكتفاء بقوانين العقوبات النافذة، إلى جانب وجود رؤية لدى بعض القيادات الميدانية بأن المدونة قد تُقيّد مرونة الأوامر الميدانية”.
ويؤكد وتوت رفض اللجنة التام لـ “أي استغلال للصلاحيات أو تعسف بالقرارات المتعلقة بالإجازات والنقل الكيفي”، مشيراً إلى أن البرلمان يعمل على “تقييد هذا الاجتهاد الشخصي عبر أطر قانونية وأتمتة إلكترونية واضحة تضمن حق المنتسب ودوره في الاستقرار”.
وبشأن حوادث الوفيات والتجاوزات الجسيمة، يشدد وتوت على أن الدور الرقابي للجنة “لن يكتفي بالإعفاء أو النقل الإداري كحلول وقتية، بل يصر على الإحالة المباشرة إلى القضاء العسكري وتحديث القوانين الانضباطية بما ينسجم مع الإدارة الحديثة للمؤسسة الأمنية”.
وفي قراءة لمسار المحاولات التشريعية، يوضح الخبير في القانون الدولي، وليد الكوردي، من محافظة دهوك، أنه رغم المحاولات المتكررة التي بذلتها منظمات المجتمع المدني المحلية بالتعاون مع الشركاء الدوليين لطرح مسودات ونماذج لمدونات سلوك أمنية، إلا أن تحفظات المؤسسة الأمنية والقيادات الميدانية ظلت حائلاً دون إقرارها رسمياً.
ويؤكد الكوردي، أن اللجوء إلى “حلول ترقيعية” مثل إنشاء أجهزة أو أقسام إدارية لحقوق الإنسان لم يُعالج الأزمة البنيوية؛ إذ يبقى غياب مدونة سلوك شاملة وملزمة السبب الرئيسي وراء استمرار الانتهاكات، واتساع هامش الإفلات من المساءلة عند صدور القرارات التعسفية.
وفي المحصلة، يضع استمرار تعطل “مدونة سلوك شاملة” المنظومة الأمنية والعسكرية أمام نموذج إداري يستبدل البناء المؤسسي بالحلول المؤقتة؛ إذ تبقى معالجة الخلل الميداني مرهونة بحدوث تجاوزات جسيمة تتطلب تدخلات قضائية أو قرارات إعفاء إدارية بعد وقوع الضرر.
وبينما تُحفظ الشكاوى والتظلمات الميدانية في أروقة المجالس التحقيقية وتحت هيمنة السُلم الهرمي، يظل غياب النص الإلزامي المحدد لصلاحيات الآمر حائلاً دون الانتقال بالمؤسسة من مفهوم “إطاعة الأوامر المطلقة” إلى بروتوكول ضبط قانوني يضمن محاسبة المقصرين ويحمي حقوق المنتسبين.
* تنويه: حرصاً على الالتزام بالتوازن الصحفي واستحصال الموقف الرسمي التنفيذي، توجهنا بأسئلة ومخاطبات رسمية عبر البريد الإلكتروني والمكاتب الإعلامية لوزارة الداخلية للوقوف على أسباب عدم إقرار “مدونة سلوك إلزامية” وآليات التعامل مع التجاوزات والانتقائية الإدارية، إلا أننا لم نتلقَ أي رد.