
أثارت تصريحات رئيس منظمة بدر هادي العامري غضبا واسعا في الشارع العراقي، بعد اعترافه بتورط فصـائل شيعية مسـلحة في قمع ما أسماه “فتنة تشرين”، في إشارة إلى مشاركة جـماعات مسلحـة في مواجهة احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019، التي أسفرت عن مقتـل مئات المتظاهرين وجرح الآلاف جلهم من شباب المحافظات الشيعية الذين خرجوا للمطالبة بإنهاء الفساد، وتحقيق الاصلاحات، وضمان العدالة واستقلال القرار العراقي.
وخلال تظاهرات تشرين، وبحسب أرقام موثقة، قتل أكثر من 650 متظاهرا وجرح نحو 20 الف، بسلاح كان يوصف حكوميا “بالمجهول”، في محافظات بغداد والبصرة والنجف وكربلاء وبابل وذي قار والديوانية وميسان وواسط.
وطوال سنوات لم تسفر التحقيقات القضائية عن إدانة أي جهة باستهداف المتظاهرين واصدار أوامر القتل. كما تجنب القادة السياسيون تحديد الفاعلين وتسميتهم، وتم الترويج لفكرة قيام “طرف ثالث” بعمليات القتل لخلق فتنة بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية.
وكان العامري قد قال في كلمة نقلتها قناة الغدير المملوكة لمنظمة بدر: إن “المقاومة وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي، وذلك بفضل الدماء الطاهرة لقادة الانتصار”.
وسبق لهادي العامري أن هاجم تظاهرات تشرين، ووصفها بمظاهرات الفتنة، وأشار في تصريحات خلال العام 2020، إلى أن حزب البعث المنحل هو من يقف وراء التظاهرات.
وشارك في تلك التظاهرات التي امتدت لأشهر متتالية ملايين العراقيين، من مختلف الانتماءات والتوجهات والشرائح الاجتماعية. ووصفت بأنها اكبر حراك شعبي عفوي في تأريخ العراق الحديث حمل مبادئ وطنية وقيم انسانية، حيث رفعت شعارات العدالة والحرية ونبذ الطائفية، وبناء دولة المؤسسات واستعادة الوطن.
اعتراف غير مسبوق بالجريمة
ورأى سياسيون وناشطون ومدونون، ان تصريح العامري يُعد اعترافا رسميا بمسؤولية الفصائل عن قتل المتظاهرين خلال تشرين الأول/ اكتوبر 2019 والفترات اللاحقة.
وهذه هي المرة الأولى التي يعترف فيها مسؤول سياسي كبير، صراحةً، أن جماعات مسلحة هي من عارضت تلك الاحتجاجات وأحبطتها بالقوة، نظرا لعدّها “تهديدا للنظام السياسي في البلاد” وفق رؤيتهم.
وطالب سياسيون معارضون وناشطون ومدنون، القضاء العراقي بفتح تحقيق نزيه ومستقل يكشف الحقيقة كاملةً ويحاسب القتلة ومن أعطوا أوامر القتل ومن حموهم، لأن أحداث تشرين “لم تكن جريمة” ولم يكن المتظاهرون “أهدافاً مشروعة”، مشيرين الى ان الجريمـ.ة تكمن في استهدافهم، وان الجريـمة الأكبر هي الإفلات المستمر من العقاب.
الأمين العام لحزب البيت الوطني، حسين الغرابي:
– تصريحات العامري تنم عن “عدم مسؤولية”، لأنها تصف أهم ثورة اجتماعية بعد تأسيس الدولة العراقية بـ”الفتنة”.
– أدعو السلطة القضائية إلى التحرك وفتح تحقيق بشأن تلك “التصريحات الخطرة”.
– تشرين كانت “ثورة اجتماعية إصلاحية” ولم تهدف إلى زعزعة أمن البلاد، وقد وقفت بوجه الفساد والمحاصصة والطائفية، وطالبت ببناء وطن يليق بالجميع.
– تشرين شهدت مقتل مئات الأشخاص وإصابة الآلاف، فضلاً عن وجود أعداد كبيرة من المغيبين، ما يفرض التعامل مع كل ذلك بمسؤولية، وانصاف الضحايا.
الناشط البارز في تظاهرات تشرين أحمد الوشاح:
– تصريح العامري يعد دليلا وإقرارا صريحا بأن العصابات والميليشيات والخارجين على القانون والمطلوبين دوليا وداخليا للشعب العراقي، والذين يطلق عليهم تسمية المقاومة هم من قتلوا شباب تشرين.
– هذا الاعتراف أماط اللثام عن الطرف الثالث الذي رُوج له وتم تحميله طوال سنوات مسؤولية قتـل المتظاهرين، ليتم التأكيد من العامري بأن الطرف الثالث هم الفصائل المسلحة.
– العامري وقادة ما تعرف بالفصائل والمقاومة هاجموا لأكثر من مرة تشرين والمشاركين فيها، ووصفوها بالفتنة والعمالة وغيرها من الأوصاف؛ في سبيل تبرير قتل المحتجين السلميين.
– تصريحات العامري تؤكد أن قادة الفصـائل وصلوا إلى مرحلة الانفعال والشعور بالخوف بأن بداية نهايتهم قد اقتربت.
– تعرضت تشرين إلى الاستهداف والقتـل والتخوين لأنها لم تكن تمتلك المال والسلاح ولا الدعم الخارجي.
نائب رئيس مركز الرافدين للعدالة عادل الخزاعي:
– الحقيقة التي حاولت السلطة طمسها طوال هذه السنوات هي أن دماء شهداء تشرين لم تُسفك على يد طرف ثالث، وإنما في ظل منظومة سياسية وأمنية كانت تعرف من يطلق النار، ومن يمتلك السلاح، ومن يتحرك في ساحات التظاهر.
– ما صدر عن هادي العامري، يمثل تطوراً بالغ الخطورة، لأنه يفتح الباب أمام إعادة النظر في الرواية الرسمية التي قُدمت للرأي العام بشأن جرائم تشرين.
– عندما يتحدث سياسي يمتلك كتلة برلمانية ووزراء بهذا الوضوح عن الجهات المسلحة ودورها، فإن الأمر لم يعد مجرد اتهامات تتداولها وسائل إعلام، بل يصبح مادة ينبغي أن تخضع للتحقيق القضائي المستقل.
– القضاء إذا أراد أن يثبت استقلاله، فعليه أن يبدأ من هذه التصريحات ويفتح تحقيقاً جدياً وشاملاً، بعيداً عن الضغوط السياسية والفصائلية.
قائد فصيل أبو الفضل العباس المنحل أوس الخفاجي:
– إن “الله يظهر الحق ولو بعد حين، دماء تشرين (تشور) وبانت (شارتها) على عدة مراحل وبمستويات عديدة، منها هذه المحطة التي يعترف بها زعيم فصيل عراقي بأنه وفصيله شاركوا في قتل 800 شاب عراقي، وأنا أتمنى أن يستغل هذا الإعلان بتقديم بيان، وإعلان ودعوة للمدعي العام العراقي على مسؤوليته عن هذه الدماء”.
الكاتب والصحافي منتظر ناصر:
– الطغيان بداية السقوط، وأكبر الطغيان هو تفاخر السلطات بقتل الثوار من شعبها.
– يذكرني خطاب “الحاج” بمصطلح “الغوغاء” وتفاخر النظام السابق قبله بالقضاء على المنتفضين.
– لقد فعلوا الكثير لتشويه انتفاضة تشرين من دس وتخريب وحرق واختراق وتشويه، ولكنها ظلت وستظل علامة ناصعة في تاريخ الوطن، وشاهدا حيا على فسادهم وإجرامهم.
الكاتب والصحافي فلاح المشعل:
– ثوار انتفاضة تشرين يمثلون الطليعة الواعية، الشجاعة، المعبرة عن حقيقة الرفض الشعبي الوطني العام لنظام المحاصصة والانحراف عن الدستور والحق والعدالة!
– أهؤلاء يُقتلون باسم “المقاومة”، للحفاظ على نظام اللصوص الأراذل الذين استباحوا البلاد، ونهبوا خيراتها، وأفقروا شعبها؟.. أية “مقاومة” تلك التي تدافع عن أفسد نظام سياسي في التاريخ؟! . وهل يُعقل أن يُقتل الثوار من أجل استعادة وطنهم من عصابات الأحزاب والفاسدين؟!
– تذكّروا الطغاة والقتلة، وتذكّروا ماذا كان مصيرهم! فمهما طال الزمن، لا بد أن يأتي يومٌ تُكشف فيه الوجوه، ويقف كل قاتل أمام حقيقة ما اقترفت يداه.
الناشط والمدون عماد رسن:
– ليس مهماً ما قال العامري، فالكل يعرف ذلك، الأهم هو لماذا قال ذلك؟.. فقد سبقه بعض المحللين والشيوخ بالتحذير من تشرين ثانية، وأن هناك مؤامرة تحاك من الخارج تدعو لإسقاط النظام السياسي.
– هو يعرف جيدا أن شيئا بدأ يتجمع من احتجاجات هامشية منعزلة، تحدث هنا وهناك، كاحتجاجات الخريجين وأصحاب بعض المهن، وأن انتفاضتهم مرة واحدة ليست سوى مسألة وقت بسبب تأخر الرواتب والوضع الاقتصادي المتردي ونسب البطالة العالية وملف الفساد والتعيينات.
– لذلك وضع العامري عنوانا جديدا، وصاغ هوية جديدة، لوظيفة ما يسميه المقاومة، وظيفة غير معنية بمقاومة المحتل، بل مقاومة ما سماه “بالفتنة”، محولاً بذلك المقاومة لمجموعة ميليشياوية تحمي نظاما سياسيا فاسدا.
– الفتنة مصطلح ديني تاريخي يصف الانقسام والصراع الداخلي الذي يهدد وحدة الجماعة. ويستخدم لتقويض شرعية المعارضة السياسية تمهيدا لوأدها، أو تصفيتها، حتى لو كانت تلك المعارضة سياسية أو مجرد احتجاج سلمي.
– هو بذلك وجه تحذيرا بأن السلاح سيكون جاهزا لأي محاولة لتقويض سلطة الإطار، حتى لو كان من جمهور الإطار نفسه ومن قاعدته الشعبية، فالمصلحة السياسية فوق حتى الاعتبارات الطائفية.
المصدر: نيريج+ وكالات






