“الاتفاق الشفهي” تجريد لصحافيي العراق من الأمان الوظيفي والتأمين
لماذا تتهرب المؤسسات الاعلامية من تنظيم "عقود عمل" لكوادرها المهنية والادارية وتكتفي باتفاقات شفوية؟
لماذا تتهرب المؤسسات الاعلامية من تنظيم "عقود عمل" لكوادرها المهنية والادارية وتكتفي باتفاقات شفوية؟

حسن أكرم
أظرف ورقية مغلقة تسلم باليد تحسم الأجور الشهرية للصحافيين والمحررين، في مؤسسات الإعلام، بعيدا عن قسائم الدفع النظامية أو التحويلات البنكية. واتفاقات شفهية غير منظمة في عقود قانونية تحدد كل شهر مسار الاستمرار في العمل او التسريح دون سابق انذار.
خلف سنوات العمل الميداني، وساعات الظهور الاعلامي التلفزيوني والاذاعي اليومي، أو الجلوس المكتبي الطويل، لا يحوز الكثير من الصحافيين العاملين في مؤسسات حزبية، أوراقاً قانونية تثبت انتماءهم للمؤسسة، وهو ما يحول في بعض المرات لحظة تسلم الراتب إلى واقعة تسريح مباغت بطلب شفهي يقضي بتسليم هوية العمل (الباج) ومغادرة المكان فوراً بلا إنذار.
يكشف هذا المشهد السائد باختلاف تفاصيله، عن عرف مؤسسي تفرضه نحو 80% من المؤسسات الإعلامية “غير الحكومية” في العراق للتنصل من عقود العمل والضمان الاجتماعي، وفق تقديرات الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين.
وفي سوق تتهم على الدوام بسيطرة قوى التمويل السياسي والحزبي عليها، يجد العاملون أنفسهم محاصرين بين نصوص تشريعية معطلة تلزم بتوثيق اتفاقات العمل من خلال عقود، وإدارات تتخذ من غياب “المحررات الخطية” سلاحاً لفرض قرارات التسريح اللحظي وتجريد الكوادر من أي حماية قانونية.
في حين يؤكد الكثير من الإعلاميين والصحافيين، أن دور نقابة الصحافيين غائب في تأمين العلاقة بين المشتغل بالاعلام والصحافة والمؤسسات الإعلامية، مع ان المادة 13 من قانون حماية الصحافيين لسنة 2011، تلزم الجهات الإعلامية بإبرام عقود عمل مع الصحافيين العاملين فيها وفق نموذج تعده نقابة الصحفيين في المركز أو إقليم كردستان ويتم إيداع نسخة من العقد لديها.
استناداً إلى مسيرة مهنية تمتد لخمسة عشر سنة في غرف الأخبار والاستوديوهات التلفزيونية، يفكك المذيع ومقدم البرامج عبد الرحمن الغزالي، بنية التشغيل في القنوات الفضائية العراقية، ويؤكد أن “التنصل من توقيع عقود العمل المكتوبة” لا يمثل سلوكاً فردياً أو طارئاً لبعض المؤسسات بل يشكل “عرفاً مؤسسياً متجذراً تفرضه الإدارات على مختلف المسميات الوظيفية” بدءاً من الفنيين والمصورين والمونتيرين والكوادر الإدارية، وصولاً إلى مذيعي الأخبار ومقدمي البرامج الرئيسيين، مع بعض الاستثناءات.
ويوضح:”المؤسسات تتهرب بنحو منظم من أي التزام تعاقدي مكتوب يمنح الصحافي حقوقاً قانونية أو مالية”، ويشير إلى أن بعض المؤسسات تفرض عقودا يصفها بالاحتكارية المجحفة، تتضمن “شروطاً جزائية ثقيلة” يعتقد بانها “تقيد حرية الصحافي في الانتقال المهني”.
ويلفت إلى أن تلك المؤسسات تواجه أي مطالبة بتوثيق علاقة العمل، بذريعة شفهية جاهزة مفادها أن “العاملين مستمرون لسنوات دون عقود ولم يسبق لأحد أن اشتكى”.
“يمتد التهرب الإداري إلى الجانب المالي” يقول الغزالي، ويشير إلى أن إدارات المؤسسات الإعلامية تعمل على “طمس أي أثر مالي يثبت علاقة العمل من خلال حصر تسليم الرواتب والمخصصات الشهرية بالدفع النقدي المباشر في أظرف مغلقة، وتجنب التحويلات المصرفية والأتمتة المالية لحرمان الصحافي من أي مستند بنكي رسمي يثبت استمرارية الأجر وقيمته”.
ويترافق هذا الإجراء مع نمط متكرر لما يصفه بـ التسريح اللحظي”، ويوضح:”تفاجئ القنوات كوادرها بإبلاغهم شفهياً بإنهاء خدماتهم في لحظة تسلم الراتب الشهري ذاتها، ومطالبتهم بتسليم بطاقاتهم التعريفية ومغادرة المقر فوراً دون أي إخطار مسبق، فضلاً عن إقدام مؤسسات على إغلاق مقارها ومكاتبها بالكامل دون تصفية المستحقات المالية المتراكمة بذمتها للعاملين”.
تتقاطع هذه الممارسات مع نصوص المواد (43 إلى 48) من قانون العمل رقم 37 لسنة 2015، إذ تلزم المادة 44 بتوجيه إخطار تحريري قبل ثلاثين يوماً من إنهاء الخدمات، وتكيف المادة 48 أي تسريح دون مسوغ بأنه فصل تعسفي يوجب التعويض الشامل، مع إلزام المؤسسة قضائياً بإثبات مشروعية الإلغاء، وهو ما تلتف عليه القنوات عبر غياب المحررات الخطية.
يُرجع الغزالي، امتناع غالبية الصحافيين عن مقاضاة إدارات القنوات عند فصلهم تعسفياً إلى عاملين رئيسيين، الأول هو “خشية الحرمان من فرص العمل في شبكة القنوات المملوكة للأطراف المتنفذة ذاتها”.
والثاني هو:”الجهل القانوني الواسع بما يوفره قانون العمل العراقي من مسارات تقاضٍ سريعة تنحاز للعامل بصفته الطرف الأضعف، وتنقل عبء الإثبات إلى رب العمل”، الى جانب قناعة شبه مترسخة بعدم جدوى التقاضي.
وتتجه غالبية المؤسسات الإعلامية إلى فرض “الاتفاق الشفهي” كوسيلة للتهرب من الالتزامين القانوني والمادي، مستغلة ظروف العاملين المضطرين للعمل تحت أي ظرف، وجهلهم بمسارات التقاضي، في التفاف صريح على المادة (33) من قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 التي تلزم صاحب العمل بتنظيم عقد مكتوب من ثلاث نسخ تودع إحداها رسمياً لدى دائرة العمل المختصة.
ووفقا لمحام مختص، فأنه وعلى الرغم من هذا التحايل، فأن القانون العراقي لا يُسقط حقوق الصحافي؛ إذ تتيح المادة (39/رابعاً) والمبادئ القضائية المستقرة إثبات العقد الشفهي بكافة الطرق القانونية، وفي مقدمتها إقرار طرفي العقد، أو شهادة الشهود (البينة الشخصية)، والقرائن المادية والرقمية، مع نقل عبء إثبات العكس بالكامل على عاتق المؤسسة.
ومن واقع تجربته الميدانية، يوثق الغزالي، واقعة إبعاده “التعسفي” على حد توصيفه، من المؤسسة التي عمل فيها (طلب عدم ذكر أسمها)، فضلاً عن عدد من زملائه، إذ قرر اللجوء إلى محكمة العمل منفرداً، وعلى الرغم من عدم امتلاكه عقداً مكتوباً، استندت المحكمة إلى قرائن ظهوره التلفزيوني على الشاشة وحيازته البطاقة التعريفية الصادرة عن القناة كأدلة مادية قطعية تثبت علاقة العمل والتبعية الإدارية.
ودفعت هذه القرائن، حسب قوله، المحكمة للسير في إجراءات حسم الدعوى خلال شهرين، مما أجبر إدارة المؤسسة على طلب التسوية الشاملة لحقوقه ومستحقاته قبل النطق بالحكم النهائي، في حين خسر بقية زملائه حقوقهم نتيجة التردد وفوات المدد القانونية المحددة للطعن.
في المقابل، تكشف تجربة الكاتب والصحافي حسن حامد سرداح، عن الوجه المعقد لمسارات التقاضي “عندما توظف المؤسسات نفوذها لعرقلة العدالة واستنزاف الصحافي” حسب تعبيره.
امتدت خدمة حامد، في إحدى الوكالات الإخبارية البارزة في بغداد (طلب هو الآخر عدم الإشارة إلى اسمها) لنحو أربع سنوات بين عامي 2012 وأواخر 2016، متسلحاً بعقد عمل مكتوب يحدد التزامات الطرفين براتب شهري يقول بانه كان جيداً، إلى جانب حيازته الهوية التعريفية.
وعند إقدام الإدارة على “إنهاء خدماته فجأة بذريعة الغياب والانقطاع عن العمل في القسم الأخير من سنة 2016، لجأ إلى محكمة العمل مدعوماً بوثائق الإجازات الرسمية وسجلات البصمة البيومترية الإلكترونية التي ألزمت المحكمة الوكالة بتقديمها، والتي أثبتت التزامه اليومي الكامل “وفندت ادعاءات الإدارة شكلاً وموضوعاً”حسبما يقول.
وعلى الرغم من وضوح موقفه القانوني، يؤكد بان الدعوى “دخلت مسار مماطلة إجرائية وضغوط استمرت لأكثر من عام كامل نتيجة تسخير الوكالة لثقلها وعلاقاتها لتأجيل الجلسات”.
ويتابع، بأن الضغط تصاعد بتحريك شكوى جزائية كيدية ضده بتهمة خيانة الأمانة، وهي الدعوى التي أغلقت لاحقاً بعد استخدامها كورقة ابتزاز لإجباره على التنازل، وفقاً لما يذكر. ومع تراكم نفقات التقاضي، وتلقيه رسائل تحذيرية غير مباشرة، اضطر حامد، للرضوخ لتسوية مالية لم تتجاوز خمسة ملايين دينار عراقي.
يقول إن نصفها ذهب أجورا للمحامي، في حين كان استحقاقه القانوني الفعلي بموجب قانون العمل يفوق ذلك بأضعاف، مع اقتصار التسوية على البعد المالي دون شموله بالضمان الاجتماعي.
لم تتوقف معاناة حامد، عند ضغوط التقاضي، بل امتدت إلى “خذلان المظلة الحقوقية” إذ اعتذرت مراصد وجهات معنية بالدفاع عن الصحافيين (لم يحددها بالإسم) عن التدخل ومساندته، “مراعاةً لشبكة مصالحها وعلاقاتها مع إدارة المؤسسة”. ويستدرك:” في حين انفردت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة بتبني قضيتي وتقديم الإسناد القانوني لي”.
بعد أقل من ثلاثة أشهر من إنهاء خدماته، أقدمت الوكالة على إغلاق مقرها وتسريح كوادرها الصحافية والإدارية “بنحو جماعي ودون أي إنذار مسبق أو مكافآت لنهاية الخدمة، وسط استسلام بقية العاملين وعزوفهم عن اللجوء إلى القضاء خشية الملاحقة والتضييق المهني” يقول ذلك، وهو يعرب عن أسفه لعدم تحرك الجهات المعنية بحقوق الصحفيين.

ترسم الإعلامية والكاتبة جمانة ممتاز، ملامح البيئة التي تصفها بغير المنظمة داخل غرف الأخبار والاستوديوهات الفضائية، مؤكدة أن “الاتفاقيات الشفهية وغياب العقود المكتوبة” يلازمان العمل الصحفي منذ التوسع الكبير عقب العام 2003 “كانا واقعاً متجذراً حين بدأت مسيرتي المهنية في العام 2014”.
وتوضح، أن الخوف المستمر من الطرد اللحظي يتحول عملياً إلى ما تسميه بـ “أداة لتدجين الصحافي” وسلبه استقلاليته المهنية. وتضيف:”يدرك العاملون أن أي اعتراض على الإدارة أو السياق التحريري سينتهي بالفصل الفوري دون تبعات قانونية على المؤسسة، في ظل غياب تام لأي غطاء حماية نقابية يسندهم، ولاسيما أن معظم العاملين في الحقل الإعلامي غير مدرجين في جداول نقابة الصحافيين العراقيين” حسب قولها.
وترى جمانة، أن استغلال “الكوادر الجديدة” بشكل خاص، يتغذى على فجوة في الوعي القانوني بأبجديات التعاقد، إذ تدفع الرغبة في العمل إلى القبول بأي شروط دون إدراك للمخاطر. وتشير إلى أن محاولات المطالبة ببيئة عمل آمنة تصطدم بأبواب مغلقة وتنتهي بالتهميش أو التسريح المباشر.
يتزامن هذا الضعف الهيكلي مع رصد منظمة اليونسكو لفقدان نحو 2,600 صحافي وصحافية وظائفهم في العراق بين عامي 2020 و2022، وسط توجه إدارات القنوات نحو استبدال الكوادر التقليدية بصناع محتوى رقمي منخفضي التكلفة بشروط عمل شفهية مجردة من الحقوق.
تبدو انتهاكات الحقوق، أكثر شمولاً حين يتعلق الأمر بالصحافيات، رئيس الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين، إبراهيم السراج، يؤكد تعرض الصحافيات والعاملات في المؤسسات الإعلامية لضغوط وظيفية مركبة “تنتهك المعايير القانونية”، حسب تعبيره. فإلى جانب التضييق الإداري والمنع من الظهور التلفزيوني خلال فترات الحمل والأمومة “دون مراعاة لأي استحقاقات وظيفية”، تعمد بعض القنوات إلى استغلال الصحافيات في جلب الإعلانات والرعايات التجارية للمؤسسة، وهي مهام يرى بأنها تخرج تماماً عن نطاق العمل الصحافي والتحريري.
ويؤكد بان تجارب من هذا النوع، حرمت فيها صحافيات من الرواتب الشهرية الثابتة، ورُهن دخلهن بنسب عمولة تتراوح بين عشرة إلى عشرين بالمئة من قيمة العقود الإعلانية المستحصلة، “مما يضاعف من هشاشة وضعهن الاقتصادي والمهني داخل المؤسسات ويجردهن من الأمان المعيشي”.
توثق استبيانات سابقة لمنتدى الإعلاميات العراقيات هشاشة بيئة العمل، إذ أفادت فيها 79% من الصحافيات بتعرضهن للتحرش (51% بالقطاع العام و49% بالخاص)، فيما بررت 24% استمرارهن بالعمل بالحاجة المالية.
وإدارياً، تقتصر المناصب القيادية للنساء على 1% فقط، مع تكدس 90% منهن في وظائف تنفيذية، وتوثيق 67% منهن لتمييز في الأجور والترقي مقارنة بزملائهن الرجال.
ويكشف إبراهيم السراج، أن نحو 80% من المؤسسات الإعلامية في العراق، وفق معلوماتهم، تمتنع عن إبرام عقود عمل رسمية، “مما يكرس ظاهرة التسريح التعسفي وفقاً لأمزجة الإدارات أو تحت ذرائع تقليص النفقات التي تفاقمت منذ جائحة كورونا، وما رافقها من خفض للأجور إلى النصف، حتى للذين يعملون عن بعد”.
يحدث ذلك في وقت يتدفق آلاف من الخريجين الجدد سنويا من كليات الإعلام، لترتفع أعداد الصحافيين العاطلين عن العمل أو المشتغلين خارج اختصاصاتهم إلى قرابة 15 ألف إعلامي، وفق رصد الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين، بعد أن كانت تقدر بنحو ثمانية آلاف بين عامي 2022 و2023.
وهو ما منح الإدارات سطوة فرض شروطها وإجبار البعض على العمل في مؤسستين بمهام تصل إلى اثنتي عشرة ساعة يومياً لتعويض تدني المداخيل، وفقاً للسراج، الذي يشير إلى أن المؤسسات الحزبية والممولة سياسياً وتجارياً تشكل 90% من الفضاء الإعلامي مقابل 10% فقط للمؤسسات المستقلة.
وتصدر قرارات الإبعاد بتوجيهات مباشرة من الجهات الممولة التي تعمل وفق أجندة سياسية، وتلزم الادارات بتنفيذها فوراً، ما يضع الصحافي في “مواجهة بطالة مباغتة تدفع الجمعية لمحاولة تأمين وظائف بديلة ومؤقتة ببدلات متواضعة لتغطية الالتزامات الأساسية للمفصولين”.
وعلى الصعيد الإجرائي، يبين السراج، أن ادارات القنوات تتعمد عدم إصدار أوامر تعيين إدارية أو بطاقات تعريفية “لقطع الطريق أمام الشمول بقانون التقاعد والضمان الاجتماعي وتفادي سداد الاشتراكات”، مما يضطر الصحافي عند رغبته في تثبيت خدمته رسمياً إلى دفع نحو مئتي ألف دينار سنوياً من ماله الخاص عن فترات عمله، وسط إجراءات تدقيقية تستغرق عاماً كاملاً.
يتقاطع هذا الواقع مع أحكام قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم 18 لسنة 2023، الذي فرض الشمول الإلزامي لجميع العاملين بعقود دائمة أو مؤقتة ورتب غرامات مشددة على التهرب التأميني.
وتظهر المقارنة بين مسوح الجهاز المركزي للإحصاء وسجلات دائرة التقاعد والضمان الاجتماعي، وجود فجوة كبيرة بين عدد العاملين، وهي تؤكد لجوء غالبية القنوات إلى تسجيل كادر إداري مصغر للتغطية الشكلية وحرمان الكوادر الصحافية والميدانية من مظلة الأمان الاجتماعي والتعويض عن إصابات العمل المحددة في المادة 124 من قانون العمل.
على الرغم من تأكيد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أن قانون التقاعد والضمان الاجتماعي رقم 18 لسنة 2023 يضمن حداً أدنى للتقاعد يبلغ 500 ألف دينار، ويحظر تسريح العامل المضمون دون موافقة الوزير، مع دعم حكومي بنسبة 15% للتوقيفات.
وتصنف تقديرات وزارة العمل، القطاع الإعلامي في صدارة القطاعات المتهربة تأمينياً، ضمن 6 ملايين عامل في القطاع الخاص خارج مظلة الضمان.

في إطار مساءلة الجهات التنظيمية، يوضح المتحدث باسم هيئة الإعلام والاتصالات، حيدر نجم العلاق، الموقف الرسمي للهيئة وإجراءاتها المنظمة، مؤكداً أنها تشترط في عقود التراخيص والرخص الإعلامية الممنوحة لمختلف القنوات الفضائية والوكالات والمكاتب أن تكون المؤسسة مسجلة رسمياً لدى دائرة التقاعد والضمان الاجتماعي.
مع إلزامها بتقديم كتاب تأييد رسمي صادر عن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، يثبت خضوعها للضمان كإجراء يستهدف الحفاظ على حقوق العاملين.
وبشأن خلو لوائح البث من بنود تفرض الأمان الوظيفي للكوادر، يبين العلاق، أن اختصاص الهيئة ينحصر في تنظيم عمل المؤسسة بوصفها كياناً معنوياً، في حين تقع شؤون الأفراد وحمايتهم العمالية والنقابية ضمن النطاق الحصري لاختصاص نقابة الصحافيين العراقيين ووزارة العمل.
ويلفت إلى توجه قائم لدى الهيئة لتنظيم بيئة تشغيل الأفراد عبر إلزام المؤسسات بمراعاة معايير التخصص والخبرة عند التوظيف.
ويقر بوجود سوابق تدخلت فيها الهيئة لمعالجة حالات تظلم وإجراءات تعسفية طالت عاملين “غير أن هذا التدخل تم بمسار ودي بالاستناد إلى شبكة العلاقات مع إدارات القنوات”.
ويؤكد أن الهيئة لا تملك فرض عقوبات أو جزاءات تنظيمية ضد المؤسسات التي تمارس التسريح التعسفي تجنباً للتدخل في الشؤون الإدارية والمحتوى الداخلي، واستناداً إلى حدود الصلاحيات الممنوحة للهيئة بموجب أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 65 لسنة 2004 المنظم لعملها .
يحمل المذيع عبد الرحمن الغزالي، نقابة الصحافيين العراقيين والنقابات المستقلة الأخرى، إلى جانب هيئة الإعلام والاتصالات، المسؤولية المباشرة عن هذا التراجع الحقوقي.
ويوضح أن النقابات “تكتفي باستحصال الرسوم والاشتراكات السنوية دون ممارسة دور رقابي يلزم المؤسسات بتسجيل عقود منتسبيها وإخطار الجهات التنظيمية بالمخالفات”. ويطالب بربط منح وتجديد رخص البث بتقديم عقود عمل مصدقة وإثبات الشمول الفعلي بالضمان الاجتماعي.
وفي إطار إتاحة حق الرد واستيضاح الموقف الرسمي، تم التواصل مع القسم القانوني في نقابة الصحافيين العراقيين وأحد أعضاء مجلس النقابة، لطلب تعليق رسمي بشأن آليات حماية الصحافيين من عقود الإذعان والتهرب من الضمان الاجتماعي، إلا أنه لم يتلقَّ أي رد.
يتكامل هذا القصور مع ثغرات في التشريعات التخصصية، فعلى الرغم من إلزام المادة (13) من قانون حقوق الصحفيين رقم 21 لسنة 2011 للمؤسسات بإبرام عقود عمل وفق نموذج تعده نقابة الصحافيين وإيداع نسخة منه لديها، وحظر المادة (14) للفصل التعسفي، فإن غياب آليات الإنفاذ والرقابة النقابية حول هذه النصوص إلى بنود شكلية معطلة لا توفر حماية للصحافي عند النزاع القضائي.
ويتفاقم هذا العجز التنظيمي، بحسب متخصصين، مع استمرار العمل بقانون نقابة الصحفيين العراقيين رقم 178 لسنة 1969 وتعديلاته، إذ تقيد المواد 6 و7 و8 اكتساب صفة صحافي والانتقال من جدول المتمرنين إلى جدول العاملين، بقضاء سنتين متواصلتين في الصحافة التقليدية المقروءة أو المرئية أو المسموعة حصراً، الأمر الذي يقصي العاملين في المنصات الرقمية وصناع المحتوى المستقلين ويحرمهم من الحماية النقابية والتمثيل القانوني.
ومع أن المواد من 126 إلى 138 من قانون العمل تمنح مفتشي وزارة العمل سلطة دخول المنشآت وضبط المخالفات وإحالة أصحاب العمل المتهربين إلى محكمة العمل لفرض عقوبات تصل إلى إغلاق المشروع.
فإن الإفادات الميدانية وغياب المحاضر التفتيشية يظهران تعطل الجولات الرقابية على مقرات القنوات الفضائية نتيجة “نفوذ مالكيها وحصانتهم السياسية” وفقاً لتأكيدات صحافيين، مما يجعل غرف اعداد وتقديم الأخبار مناطق خارج نطاق التفتيش الفعلي وملاذاً لاستمرار فخ الشفهية على حساب حقوق الصحافيين وكرامتهم المهنية.
للحصول على اجابات بشأن طبيعة الجولات الرقابية، تواصلنا مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، مستفسرين عن حصيلة جولاتها على المؤسسات الإعلامية، لكننا لم نتلق أي رد.
ما بين غرف أخبار تعمل كمناطق خارج الرقابة والتفتيش، وقوانين عمل يؤكد صحافيون وإعلاميون إنها باتت حبراً على ورق أمام الحصانات السياسية، تستمر الشاشات في البث وتصدير قضايا الرأي العام. غير أن وراء تلك الكاميرات والأضواء، تظل كرامة الصحافي وحمايته القانونية مؤجلة ورهينة ظرف نقدي عابر، واتفاق شفهي قد يُنهي مسيرة مهنية كاملة في لحظة واحدة.
*أنجزت المادة تحت اشراف الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”


