تقارير سردية: النساء أكثر عرضة للعنف الرقمي .. والجناة يراهنون على خشيتهن من الوصمة الاجتماعية

النساء أكثر عرضة للعنف الرقمي .. والجناة يراهنون على خشيتهن من الوصمة الاجتماعية

لم يعد "العنف الرقمي" بأشكاله المختلفة من تنمر وتشهير وابتزاز الكتروني، مجرد سلوك فردي يمارسه بعض مستخدمي الإنترنت، بل تحول إلى ظاهرة تتسع لتشمل عشرات الآلاف من مستخدمي المنصات الرقمية بهدف التواصل الاجتماعي أو العمل والتعليم والتجارة، في ظل ضعف الثقافة الرقمية، وسهولة إخفاء الهوية عبر الحسابات الوهمية، ومحدودية الردع المجتمعي والقانوني.

رفل حيدر

لم تكن سهيلة عبد الحسين، الناشطة المدنية من بغداد، تتوقع أن يقودها دفاعها عن حقوق النساء إلى مواجهة نوع آخر من العنف؛ عنف لا يترك كدمات على الجسد، لكنه يترك آثاراً عميقة في النفس، تظل بعضها حاضرة لسنوات.

تقول بأنها كرست نحو عشرين سنة من حياتها للعمل المجتمعي، والدفاع عن المرأة والطفل، إلا أن نشاطها العلني جعلها هدفاً لحملات “تنمر وتشويه وتهديد” عبر منصات التواصل الاجتماعي، لمجرد “أنني رفعت صوتي مطالبة بالمساواة والعدالة” تُردد بنبرة حزن.

وتشير إلى أنها انضمت في 2004 إلى رابطة المرأة العراقية:”كنت أؤمن بأن المرأة تستحق حياة كريمة وقوانيناً تحميها، لذلك شاركت في التظاهرات والوقفات الاحتجاجية والندوات واللقاءات الإعلامية للمطالبة بحقوقها”.

غير أن ظهورها في التظاهرات والاحتجاجات ووسائل الإعلام، عرضها حسب ما تقول، إلى حملات تنمر وإساءات في مواقع التواصل الاجتماعي.

وتتابع:”خلال مشاركتي في تظاهرات تشرين 2019 كان البعض يهاجمني بسبب وجودي مع الشباب في ساحة التحرير، وبعد حديثي في إحدى القنوات الفضائية عن حقوق المرأة وقانون الأحوال الشخصية، وصلتني تهديدات مباشرة، وكتب البعض عبارات تحرض على قتلي، مثل: أين الكاتم؟”.

المقصود من العبارة الأخيرة “أين الكاتم؟” هو كاتم الصوت، الذي يقول العديد ممن شاركوا في التظاهرات التي اشارت اليها سهيلة، أن مجهولين كانوا يستخدمون مسدسات مزودة بها، في اغتيال زملاء لهم كانوا يطالبون فقط بإصلاحات سياسية وتوفير الخدمات لا غير.

سهيلة، تؤكد بأنها لم تتراجع عن نشاطها:”لم ترهبني حملات العنف أو توقفني، وما زلت أؤمن بأن المرأة العراقية تستحق الحماية، وأن من واجبي الاستمرار بالمطالبة بحقوقها مهما كانت الضغوط”.

كثيرات عشن تجربة سهيلة ذاتها، لكن ليس جميعهن استطعن المضي في أعمالهن ومتابعة شغفهن، إذ اضطررن بسبب القيود الاجتماعية والخشية من اللجوء إلى القضاء إلى التوقف عن انشطتهن، واختيار العزلة والصمت!.

ويؤكد متخصصون، أن العنف الرقمي، بما يحمله من تجاوزات وتضليل وتشهير وقصص مفبركة، لا تتوقف آثاره عند حدود منصات التواصل الاجتماعي، بل تمتد إلى حياة الضحية، وأحيانا تترتب عليها تداعيات نفسية واجتماعية.

ظاهرة العنف الرقمي

المختص في التقنيات والعنف الرقمي علي كريم، يؤكد بأن العنف الرقمي لم يعد مجرد سلوك فردي يمارسه بعض مستخدمي الإنترنت، بل “تحول إلى ظاهرة تتسع مع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية في العمل والتعليم والتجارة والتواصل الاجتماعي”.

ويوضح، أن هذا النوع من العنف يشمل أشكالاً متعددة، منها “التنمر الإلكتروني، وخطاب الكراهية، والتشهير، وانتحال الشخصية، والابتزاز الإلكتروني، ونشر الصور أو المعلومات الشخصية دون موافقة أصحابها، فضلاً عن حملات الإساءة المنظمة التي تستهدف أفراداً أو فئات بعينها”.

ويقول بأن النساء، هن من أكثر الفئات تعرضاً للعنف الرقمي، خاصة “الصحافيات والناشطات وصاحبات المشاريع والطالبات بمراحل الدراسة المتقدمة”، ويشير إلى أن مشاركة عادية لواحدة منهن على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، قد تعرضها إلى حملة من التعليقات المسيئة أو التهديدات أو محاولات الابتزاز.

“الأمر الذي ينعكس سلباً على حالتهن النفسية والاجتماعية، وقد يدفع بعضهن إلى إغلاق حساباتهن أو التراجع عن ممارسة نشاطهن المهني أو المجتمعي” يقول علي، معبرا عن أسفه وقلقه من ان المجتمع يبدو عاجزا عن ايجاد مصدات أمام كل ما يحصل من انتهاكات.

ويلفت إلى أن التطور التقني منح المستخدمين فرصاً كبيرة للتواصل والعمل، لكنه في الوقت نفسه وفر أدوات جديدة يمكن استغلالها للإساءة إلى الآخرين، مبيناً أن خطورة العنف الرقمي تكمن في “سرعة انتشار المحتوى المسيء وصعوبة الحد من آثاره بعد تداوله، فضلاً عن إمكانية استخدامه للضغط على الضحية أو تشويه سمعتها داخل المجتمع”.

ويشدد على أهمية تعزيز الوعي بالأمن الرقمي، وتعليم المستخدمين، ولا سيما النساء والفتيات، آليات حماية حساباتهم وبياناتهن الشخصية، وعدم الاستجابة لمحاولات الابتزاز، والإبلاغ عن الحسابات المسيئة، إلى جانب ضرورة تفعيل القوانين الخاصة بالجرائم الإلكترونية وتطوير آليات إنفاذها، بما يضمن حماية الضحايا ومحاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات.

تظهر إحصائية من المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق لعام 2026، أن 50% من اللواتي يتعرضن لأشكال مختلفة من العنف، يواجهن ايضاً عنفاً رقمياً. وتبين الإحصائية ان العنف الرقمي يبرز في منصة فيسبوك بنسبة 18.3%، وتالياً إنستغرام بنسبة 17%، ثم ماسنجر 8.5%، وواتساب 7%، فيما بلغت النسبة في تيليغرام ومنصة إكس 5.6%.

وتعلّق الباحثة الاجتماعية شهلا صبار، على الإحصائية بقولها:”هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الإساءة التي تتعرض لها النساء في الفضاء الرقمي، بل تكشف عن ظاهرة آخذة في الاتساع بصمت، فيما تبقى آثارها الحقيقية غير مرئية في الإحصاءات الرسمية”.

وتتابع:”كثير من الضحايا تفضلن عدم الإبلاغ خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو الابتزاز”. وتؤكد بان ذلك يستدعي:”تعزيز التوعية، وتوفير بيئة آمنة تشجع النساء على الإبلاغ، إلى جانب تشديد الإجراءات القانونية لمواجهة العنف الرقمي”.

استهدفوا مشروعي !

أحلام (اسم مستعار) شابة من العاصمة بغداد، قررت قبل سنوات، أن تخوض تجربة بيع مستحضرات التجميل عبر حساب في فيسبوك، معتمدة على رأس مال بسيط، واستطاعت خلال سنتين فقط، أن تؤسس قاعدة من الزبائن الذين تقول بأنها كسبت ثقتهم بفضل التزامها وجودة منتجاتهما، وأصبح مشروعها المزدهر مصدر الدخل الوحيد لإعالة أسرتها.

غير ان مطلع العام 2025 شكل منعطفاً بالنسب اليها، إذ تلقت الكثير من التعليقات المسيئة اليها وفقاً لتوصيفها، بعد أن استعرضت منتجاتها في بث مباشر دون ان يظهر شكلها. تقول:”مصدر تلك التعليقات أقرباء لي من كربلاء، رفضوا فكرة أن يسمع الناس صوتي!” .

وتوضح:”كانت حملة منظمة من التعليقات الساخرة، والرسائل المهينة، ومنشورات تشكك بسمعتي، بأسماء صريحة او بحسابات وهمية”.

تواصلت التعليقات المسيئة لنحو ثلاثة أشهر، واضطرت في نهاية الأمر إلى اغلاق صفحتها، والاستعاضة عنها بمجموعة على الواتساب تبيع فيها منتجاتها.

تقول إن “أصعب ما واجهته لم يكن خسارة المبيعات، بل تحول يومي من إدارة مشروعي إلى حذف التعليقات المسيئة والرد على الاتهامات، ومع استمرار الحملة، بدأت طلبات الشراء تتراجع، وفقد بعض الزبائن ثقتهم بالصفحة، قبل أن اتخذ قراري بإغلاقها نهائياً”.

وتتابع حديثها:”مازلت أواصل عملي، لكن المبيعات ضئلة جدا في واتساب، وبذلك خسرت مشروعاً بنيته خلال سنوات، والخسارة ليست مالية فقط، بل نفسية أيضاً، لأن الإنسان قد يتحمل خسارة المال، لكنه يصعب عليه أن يرى حلمه ينهار بسبب كلمات جارحة وحملات تشويه بمقاصد مختلفة”.

عنف رقمي بأثر اقتصادي

الباحثة في شؤون المرأة وحقوق الإنسان، إنعام خليل، تقول بأن ما تعرضت له أحلام:”يسلط الضوء على أحد أشكال العنف الرقمي الذي قد يمتد أثره إلى الجانب الاقتصادي”.

وترى إن التعليقات أو المنشورات التي استهدفت أحلام، اذا ما تضمنت إساءات أو تشهيراً أو حملات منظمة بهدف الإضرار بسمعتها ونشاطها التجاري، فإن ذلك يعد شكلاً من أشكال العنف الرقمي الذي قد ينعكس بشكل مباشر على مصدر دخلها.

أما إذا كانت التعليقات صادرة عن زبائن نقلوا تجاربهم الحقيقية مع المنتج وبأسلوب خالٍ من الإساءة أو التشهير، فإن ذلك يندرج ضمن حق المستهلك في إبداء الرأي، ولا يمكن اعتباره عنفاً رقمياً.

لذلك، تميز الباحثة بين “النقد المشروع وبين حملات الإساءة المنظمة”، وتستدرك:”هذا التمييز ضروري لحماية النساء من جهة، وضمان حق المستهلك في التعبير عن تجربته من جهة أخرى”.

مراقبون لوسائل التواصل الاجتماعي، يقولون ان بعض حملات الاساءة والتشهير تصدر من اشخاص يعرفون الضحية وربما قريبون منها، أصدقاء او أقارب او منافسون ضمن ذات مساحة العمل. وان تلك الحملات قد تنطلق من بضعة حسابات وهمية، لمجرد الغيرة والحسد او بدافع المنافسة التجارية.

ويشيرون الى ان تلك التعليقات تفتح الباب أمام سيل من التعليقات المسيئة من حسابات أخرى، لا تعرف الشخص المستهدف ولا تملك معلومات عنه، وهي تعلق بلا دوافع محددة، وربما لمجرد المضي مع الجمهور بلا وعي، كما يحصل في حالات التحرش الجماعي في بعض التجمعات، حيث تظهر العقد النفسية للمعلقين والمتحرشين.

من التنمر إلى الإقصاء الاجتماعي

ترى الباحثة الاجتماعية رقية سلمان، أن العنف الرقمي: “أصبح ظاهرة مؤثرة وليس مجرد حوادث فردية، وذلك بسبب الارتفاع المستمر في أعداد مستخدمي المنصات الرقمية وتزايد حالات التنمر والتشهير والابتزاز الإلكتروني”.

وتُرجع هذه الظاهرة إلى عوامل عدة، منها:”ضعف الثقافة الرقمية، وسهولة إخفاء الهوية عبر الحسابات الوهمية، وعدم إدراك البعض لخطورة الجرائم الإلكترونية، فضلاً عن محدودية الردع في بعض الحالات.

وهي تعتقد بأن النساء يتعرضن للعنف الرقمي بنحو أكبر بسبب: “النظرة المجتمعية التي تفرض عليهن معايير أكثر صرامة من الرجال، ما يجعل أي صورة أو رأي أو نشاط على الإنترنت عرضة للاستغلال في حملات التشهير أو الابتزاز أو التنمر”.

وما يشجع البعض على الاستمرار فيما تصفه الباحثة رقية، انتهاكات ضد النساء في وسائل التواصل الاجتماعي هو “مراهنتهم على خوف الضحية من الوصمة الاجتماعية أو من لومها، وهو ما يدفع الكثير من النساء إلى الصمت وعدم الإبلاغ”.

وتدعو الباحثة إلى “المواجهة” بعدم الانصياع للمبتز أو التفاعل مع المسيء، مع توثيق جميع الأدلة من رسائل وصور ولقطات شاشة، وكذلك استخدام خاصية الحظر والإبلاغ التي توفرها المنصات الرقمية، والتوجه إلى الجهات الأمنية والقضائية المختصة عند التعرض للتهديد أو الابتزاز.

وتؤكد بأن “الدعم النفسي والاجتماعي للضحية، ونشر الوعي بالسلامة الرقمية والحقوق القانونية، يعدان من أهم الوسائل للحد من العنف الرقمي وتشجيع الضحايا على الإبلاغ وعدم الاستسلام للمسيئين”.

الصدمة النفسية.. جراح غير منظورة

المختص بعلم النفس كاظم الحمداني، يقول ان العنف الرقمي “يترك آثاراً نفسية عميقة، لأن الضحية لا تواجه إساءة عابرة وجها لوجه أو أمام بضعة من الحضور، بل تجد نفسها أحياناً أمام هجوم مستمر يشاهده عدد كبير جدا من الأشخاص”.

ويشير إلى أن هذا النوع من العنف يشمل:”التنمر الإلكتروني، والتشهير، والابتزاز، ونشر الشائعات، وانتهاك الخصوصية، وهي ممارسات قد تؤدي إلى القلق، واضطرابات النوم، وفقدان الثقة بالنفس، والخوف من التفاعل الاجتماعي”.

وأن بعض الضحايا قد يتراجع أداؤهم في العمل أو الدراسة، وقد يصل الأمر إلى العزلة والاكتئاب، خصوصاً عندما يشعر الشخص بأن صورته الاجتماعية تعرضت للتشويه أمام الآخرين.

ويرى الحمداني، أن النساء والفتيات يتأثرن بنحو أكبر:”بسبب ارتباط بعض حملات الإساءة بقضايا السمعة والنظرة الاجتماعية، ما يدفع بعضهن إلى ترك أعمالهن أو إغلاق حساباتهن”.

ويشدد على أن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى “توفير دعم نفسي للضحايا، وتشجيعهن على طلب المساعدة وعدم الصمت، لأن التدخل المبكر يقلل من آثار الصدمة ويساعد على استعادة الثقة بالنفس”.

من الابتزاز إلى التشهير… أشكال متعددة لعنف واحد

ترى الحقوقية أزهار الدليمي، ان العنف الرقمي ضد النساء هو “امتداد للعنف القائم على النوع الاجتماعي” وأنه يشمل كل سلوك مسيء أو تهديد يُرتكب عبر الإنترنت أو شبكات التواصل الاجتماعي “ويستهدف النساء والفتيات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مسبباً لهن أضراراً نفسية واجتماعية وقد تمتد آثارها إلى حياتهن العملية والأسرية”.

وتلفت إلى أن من أبرز صور هذا العنف “الابتزاز الجنسي” الذي يقوم على التهديد بنشر صور أو مقاطع فيديو أو معلومات شخصية، فضلاً عن التشهير، وانتحال الهوية، والتنمر الإلكتروني، والتحرش عبر وسائل التواصل.

وتؤكد أن القوانين العراقية النافذة توفر حماية من خلال نصوص قانون العقوبات المتعلقة بالتهديد والابتزاز والتشهير، وهو قانون قديم جدا ولا يتوافق مع التطور الهائل الحاصل المرتبط بالجرائم الإلكترونية، الأمر الذي يجعل الحاجة قائمة إلى إطار قانوني أكثر تخصصاً، مشيرة الى أن قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية ما يزال قيد التشريع والتعديل في مجلس النواب.

وتضيف:”هناك جهات تتعامل مع هذه القضايا، مثل الشرطة المجتمعية والجهات المختصة بمكافحة الابتزاز الإلكتروني وحماية الأسرة، إلا أن الوقاية تبقى جزءاً أساسياً من الحماية”، داعية النساء إلى توخي الحذر في نشر الصور والمقاطع الشخصية والبيانات الخاصة، حفاظاً على خصوصيتهن.

وتلفت الدليمي إلى أن مشروع قانون حماية الأسرة أُحيل منذ سنوات إلى مجلس النواب، لكنه لم يُشرع حتى الآن، الأمر الذي يترك فراغاً تشريعياً في التعامل مع بعض صور العنف الموجه ضد النساء، حسب تعبيرها.

اللجوء الى القضاء

لمواجهة العنف الرقمي المتزايد، يدعو الحقوقي محمد جمعة، الضحايا، الى تقديم شكاوى أمام قاضي التحقيق في أقرب محكمة، وهو الذي يتولى إحالتها إلى مركز الشرطة المختص لاستكمال إجراءات التحقيق، موضحاً أن “مسار الشكوى يختلف بحسب نوع الجريمة”.

ويبين:”قضايا الابتزاز الإلكتروني تعد من اختصاص جهاز الأمن الوطني، إذ تتولى محكمة التحقيق المختصة بقضايا الأمن الوطني إحالة البلاغ إلى الجهات الأمنية المعنية التي تتكفل بتحديد هوية الجاني وملاحقته، بينما تنظر محاكم التحقيق في قضايا السب والقذف والتشهير وإساءة السمعة، بعد اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عبر مراكز الشرطة”.

ويلفت إلى أن من أبرز التحديات في قضايا التشهير والسب عبر الإنترنت، أن عبء الوصول إلى هوية الجاني يقع في كثير من الأحيان على الضحية نفسها، إذ تضطر إلى جمع أي معلومات قد تساعد في التعرف عليه، مثل حساباته أو مكان عمله أو أي بيانات متاحة عنه، وهو ما يشكل عائقاً إضافياً أمام ملاحقة المتورطين.

ويشير جمعة، إلى أن ضعف الإقبال على تقديم الشكاوى من قبل المتعرضات للعنف الرقمي، يعود إلى سببين رئيسيين، أولهما: “بطء الإجراءات القضائية، الذي يؤدي إلى تراجع ثقة الضحايا بفاعلية العدالة”، وثانيهما:”التعقيدات الإجرائية التي تتطلب مراجعة أكثر من جهة، ما يجعل الكثيرين يعزفون عن اللجوء إلى القضاء”.

ويضيف الى ذلك “الأعراف الاجتماعية، إذ تمثل عائقاً آخر، لا سيما بالنسبة للنساء، إذ تخشى كثيرات من مراجعة مراكز الشرطة والمحاكم بسبب الضغوط الاجتماعية أو محدودية حرية الحركة، الأمر الذي يمنع عدداً كبيراً من الضحايا من المطالبة بحقوقهن”.

ويدعو الحقوقي، إلى استحداث منصة إلكترونية رسمية لتلقي شكاوى العنف الرقمي، انسجاماً مع توجه الدولة نحو الحوكمة الإلكترونية، بما يسهم في تسهيل إجراءات التقاضي، وتقليل المراجعات الورقية، وتسريع معالجة هذا النوع من القضايا وفق الأطر القانونية النافذة.

تجارب غيرت حياة الضحايا

لم تكن أفنان (20 سنة) من كربلاء، تتصور أن حلمها في العمل الإنساني سينتهي بمغادرة مدينتها. ففي سن السادسة عشرة، وكان ذلك في 2025، أنشأت صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي في فيسبوك لنشر محتوى “يدعم تمكين النساء، ويشجع الفتيات على التعليم والمشاركة في الحياة العامة”، مستلهمة ذلك من والدتها الصيدلانية التي شجعتها في تلك الخطوة كجزء من خدمة المجتمع، كما تقول.

ومع ازدياد تفاعل المتابعين مع ما تنشره، بدأت تتعرض لـ”تعليقات مسيئة وحملات تشهير وهجمات عبر مواقع التواصل الاجتماعي”. ولم يقتصر مصدر الإساءات على بعض الرجال، بل شاركت فيها أيضاً نساء وجهن إليها انتقادات جارحة بسبب آرائها ونشاطها.

وتتابع: “كنت أعتقد أن ما أفعله رسالة إنسانية، لكنني وجدت نفسي في مواجهة سيل من الإساءات والتهديدات. مع مرور الوقت أصبحت أخشى نشر أي شيء، لأن كل منشور كان يفتح باباً جديداً للهجوم”.

وتضيف: “لم تتوقف الضغوط عند العالم الافتراضي، بل انعكست على حياتي اليومية، إذ اخبرني أقرباء لوالدي، أن ما أقوم به لا يتوافق مع الأعراف والتقاليد الاجتماعية”!

ولعدم شعورها بالأمان في مدينتها، أغلقت صفحتها وغادرت صيف 2025، إلى أربيل في إقليم كردستان، لتتزوج وتستقر هناك، وبعد مرور نحو سنة على حياتها الجديدة دون مواصلة نشاطها السابق، تقول بأنها تشعر بشيء من الحزن الداخلي:”فالعنف الرقمي سلب جزءاً كبيراً من حلمي”.

بناءً على تجربتها، تجد أفنان، بان العنف الرقمي لا ينتهي بمجرد حذف منشور أو إغلاق صفحة، بل يترك أثراً في حياة الإنسان. تقول: “اضطررت إلى ترك مدينتي، والتخلي عن دراستي، والابتعاد عن العمل الإنساني الذي أحببته، فقط لأنني كنت أطالب بحقوق فئة مجتمعية تعاني من الظلم”.

تلخص احدى ضحايا العنف الرقمي، مفضلة عدم ذكرد اسمها، بعد أشهر من اضطرارها لإغلاق صفحتها على منصة فيسبوك، وتغيير بعض تفاصيل عملها وحياتها، تجربتها بالقول:”مشكلة العنف الرقمي، تكمن في سهولة أن يهاجمك الآخرون، حتى من لا يعرفونك، ويسيئون اليك بدوافع مختلفة في مجتمع يعاني من عقد نفسية ومجتمعية تراكمت عبر عقود من العنف والجهل وفي ظل البطالة. في المقابل من الصعب عليك ان تلاحقهم قانونيا فأعدادهم تتضاعف”.

تصمت للحظات ثم تتابع:”كما ستجد نفسك غارقا في معارك للدفاع عن نفسك وموقفك.. معارك تستهلك وقتك وجهدك وصحتك، في مواجهة ناس حاقدين أو جهلة أو مرضى”.

● أنجز التقرير باشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية.

المزيد عن تقارير سردية

تقارير سردية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35405}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">