“جرف الصخر” التي تحولت الى “مدينة النصر”.. ما الذي تغير خلال عقد من الزمن وأين ذهبت المدينة القديمة؟
تكشف مقارنة صور الأقمار الاصطناعية بين العام 2014 و 2026 تغييرات جوهرية في الأرض التي تحولت الى "منطقة أمنية مغلقة"، فبدل المنازل والبساتين تظهر "معسكرات" وشبكات ترابية معقدة. وتغيرت العديد من ملامح المدينة بعد ان نزح عنها سكانها خلال حرب استعادتها من تنظيم داعش، ولم يستطيعوا العودة اليها، في ظل سيطرة فصائل مسلحة على قرارها.
في 24 آب اغسطس، وبعد 12 عاما على معارك تحريرها ونزوح سكانها، صوت مجلس محافظة بابل على تغيير اسم #جرف_الصخر إلى “مدينة النصر”، وذلك بعد أنّ عادت الناحية الواقعة 60 كيلومتراً جنوبي بغداد، الى واجهة المشهد السياسي العراقي، على خلفية تصريحات شيخ عشيرة الجنابيين عدنان الجنابي، الذي عد ما حصل “احتلالاً” للمدينة.
الجنابي، وهو نائب سابق، قال ان “أهل جرف الصخر يعدّون يوم 25 أكتوبر 2014 يوم احتلال للمنطقة، وليس يوم تحرير لها”، مطالبا بعودة سكانها الى بيوتهم واسترداد ممتلكاتهم، مؤكدا امتلاكه “توثيقاً مفصلاً” يثبت هدم نحو 3 آلاف منزل بأسماء أصحابها وأرقامها، متهما الفصائل المسلحة التي سيطرت على المنطقة بتنفيذ عمليات تصـفية وقتل.
وقوبلت تصريحات الجنابي بردود فعل واسعة، ورد محافظ بابل، علي تركي الجمالي، بعد جلسة استثنائية لمجلس المحافظة، على “دعوات اعادة المنطقة الى سابق عهدها”، بالقول إن المنطقة كانت “مثلث مـوت” ولن تعود، فيما قررت ادارة المحافظة رفع دعوى قضائية بحق الشيخ عدنان الجنابي، بتهمة طرح وقائع غير صحيحة من شأنها إثارة الفتنة وتأليب الرأي العام.
تلك التصريحات بما حملته من ردود فعل، أثارت جدلاً حاداً بأبعاد طائفية في الشارع العراقي، بين مطالبين بحقوق النازحين، ومتخوفين من عودة سنين “الدم والإرهاب”.
وكانت منطقة “جرف الصخر” الزراعية التي تزيد مساحتها على 50 كيلومتراً مربعاً، تشكل أخطر المناطق في البلاد بين عامي 2005 و2014 حيث شهدت عمليات قتل واختطاف واسعة على خلفيات طائفية. ومع استعادتها انتشرت فيها فصائل مسلحة، رفضت عودة غالبية سكانها المقدر عددهم بنحو 180 ألف نسمة.
ماذا حدث في جرف الصخر؟
منصة “صحيح العراق” حللت عبر ما تصفه بالمصادر المفتوحة، ما شهدته منطقة جرف الصخر، من تغييرات سكانية وانشائية منذ عام 2014 وحتى عام 2026، وما جرى فعليا على أرض الناحية من عمليات تجريف للغطاء الزراعي والنسيج العمراني القديم خلال عقد من الزمن، مقابل انشاء شبكات طرق وتجمعات جديدة، مرورا بتوسع لافت في حقول وأحواض زراعية – استثمارية منظمة الشكل.
وتُؤكد تقارير أمنية وصحفية ان منطقة جرف الصخر، معزولة تماماً عن الادارة الحكومية العراقية، وتتمتع بوضع خاص حيث لا يمكن دخولها حتى من قبل المسؤولين في الحكومة والجيش، فالانتشار الأمني محدد بفصائل مسلحة موالية لايران.
جرف الصخر في وقت حرج
لم يهدأ الجدل منذ ظهور شيخ عشيرة الجنابيين عدنان نعمة رشيد الجنابي، وحديثه عن توثيق يشمل هدم نحو ثلاثة آلاف منزل في جرف الصخر، مقدّراً أن يكون العدد الإجمالي للمنازل المهدومة في الناحية قد وصل إلى نحو سبعة آلاف منزل. ولم يتوقف الجنابي عند ملف الهدم، بل اتهم الجهات المسيطرة على الناحية بارتكاب عمليات “قتل وتصفيات بحق معتقلين”، ونهب ممتلكات الأهالي وسياراتهم ومضخات مياههم.
رد السلطات في محافظة بابل جاء سريعا وعلى مستويين: سياسي وقضائي. سياسيا، وصف محافظ بابل علي تركي كلام الجنابي بأنه محاولة “لإحياء الفتنة”، مضيفا: “من يدّعي احتلال المنطقة، فنعم كانت محتلة من قبل عناصر إرهابية”، في إشارة إلى سيطرة تنظيم داعش على الناحية قبل عام 2014.
أما قضائيا، فقد رفع مجلس محافظة بابل وديوان المحافظة، برئاسة أسعد المسلماوي، دعوى ضد الجنابي أمام محكمة تحقيق الحلة، بتهم إثارة الفتنة وتأليب الرأي العام والإساءة إلى المجلس وعرض وقائع غير صحيحة، فيما طالب نائب من كتلة “الصادقون”، الجنابي بتقديم وثائق رسمية تسند ادعاءاته، مشككًا في صحتها لعدم استنادها – بحسب قوله – إلى تقرير من جهة قضائية مستقلة.
جرف الصخر لـ “الاستثمار”
في أحدث فصول الجدل، طرح محافظ بابل علي تركي، مؤخرا، إمكانية تحويل منطقة جرف النصر إلى مساحة استثمارية وسكنية بعد معالجة ملفها الأمني وإزالة المخلفات الحربية والألغام.
وقال إن “أراضي المنطقة تابعة للدولة، يمكن إعلانها فرصا استثمارية وإقامة مجمعات سكنية آمنة فيها، مع الحفاظ على طابعها الحضري، فضلاً عن استثمار المناطق المحاذية لشط الحلة الممتدة لنحو 14 كيلومترا”.
وأشار تركي، إلى أنّ الانتقال إلى الاستثمار “يتطلب أولاً تنظيف المنطقة من مخلفات الحرب”، مؤكدا وجود صواريخ وألغام في مئات المواقع التي لم تُطهّر حتى الآن، كما أشار إلى أنّ “جرف النصر يمكن أن تتحول إلى منطقة للتعايش والاستثمار والسياحة، مع إمكانية إقامة مناطق صناعية على أطرافها”، مع “توزيع قطع سكنية فيها على عائلات من مناطق بابل ضمن خطط الإسكان، بعد استكمال المتطلبات الأمنية والخدمية”.
ماذا نعرف عن جرف الصخر؟
تقع جرف الصخر، المعروفة إداريًا منذ 2014 باسم “جرف النصر”، على الضفة اليمنى لنهر الفرات في محافظة بابل، على بعد نحو 60 كيلومترا جنوب غرب بغداد وقرب مدينة المسيب، وتشكل بموقعها حزاما يربط العاصمة بمحافظتي الأنبار وكربلاء.
وبسبب مرور أكثر من عقد على نزوح أهلها خلال فترة المعارك وعدم فتح باب العودة لهم تحوّل الملف إلى قضية سياسية خلافية متكررة، إذ يقول سياسيون سنة، على رأسهم خميس الخنجر، إنّها تشهد عمليات “تغيير ديمغرافي طائفي متعمد”، ويطالب بعودة سكانها، وانهاء ملف نزوحهم.
بينما تقول السلطات الرسمية والفصائل المسيطرة على المنطقة إنّ عدم عودة الأهالي يعود إلى مخاوف من تكرار سنوات “العنف والإرهاب”، حين شكلت المنطقة مصدرا مباشرا للهجمات الانتحارية وعمليات القتل والخطف على الهوية.
وتخضع المنطقة الآن لسيطرة “كتائب حزب الله”، بشكل أساسي، كما تشهد تواجدا لـ “عصائب أهل الحق”، وفقا لتقارير وشهادات، مع حديث عن وجود إيراني عسكري شبه دائم، ما حول المنطقة إلى “معسكر سري مغلق” يضم معسكرات وورش تصنيع أسلحة وطائرات مسيرة وحتى “كلية تدريب”، على حد تعبير المتحدث في الشأن الأمني غازي فيصل.
كيف تبدو جرف الصخر الآن؟
للاجابة على هذا السؤال، ومع عدم السماح للمؤسسات الصحفية بالوصول الى المنطقة، وعدها منطقة أمنية مغلقة تماماً، استعانت منصة “صحيح العراق” بما وثقته صور الأقمار الاصطناعية لفترتين زمنيتين مختلفتين بين 2014 و2025، وتحديدا من خلال مراجعة وتحليل عشر لقطات من الأرشيف التاريخي للأقمار الاصطناعية تغطي خمس زوايا للناحية (نظرة عامة، الجزء الشمالي، الجزء الجنوبي، الجزء الشرقي، الجزء الغربي)، كل زاوية بلقطتين: الأولى تعود الى العام 2014 (قبيل التهجير أو في أثنائه)، والثانية ملتقطة بين العامين 2020 و2025 بحسب أرشفة القمر الاصطناعي.
تظهر بعض لقطات العام 2025 (الجزء الشمالي، وأجزاء من الشرقي والغربي) بتدرج لوني وردي – بنفسجي مختلف عن باقي اللقطات، وهو على الأرجح ناتج عن اختلاف مصدر أو معالجة الصورة داخل أرشيف Google التاريخي وليس له دلالة بحد ذاته، وقد اعتمد تحليل فريق “صحيح العراق” في هذه الحالات، على الفروقات البنيوية (طرق، مبانٍ، تجريف) لا على اللون.
الجزء الشمالي: “معسكرات” بدل الحقول
تظهر صورة عام 2014، أنّ المساحة الواقعة غرب التجمع السكني كانت عبارة عن حقول زراعية متناثرة بأشكال مروحية تتفرع من قناة ري، ضمن أرض صحراوية خالية في معظمها.
في لقطة 2025، حلّ مكان هذه المساحة مجمع إنشائي كبير يتضمن عدة مبانٍ متوازية طويلة الشكل (تشبه المستودعات أو الصالات)، إلى جانب مساحة مسوّاة فاتحة اللون ذات شكل ممدود، وشبكة كثيفة من الطرق والمسارات الترابية المستقيمة التي تقطع الأرض بأنماط هندسية لم تكن موجودة في 2014.
هذا النمط من التوسع (طرق جديدة + مبانٍ منتظمة + أرض مسوّاة) يتقاطع مع ما وثّقته تقارير سابقة عن وجود عشرات المعسكرات ومنشآت عسكرية في الناحية.
الجزء الجنوبي (قلب التجمع السكني القديم): أين ذهبت المنازل؟
في الجزء الجنوبي، يظهر فارق أشد وضوحا، إذ تظهر لقطة 2014، نسيج عمراني كثيف ومتماسك: صفوف متلاصقة من أسطح المنازل الصغيرة، تتخللها أزقة ضيقة، في نمط لا لبس فيه لحيّ سكني مأهول.
في لقطة 2026، فقد الجزء الأكبر من هذا النسيج كثافته البنائية بشكل لافت: تراجعت المساحات المغطاة بأسطح منازل متلاصقة، وحلّت محلها مساحات أكثر انفتاحا تشبه الأراضي المحروثة أو المسوّاة، إلى جانب قطع زراعية خضراء داكنة منتظمة الشكل في مواضع كانت ضمن الكتلة السكنية نفسها عام 2014.
الجزء الشرقي: بنايات جديدة
كان هذا الجانب من النهر يضم أصلاً، منذ 2014، شريطا من الحقول والأحواض الخضراء الداكنة (تحمل ملامح مزارع أسماك وحقول مروية مكثفة) بمحاذاة طريق معبّد يخترق الناحية.
في لقطة 2025 لم يتغيّر الامتداد العام لهذا الشريط الزراعي بشكل جذري، لكن الطريق المحاذي له يظهر أكثر تعبيدًا واكتمالاً، مع ظهور تجمعات مبانٍ صغيرة جديدة قرب الحدود الشرقية للناحية لم تكن بالوضوح ذاته في 2014.
الجزء الغربي: شبكة ترابية بدل البساتين
يظهر هنا التغيّر الأكثر حدّة بعد الجزء الجنوبي. في لقطة 2014، كانت الضفة الغربية للنهر تحمل غطاءً كثيفًا من أشجار النخيل والبساتين ممزوجًا بمبانٍ سكنية، إلى جانب حقول دائرية الشكل (ري محوري) في الصحراء المجاورة غربا.
في لقطة 2025، تراجع الغطاء الأخضر بشكل واضح في المنطقة القريبة من النهر، وحلّت محله مساحات ذات ملمس مضطرب وغير منتظم، بينما تحوّلت الصحراء المجاورة – التي كانت شبه خالية عام 2014 باستثناء الحقول الدائرية – إلى شبكة كثيفة من المسارات والطرق الترابية المتشابكة، مع بقعة كبيرة داكنة الملامح تتوسط المنطقة تشبه موقع حفر أو تجميع آليات ثقيل، ومساحة مسوّرة بحدود مستطيلة واضحة في الجزء الشمالي من هذا القطاع. كما أنّ الحقول الدائرية التي كانت مرئية بوضوح عام 2014 لم تعد قابلة للتمييز بالوضوح ذاته في لقطة 2025.
ويؤكد المشهد العام بين 2014 – 2020، الاتجاه الذي تفصّله اللقطات المقرّبة: الكتلة الخضراء الكثيفة الواقعة جنوب غرب مركز الناحية (على الضفة الغربية للنهر) كانت متماسكة ومتصلة عام 2014، وتحوّلت بحلول 2020 إلى غطاء متناثر، تتخللها خطوط تقسيم هندسية، بينما بقيت الحقول الزراعية الواقعة شرق وجنوب شرق الناحية شبه ثابتة في مساحتها بين العامين.
تجريف وبناء يوازيان الجدل السياسي
وينسجم ما ترصده الصور، من تراجع في الكثافة السكنية القديمة، وظهور شبكات طرق ومبانٍ منتظمة جديدة في مواضع كانت صحراء أو بساتين، وتوسّع محدود في الأحواض والحقول الاستثمارية، مع خطين متوازيين في الروايات المتداولة عن جرف الصخر: الأول هو ما يصفه سكان الناحية وأطراف سياسية سنية، بأنّه “هدم ممنهج لممتلكاتهم”، وبما يحول دون عودتهم فعليًا حتى لو رُفع الحظر الأمني رسميًا؛ والثاني هو ما تصفه تقارير متخصصة عن أنّ الناحية تشهد نشاطًا اقتصاديًا – عسكريًا، تديره فصائل مسلحة، يشمل مزارع دواجن وأسماك وحقولاً موسعة تورّد إنتاجها إلى أسواق بغداد، إلى جانب بنية تحتية عسكرية موصوفة بأنها مغلقة تمامًا أمام المدنيين.
ومع أنّ الصور المتاحة لا تعتبر أدلة كافية عن الجهة المسؤولة عن أعمال الهدم، أو الجهة التي تشغّل المنشآت الجديدة بشكل قاطع، لكنها تقدّم دليلاً بصريا مستقلاً على أن التغيّر الذي طرأ على أرض جرف الصخر بين 2014 واليوم، كان تغيّرا جوهريا ممنهجا بما لا يقبل الشك أو اللبس.