في الأول من تموز 2019 أصدر رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، أمراً ديوانياً منح الفصائل مهلة تنتهي في الـ31 من الشهر نفسه للاندماج الكامل في القوات المسلحة وإغلاق مقارّها والتخلي عن تسمياتها الخاصة. المهلة انقضت، وبقيت التسميات والمقار، ولم تصدر عقوبة واحدة عن تجاوزها. هنا المهلة لم تكن أداة تنفيذ فاشلة، وإنما أداة سياسية ناجحة في وظيفة أخرى، فهي تمنح كل طرف ما يحتاجه بالضبط. الحكومة تقدّم لشركائها الخارجيين دليلاً على أنها تتحرك. والفصائل تقدّم لجمهورها دليلاً على أنها لم تسلّم شيئاً. والوسطاء يحصلون على ملف يملؤون به طاولاتهم.
في السابع عشر من آب/ أغسطس 2026، أوقفت قوة من جهاز مكافحة الإرهاب القيادي في حركة النجباء عباس اليعقوبي بناحية الفضيلية جنوبي الناصرية/ محافظة ذي قار. وأكد الناطق باسم الحكومة حيدر العبودي أن التوقيف جرى بموجب أمر قضائي، وأن ملف السلاح شأن سيادي عراقي لا مكان فيه للإملاءات الخارجية. وفي اليوم التالي أعلنت مديرية إعلام هيئة الحشد الشعبي تسليم الموقوف إلى المديرية العامة لأمن الحشد “لمتابعة إجراءاته القانونية مع القضاء”. وبعد يومين أعلنت الهيئة أن الرجل بريء وأنه أُخلي سبيله.
في غضون 48 ساعة، انتقل الملف الذي وصفته الحكومة بأنه قضية وجودية من عهدة الدولة إلى عهدة الجهة التي ينتمي إليها الموقوف، ثم إلى خارجها. وما كشفته الحادثة ليس عجزاً في الميدان، بل إنه غياب الأدوات التي يُدار بها ملف حصر السلاح من أوله إلى آخره.
صفتان لرجل واحد
الوصف الرسمي الوحيد للرجل ورد في بيان هيئة الحشد الشعبي بأنه “مسؤول استخبارات حزام بغداد”، أي أنه يشغل موقعاً داخل تشكيل يتبع القائد العام للقوات المسلحة. لكنه في الوقت نفسه، يشغل منصب مسؤول “وحدة الاستطلاع” في حركة النجباء المصنفة هي وأمينها العام أكرم الكعبي على لائحة الإرهاب الأمريكية.
الصفتان معاً هما جوهر المسألة، حيث يتّضح أن ما يُراد حصره ليس معدناً في مخزن، إنه أشخاص يشغلون وظائف رسمية بولاء تنظيمي مزدوج. والرجل الذي أوقفته الدولة لم يكن آمر رماية، إنه ضابط استخبارات. وأي خطة تجمع الأسلحة وتترك شبكات المعلومات قائمة تكون قد نزعت الأداة وأبقت القدرة.
من التوقيف إلى الإفراج
المسار الذي سلكه الموقوف يستحق التوقف عند كل خطوة فيه، حيث بدأ بقوة من جهاز مكافحة الإرهاب نفّذت التوقيف بأمر قضائي، ثم انتقل الرجل إلى عهدة المديرية العامة لأمن الحشد، وهي جهاز أمني تابع للهيئة التي ينتمي إليها، ثم أعلنت الهيئة نفسها براءته وإخلاء سبيله. وحتى الآن، لم يصدر عن مجلس القضاء الأعلى ولا عن رئاسة الحكومة بيان رسمي أو تصريح حول القضية، وهكذا انتهت أخطر أزمة أمنية واجهتها الحكومة منذ تشكيلها: إعلانٌ صادر عن الجهة التي ينتمي إليها الموقوف، وصمتٌ من الجهة التي أصدرت مذكرة توقيفه أو نفذتها.
المشهد نفسه، سبق أن جرى في أيار 2021، حين أوقفت السلطات آمر عمليات غرب الأنبار في هيئة الحشد، قاسم مصلح، وفق المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، فطوّقت فصائل مسلحة أجزاء من المنطقة الخضراء مطالبةً بإطلاق سراحه أو تسليمه إلى أمن الحشد، وانتهت القضية بإخلاء سبيله بعد أن أعلن مجلس القضاء الأعلى أن الأدلة المقدمة لم تثبت تورطه باغتيال الناشط إيهاب الوزني. المطلب واحد في الحادثتين، والذي تغيّر هو الزمن الذي استغرقه تحقيقه: أسابيع في 2021، ويومان في 2026. ليتبين للرأي العام أن الدولة قد لا تخسر في الميدان، فالاعتقالات نُفذت، إنها تخسر في الأضابير والإجراءات.
وحتى وقائع تلك الليلة، لم تخرج من دائرة المألوف. فقد جرى الحديث على نطاق واسع عن اجتماع طارئ لقوى الإطار التنسيقي ورسائل تحذير شديدة اللهجة سبقت قرار النقل، وهي روايات لم تصدر عن مصدر رسمي ولم تنفها الحكومة ولم تؤكدها. وأخطر ما فيها أنها الرواية الوحيدة المتاحة عن كيفية اتخاذ قرار أنهى أزمة بهذا الحجم.
“متساويان بالمقدار، متعاكسان بالاتجاه”
خلال مائة يوم، تحرّك خطاب الطرفين (الحكومة والفصائل) في اتجاهين متعاكسين، وكلاهما موثّق بتصريحات معلنة وتواريخ محددة.
على جانب الفصائل، بدأ الرفض في الرابع من حزيران/ يونيو 2026 عند حدود الشرط السياسي: لن يُسلَّم السلاح ما دام هنالك احتلال أجنبي للأرض والأجواء العراقية. ثم انتقل الرفض إلى داخل الدولة نفسها، حين ردّ رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي عبد العزيز المحمداوي “أبو فدك”، عقب الضربات السعودية الأميركية التي استهدفت مقارّ للهيئة فجر الـ19 من تموز/ يوليو وأودت بحياة عدد من المقاتلين، على سؤال بشأن التسليم بعبارة عامية مقتضبة: “منو ياخذ السلاح.. يا زلمة ياخذ السلاح”. المتحدث هنا ليس زعيم فصيل خارج المنظومة، إنه أرفع مسؤول عسكري في هيئة تابعة للقوات المسلحة يرفض علناً قراراً صادراً عن القائد العام لتلك القوات.
وفي الـ18 من آب/ أغسطس، بعد توقيف قيادي النجباء، وصف أبو مجاهد العساف، المسؤول الأمني في كتائب حزب الله، إجراءات رئيس الوزراء بأنها “عنترية فارغة” و”مستفزة”، ولوّح بمبدأ “العين بالعين”، وأضاف إلى شرط الانسحاب الأميركي شرطَيْ انسحاب القوات التركية وحلّ قوات البيشمركة.
في بيان الكتائب انتقل الخطاب من مهاجمة السياسة إلى تحقير شخص رئيس الوزراء، ومن شرط واحد إلى ثلاثة شروط يستحيل على الحكومة تحقيقها مجتمعة.
وعلى الجانب الحكومي سار الخطاب في الاتجاه المعاكس. ففي الـ20 من حزيران أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة أن حصر السلاح “قضية وجودية وثابت سيادي”، وأن المؤسسة الأمنية انتقلت إلى “المبادرة الهجومية وتصفير المخاطر في مهدها”.
وفي الـ21 من تموز/ يوليو قال الناطق نفسه إن الرؤية الحكومية تنطلق من “منطلق أبوي ووطني جامع” لا يستهدف الإساءة إلى أي طرف وإن العراق أبعد ما يكون عن أي مواجهة مع الفصائل، لكون هذه القوى الوطنية ساهمت سابقاً في الدفاع عن البلاد ولن تدخل في مواجهة مع الدولة. وفي الـ17 من آب/ أغسطس، تحدث رئيس الوزراء عن المضيّ في نزع السلاح مهما كلّف الأمر. وفي الـ21 من آب/ أغسطس، بعد أزمة الإفراج بيومين، أكد أن حكومته لا تملك نية للتصادم العسكري مع الفصائل، وأن هناك حواراً بنّاءً، وأن العمل جارٍ على وضع الآليات اللازمة.
بين “تصفير المخاطر في مهدها” و”المنطلق الأبوي” واحد وثلاثون يوماً. وبين المضيّ مهما كلّف الأمر ونفي نية التصادم أربعة أيام.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن رئيس الوزراء أعاد منذ منتصف يونيو/ حزيران تشكيل قيادة الأجهزة الأمنية بالكامل، حيث أُعفي مستشار الأمن القومي ورئيس جهاز الأمن الوطني، وفي الـ22 من تموز صدرت حزمة أوسع شملت إعادة العمل بمكتب القائد العام وتغيير رئاسة جهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية. والجهاز الذي تغيّرت رئاسته في يوليو/ تموز هو نفسه الذي نفّذ مداهمة الفضيلية في آب/ أغسطس.
تسليمٌ بلا مقياس
خلف الخطاب المتحرك يقف سؤال فني لم تُجب عنه أيُّ جهة رسمية: بأي أداة يُقاس التسليم المفترض؟
لم يصدر عن الحكومة ولا عن هيئة الحشد جردٌ أولي معلن لما تملكه الفصائل، ولا بروتوكول توثيق منشور، ولا جهة مكلّفة رسمياً بالتحقق. ومن دون خط أساس يُقاس عليه، يصبح أيُّ تسليم عمليةً بلا معيار، حيث يجري الصراع حول كمية غير معروفة تُقتطع من كمية غير معلنة.
ويجري تداول حديث واسع في الأوساط السياسية والإعلامية عن أن ما يُطرح فعلياً يقتصر على أسلحة خفيفة، وأن المنظومات الأثقل تبقى خارج التداول، وأن مقترحاً طُرح لتخزين السلاح بدلاً من نزعه. وهي روايات لم تصدر عن مصدر رسمي، لكن لم يصدر ما ينفيها أيضا، لتبقى الوصف الوحيد المتاح لمضمون عملية تُثار منذ أشهر.
أما ما أعلنته الدولة بالأرقام فيخص مساراً آخر تماماً. فوفق إحصائية “البنك الوطني العراقي للأسلحة” لشهر يوليو/ تموز 2026، التي أوردها سكرتير “لجنة حصر السلاح” اللواء منصور علي سلطان، جرى تسجيل 20,792 سلاحاً شخصياً خفيفاً بحوزة مواطنين، وضبط 2,797 سلاحاً، وسحب 293 سلاحاً خفيفاً من الوزارات المدنية، وتأشير 2,106 أسلحة لمراجعي دوائر الدولة أغلبها مسدسات. حملةٌ تُقدَّم بوصفها معركة سيادية، وحصيلتها المعلنة رُخَصٌ ومسدسات.
ثم إن التسليم، حتى لو تمّ، يواجه مشكلة أعمق: ما يُصنَّع محلياً يمكن تعويضه. ففي يوليو/تموز أيضاً، أعلن جهاز الأمن الوطني ضبط ورشة تجميع مسيّرات في بغداد بإشراف قضائي، تزامناً مع تشديد الرقابة على المنافذ لمنع تهريب المحركات وأجهزة التوجيه. وطالما بقيت خطوط التجميع قائمة، فتسليم المخزون يبقى تسليماً لما يمكن إنتاجه من جديد.
أي سلاح تقصد الدولة؟
الغموض في ملف حصر السلاح يمتد إلى التعريف نفسه. فقد وسّعت الحكومة هذا التعريف بلسانها حين قال رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن إن حصر السلاح يشمل “كل سلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية للدولة، أياً كانت الجهة التي تمتلكه، بما في ذلك السلاح العشائري”. بهذا التصريح تُطرح أسئلة لم تصدر لها إجابة معلنة.
الأول عن ألوية العتبات، التي تستمد شرعيتها من فتوى الدفاع الكفائي عام 2014، ولم يصدر ما يوضح ما إذا كانت مشمولة بالمهلة أم مستثناة منها. والثاني عن السلاح العشائري في محافظات الجنوب: إنْ شمِلَه الحصر فعلاً فالعملية أضخم بما لا يقاس من ملف الفصائل وحده، وإن لم يشمله فالتعريف الحكومي أوسع من الإجراء الحكومي المستهدف. والثالث عن كيانات ظهرت في تبنّي هجمات خلال 2026، بلا وجود قانوني ولا عضوية معلنة، تظهر حين يشتد الضغط وتغيب حين يخفّ كـ”أصحاب الكهف”، و”أولياء الدم”، وإن نفّذت إحداها هجوماً بعد الثلاثين من أيلول تبقى مسألة تحديد الجهة التي تُلاحَق قانوناً مفتوحة.
ويزيد المشهد التباساً أن ما وُصف في يونيو/ حزيران 2026 بتسليم السلاح لم يكن كذلك بحرفية البيانات. فقد أعلنت عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي فك ارتباطهما بتشكيلات هيئة الحشد و”الارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة”، مع تشكيل لجان لجرد الأسلحة والآليات. أي أن ما جرى تغييرٌ في الجهة الإدارية التي ترتبط بها الألوية، لا نزعاً للسلاح. والفارق بين الصيغتين هو الفارق بين إعادة تسجيل وبين حصر فعلي.
المهلة بوصفها منتَجاً سياسياً
في الأول من يوليو/ تموز 2019 أصدر رئيس الوزراء آنذاك عادل عبد المهدي أمراً ديوانياً منح الفصائل مهلة تنتهي في الـ31 من الشهر نفسه للاندماج الكامل في القوات المسلحة وإغلاق مقارّها والتخلي عن تسمياتها الخاصة، ولكن المهلة انقضت، وبقيت التسميات والمقار، ولم تصدر عقوبة واحدة عن تجاوزها.
هذا يقود إلى احتمال يستحق التفكير، فربما لم تكن المهلة أداة تنفيذ فاشلة، وإنما أداة سياسية ناجحة في وظيفة أخرى. فالمهلة، بصياغتها الحالية، تمنح كل طرف ما يحتاجه بالضبط. الحكومة تقدّم لشركائها الخارجيين دليلاً على أنها تتحرك. والفصائل تقدّم لجمهورها دليلاً على أنها لم تسلّم شيئاً. والوسطاء يحصلون على ملف يملؤون به طاولاتهم. أما الغموض في التعريف والقياس فهو ما يجعل هذا التوزيع ممكناً، إذ لو وُجد جرد معلن وآلية تحقق، لاضطر كل طرف إلى إعلان موقفه بالأرقام، ولخسر أحدهم علناً.
غير أن لهذا المنتج ثمناً تراكمياً؛ كلّ مهلة تنقضي دون أثر تخفّض قيمة المهلة التالية، حتى تتحول المواعيد الرسمية إلى إشارات تفاوض يعرف الجميع أنها قابلة للتمديد. وحين يصل بلد إلى هذه النقطة، لا يكون سلاح الفصائل وحده هو ما خرج من يد الدولة، ويكون قد سبقه شيء أثمن منه وهو قدرة الدولة على أن تُصدر موعداً/ وعداً يمكن أخذه على محمل الجد.