منذ عام 2003، يتردد في كواليس الأروقة النقدية والمصرفية طيف مشروع يُبعث ويُقبر بين الحين والآخر، وهو مشروع حذف الأصفار من العملة الوطنية. وعلى الرغم من صدور النفي الحكومي في الوقت الراهن لتكذيب التكهنات المتداولة، فإن مجرد طرح الملف مجدداً يفتح باباً واسعاً لمساءلة النوايا والثغرات.
تُسوق جهات رسمية أو شبه رسمية هذا المشروع الكلاسيكي بوصفه أداة للقضاء على اقتصاد الظلّ، وسلاح فتاك لاستعادة السيولة المكتنزة في خزائن السياسيين وكبار الفاسدين عبر إجبارهم على إخراجها للبنوك. لكن القراءة التحليلية لما بين السطور تُظهر واقعاً مناقضاً تماماً؛ حيث تتوارى الأصفار في صمت، لتبدأ أكبر عملية غسيل أموال ممهورة بختم الدولة، تحول”المصيدة” المفترضة إلى صكّ غفران رسمي.
خلفية تاريخية: ما هو حذف الأصفار ولماذا يُطرح منذ عقود؟
يُقصد بحذف الأصفار (Redenomination) إجراء اقتصادي ومصرفي تقوم فيه الدولة بتعديل القيمة الإسمية لعملتها الوطنية عن طريق إسقاط عدد معيين من الأصفار (كحذف ثلاثة أصفار لتصبح الـ 1000 دينار، ديناراً واحداً) دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في القوة الشرائية أو القيمة الحقيقية للأسعار والأصول. تاريخياً، لجأت العديد من الدول حول العالم إلى هذا الخيار – مثل تركيا عام 2005 والبرازيل في التسعينيات – كخطوة تنظيمية لتبسيط المعاملات الحسابية، وتخفيف العبء على الأنظمة المصرفية، والحد من استخدام أطنان الورق النقدي في المعاملات اليومية جراء سنوات من التضخم الجامح.
وفي العراق تحديداً، تعود جذور هذه الفكرة إلى عام 2003 عقب الاحتلال الأميركي والتغيير السياسي والانهيار الكبير في القيمة الإسمية للعملة الوطنية وما تلاه من طباعة فئات نقدية ضخمة (كـ 10,000 و25,000 دينار). ومنذ ذلك الحين، يتأرجح الملف بين أروقة البنك المركزي والمؤسسات المالية كحلّ تنظيمي معلق؛ تارةً يُطرح كضرورة لوجستية لتقليل التداول النقدي ورزم الأموال في الشارع، وتارةً أخرى يُسحب من التداول تحت وطأة التحذيرات من عدم استقرار البيئة الاقتصادية والتخوف من كلف الإجراءات اللوجستية وإعادة طباعة النقد.
تفكيك الفرضية: سراب كبح اقتصاد الظل
تستند السردية المشجعة لسياسة حذف الأصفار إلى فرضية كبح اقتصاد الظل، والتي تفترض أن سحب الفئات النقدية المتداولة وإجبار الجمهور على استبدالها بنقد جديد خلال فترة زمنية محددة يمثل أداة امتصاص إجباري للسيولة خارج القطاع المصرفي. ووفق هذا المنطق، فإن حائزي الأموال المكتنزة وغير المشروعة سيحشرون بين خيارين:
• إيداع أموالهم في النظام المصرفي والخضوع لتدقيق مصدر الأموال.
• الامتناع عن الاستبدال والتضحية بتلك الثروات لتفقد قيمتها القانونية كلياً.
تتجاهل هذه الفرضية الواقع الهيكلي للاقتصاد العراقي الذي يتسم بدرجة عالية من التداول النقدي المباشر، حيث تتدفق نسبة كبرى من السيولة خارج الشرايين المصرفية الرسمية. إن الرهان على قدرة آلية الاستبدال النقدي وحدها في كشف اقتصاد الظل يفترض وجود منظومة امتثال مصرفية شاملة وقادرة على التمييز بين النقد المشروع والنقد الناجم عن أنشطة غير قانونية، وهو ما يتناقض مع المحدودية التشغيلية للرقابة المالية في البيئات الاقتصادية الريعية والمتحولة.
حذف الأصفار … ميكانيكية غسيل الأموال الاستباقية
وفق نظرية اختيار المحفظة المالية، فإن التهديد المتوقع لسحب السيولة أو إخضاعها لإجراءات الاستبدال لا يدفع الفاعلين في اقتصاد الظل إلى الاستسلام التنظيمي، بل يُحفزهم على تنفيذ عمليات إعادة هيكلة سريعة وحاسمة لمحفظة أصولهم، وتستغل الشبكات المالية غير المشروعة الفجوة الإعلانية والزمنية التي تفصل بين تسريب النية النقدية والتطبيق الفعلي للقرار؛ حيث يتجه الكاش المكتنز ومجهول المصدر نحو إعادة التدوير عبر التحوط بالأصول الثابتة والملاذات الآمنة. تبدأ هذه السلسلة بضخ سريع ومكثف لكتل السيولة القديمة في السوق الموازي لشراء العقارات، الأراضي، الذهب، والعملات الأجنبية كالدولار، ثم إعادة بيع تلك الأصول أو تسييلها لاحقاً بعد نفاذ التعديل النقدي. وبهذه الميكانيكية، تُقطع السلسلة الرقابية للمستندات النقدية؛ إذ تخرج الأموال المشبوهة من دائرة التداول كأوراق نقدية مجهولة الهوية، لتستقر في حسابات مصرفية ناصعة وبشكل عملة جديدة مقومة بنقاء قانوني كامل ومبرأة بختم الدولة.
وينعكس سعي حائزي الأموال المكتنزة للتخلص منها سريعاً وشراء الأصول (كالعقارات والذهب) بشكل مباشر على الاقتصاد؛ حيث يهرع هؤلاء لتحويل سيولتهم إلى دولار، مما يخلق طلباً هائلاً على العملة الأجنبية ويرفع سعرها في السوق غير الرسمي مقارنة بالسعر الرسمي. وبالتوازي مع ذلك، تؤدي هذه السيولة الضخمة إلى ارتفاع كبير في أسعار العقارات، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع المستوردة بسبب ارتفاع الدولار. يضاف إلى ذلك قيام التجار برفع الأسعار استباقياً تحسباً لأي تراجع في قيمة العملة، لتتحول محاولة سحب النقود القديمة إلى صدمة في أسعار الصرف وموجة غلاء يكتوي بنارها المواطن قبل طبع أي فئة نقدية جديدة.
التكلفة السياسية وتبييض الأموال المؤسسي
يحمل تطبيق سياسة حذف الأصفار في ظل غياب أطر تشريعية ومؤسسية صارمة لتتبع الثروات، وفي مقدمتها تفعيل قوانين الإثراء غير المشروع مثل قانون (من أين لك هذا) بُعداً سياسياً بالغ الخطورة، حيث ينسلخ الإجراء من هدفه التنظيمي المحايد ليتحول عملياً إلى عفو مالي ضمني يُشرعن نتائج الفساد بضمانة رسمية. فعندما تُسخر مؤسسات السلطة النقدية إمكانياتها اللوجستية لاستبدال الفئات النقدية الضخمة دون ربط الاستبدال بمظلة مسح وتدقيق قضائي لتاريخ تراكم تلك السيولة، فإنها تُسهم دون قصد في قطع الأثر التتبعي التاريخي لأموال اقتصاد الظل وتجريدها من شبهتها الجنائية. إن الأوراق النقدية الجديدة المطبوعة بأرقامها الرشيقة تُمنح فور صدورها قوة إبرائية كاملة بختم البنك المركزي، مما يمنح حائزي أموال الفساد “صكوك غفران” قانونية مجانية تُعيد دمج ثرواتهم المكتنزة في الشرايين الاقتصادية الرسمية للدولة، وتجعل المتهمين الحقيقيين في موقع المشرّع والمستفيد الأكبر من خطة التعديل النقدي على حساب عدالة التوزيع واستقرار النظام المصرفي.
ختاماً، يتضح أن حذف الأصفار ليس سوى تغيير شكلي لوجه العملة الورقية، ولا يملك أيّ عصاً سحريةٍ لوقف الغلاء، أو رفع القوة الشرائية للدينار، أو القضاء على الفساد. فالأرقام على الأوراق النقدية مجرد مرآة تعكس الحالة الصحية للاقتصاد وليست هي السبب في مرضه؛ وبالتالي فإن مسح الأصفار لا يعني إطلاقاً مسح المشاكل الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي. وفي ظل ضعف الشمول المصرفي وغياب قوانين صارمة تسأل الفاسدين “من أين لك هذا؟”، يصبح تسويق هذا القرار للشارع كـ مصيدة لأموال الفساد، مجردَ وهمٍ تسويقيٍ لا يصمد أمام الواقع. فالمتمرسون في اقتصاد الظلّ لن ينتظروا الوقوف في طوابير البنوك لاستبدال أموالهم، بل سيسارعون فور سماع الشائعات إلى تحويل كتلهم النقدية المكتنزة إلى عقارات، وذهب، ودولار. وتكون النتيجة المباشرة لهذا الهروب صدمة في أسعار الصرف وموجة غلاء جديدة في الأسواق.
إن الإصلاح النقدي الحقيقي لا يبدأ من المطابع ولا بإعادة رسم الأوراق النقدية، بل يبدأ من بناء اقتصادٍ رقميٍ شفاف، وتطبيق حوكمة جادة على التحويلات، وتفعيل الرقابة المالية الصارمة. ودون هذه الخطوات الأساسية، ستتحول عملية حذف الأصفار من أداة تنظيمية مفترضة إلى مجرد غسالة مجانية تُطهر أموال الفساد وتمنحها شرعية جديدة بختم الدولة، ليبقى الواقع الاقتصادي كما هو، وتتغير الأرقام فقط.