تحليل, تقارير إخبارية: حصر السلاح بيد الدولة بين قرار الحكومة وشروط الفصائل ووساطات السياسة

حصر السلاح بيد الدولة بين قرار الحكومة وشروط الفصائل ووساطات السياسة

آدم علي

لطالما تحدث مسؤولون في الحكومة العراقية عن موعد واضح للمضي في حصر السلاح بيد الدولة، وهو الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026 بالتوازي مع خروج قوات التحالف الدولي من البلاد، لكن هذا الموعد سرعان ما فقد وضوحه، وتم عمليا التراجع عنه، بعد وصول رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، إلى بغداد في 19 آب/أغسطس 2026.

فالأخير قال بأن زيارته تهدف إلى اتخاذ “خطوات عملية وكبيرة” بين طهران وبغداد وتعزيز أمن البلدين، ووصوله إلى العاصمة جاء في وقت كانت فيه المفاوضات بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة بشأن مستقبل سلاحها تدخل مرحلة حساسة.

وبعد يومين من تلك الزيارة، أعادت الحكومة العراقية تعريف الموعد الذي كان ينظر إليه باعتباره سقفاً زمنياً لحصر السلاح، وقال حيدر العبودي، المتحدث باسمها، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إن 30 أيلول/سبتمبر ليس موعداً نهائياً للفصائل لتسليم سلاحها، وإنما موعد لإنسحاب القوات الأميركية من العراق.

التصريح لم يكن مجرد توضيح للموعد، بل بدا للكثيرين تراجعاً عن القراءة التي رافقت إعلان الحكومة سابقاً، وفتح الباب أمام تمديد الحوار مع الفصائل بدلاً من الانتقال إلى مرحلة تنفيذ واضحة ومحددة زمنياً.

وفي محاولة لتأكيد استمرار المسار الحكومي، قال رئيس الوزراء علي الزيدي، خلال مشاركته في مؤتمر حواري في بغداد إن “جميع القوى السياسية متفقة تماماً على المضي في حصر السلاح بيد الدولة”، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على آليات تسليم السلاح وإنهاء وجوده خارج إطار الدولة.

لكن الزيدي، كشف في الوقت نفسه عن أن العملية لم تصل إلى مرحلة التنفيذ النهائي، بإعلانه اجراء حوار مباشر مع فصائل رافضة، وحوار غير مباشر مع فصائل أخرى، وأن معظم الجهات المعنية أصبحت مقتنعة بتسليم السلاح، فيما بقي الخلاف قائماً بشأن آلية التسليم.

ولم يتوقف الأمر عند إعادة تفسير الموعد، فقد حرص رئيس الوزراء على نفي احتمال تحول الخلاف إلى مواجهة مسلحة، مؤكداً أنه “لا توجد نوايا أو احتمالات لأي تصادم عسكري مع الفصائل المسلحة”.

في المقابل، جاء خطاب كتائب حزب الله أكثر حدة، إذ اتهم مسؤولها الأمني المكنى أبو مجاهد العساف، الحكومة بعدم الاستجابة لنصائح القوى السياسية، والاعتماد بدلاً من ذلك على ما وصفها بنصائح “جهات أخرى” والمبعوث الأميركي توم باراك.

وقال العساف إن الفصائل انتظرت لأكثر من مئة يوم أملاً في أن يتعامل رئيس الوزراء مع تعقيدات الوضع الداخلي والإقليمي والدولي، قبل أن يلوح بإمكان الرد على الإجراءات الحكومية، متهماً السلطات بتنفيذ عمليات اقتحام لمنازل وترويع عائلات قتلى وجرحى وعناصر في الفصائل.

وأضاف أن “صبرنا بدأ ينفد تجاه الأفعال الاستفزازية وغير المسؤولة”، وذكر بأن الكتائب قد تلجأ إلى مبدأ “العين بالعين والبادي أظلم”.

وفي ختام بيانه، دعا العساف من وصفهم بـ”الإخوة الكبار وحكمائهم” إلى التدخل لمعالجة ما أسماه “الاعوجاج الأمني” الذي تسبب به “رئيس الوزراء”، محذراً من الانجرار إلى تطورات تهدد الاستقرار.

وتواجه الحكومة صعوبات في تنفيذ خطتها، في ظل رفض فصائل مسلحة، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، تسليم أسلحتها، وتمسكها بما تصفه بـ”سلاح المقاومة”.

فصائل مسلحة تتجاوز حدود الدولة

ولا تبدو مهمة حصر السلاح بيد الدولة سهلة في ظل وجود فصائل تمتلك، إلى جانب حضورها الرسمي ضمن تشكيلات الحشد الشعبي، هياكل عسكرية وقدرات تسليحية وشبكات نفوذ تمتد إلى المجالين السياسي والاقتصادي.

وتبرز بين هذه الفصائل كتائب حزب الله، التي تعد من أبرز التشكيلات المسلحة نفوذاً وتسليحاً في العراق، وترتبط بنحو وثيق بمحور المقاومة وبالحرس الثوري الإيراني، وقد شاركت في القتال ضد تنظيم داعش، قبل أن تصبح لاحقاً طرفاً رئيسياً في المواجهة مع القوات الأمريكية.

وتقدر مراكز أبحاث أمنية قوام الكتائب ما بين 10 آلاف الى 15 ألف مقاتلاً، فضلاً عن قوات احتياط وشبكات لوجستية واستخبارية، كما تضم ترسانتها، وفق التقديرات المتاحة، صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وطائرات مسيرة، ومنظومات مدفعية، وأسلحة مضادة للدروع، ووسائل اتصال واستخبارات.

ويمتد حضورها إلى بغداد وجرف الصخر والأنبار وصلاح الدين وديالى ونينوى، إضافة إلى مناطق قريبة من الحدود العراقية السورية، حيث توجد مواقع ومخازن تسليح، وفق مصادر ومراكز بحثية.

ولا يقتصر نفوذ الكتائب على الجانب العسكري، بل يمتد إلى المجال السياسي عبر حركة “حقوق”، التي تمثل الواجهة السياسية للكتائب داخل مجلس النواب، وتتحرك ضمن قوى الإطار التنسيقي، ما يمنح الفصيل مساحة للتأثير في القرار السياسي إلى جانب حضوره العسكري.

وفي ملف حصر السلاح، تتمسك الكتائب برفض تسليم أسلحتها، وتربط موقفها باستمرار الوجود العسكري الأميركي والتركي، وسلاح البيشمركة، والتطورات الأمنية في المنطقة، وهو ما ظهر أيضاً في الشروط التي تطرحها أمام الحكومة بشأن مستقبل السلاح.

النجباء: السلاح جزء من المواجهة الإقليمية

ولا يختلف موقف حركة النجباء كثيراً في جوهره، فالحركة، التي تأسست سنة 2013 بقيادة أكرم الكعبي، تعد من أبرز الفصائل القريبة من إيران، وشاركت في القتال داخل العراق وسوريا.

وتشير التقديرات الواردة في المصادر التي اعتمد عليها معد التقرير إلى أن عدد مقاتليها يتراوح بين 8 آلاف و10 آلاف عنصراً، مع امتلاكها صواريخ وطائرات مسيرة ومدفعية وآليات مدرعة وأسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة.

وينتشر عناصرها في عدد من المحافظات، بينها بغداد والنجف وكربلاء وبابل وديالى وصلاح الدين ونينوى، فضلاً عن وجود قرب الحدود العراقية السورية.

وتعلن الحركة بوضوح رفضها تسليم السلاح، وتعده، أي السلاح جزءاً من “المقاومة”، فيما يربط قادتها بقاءه باستمرار الوجود العسكري الأميركي.

كما تضع الحركة نفسها ضمن إطار “محور المقاومة” و”وحدة الساحات”، وتعلن استعدادها للتفاعل مع التطورات الإقليمية، بما في ذلك مساندة إيران إذا اتسعت المواجهة في المنطقة، وفق تصريحات نقلتها مصادر إعلامية عن قيادات فيها.

كتائب سيد الشهداء فصيل أقل نفوذاً يتمسك بالسلاح

وتأتي كتائب سيد الشهداء ضمن الفصائل التي لم تعلن موافقتها على مشروع حصر السلاح، وتأسست هي الأخرى في سنة2013 بقيادة هاشم فنيان رحيم السراجي المعروف بـ”أبي ولاء الولائي”، وشاركت في القتال ضد تنظيم داعش وفي معارك داخل سوريا.

وتقدر بعض المصادر عدد عناصرها ما بين 3 آلاف إلى 5 آلاف مقاتل، مع امتلاكها راجمات صواريخ وطائرات مسيرة ومدفعية وأسلحة متوسطة وثقيلة، وينتشر عناصرها في عدد من المحافظات، بينها بغداد والأنبار وديالى وصلاح الدين، إضافة إلى مناطق قريبة من الحدود السورية.

وعلى الرغم من أن نفوذها السياسي لا يضاهي نفوذ الفصائل الأكبر، فإنها تحتفظ بحضور داخل الحشد الشعبي والمشهد السياسي من خلال كتلة “منتصرون” النيابية، بما يتيح لها مساحة من التأثير في القرار السياسي.

أصحاب الكهف فصيل يصعب تحديد بنيته

أما “أصحاب الكهف”، فيختلف عن الفصائل السابقة من حيث طبيعة بنيته التنظيمية، فلا تعلن الجماعة هيكلاً عسكرياً واضحاً أو قيادة معروفة، كما لا تتوافر تقديرات موثوقة لحجم قواتها، فيما يرجح مراقبون أنها قد تكون واجهة عملياتية أو إعلامية لفصائل أكبر.

ظهرت الجماعة سنة 2019، ثم تصاعد نشاطها بعد اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، في بغداد عام 2020.

وارتبط اسمها ببيانات وتهديدات استهدفت مصالح أمريكية وأجنبية أخرى في العراق والمنطقة، كما أعلنت لاحقاً إعادة تشكيلها تحت اسم “كتائب صرخة القدس”.

ولا تتوافر معلومات دقيقة عن حجم قوتها أو مناطق انتشارها، إلا أن تقديرات متداولة تشير إلى امتلاكها مئات المقاتلين، وقدرات تشمل الطائرات المسيرة وصواريخ قصيرة المدى وأسلحة خفيفة ومتوسطة.

ويواصل الفصيل إصدار بيانات تؤكد استمرار نشاطه المسلح ورفضه إنهاءه، ما يضيف إلى المشهد فصيلاً آخر يصعب على الحكومة التعامل معه بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع التشكيلات الرسمية.

وتكشف خريطة هذه الفصائل أن التحدي أمام بغداد، لا يتعلق بمجرد جمع الأسلحة من مجموعات مسلحة، بل بالتعامل مع تشكيلات تمتلك قواعد ومقاتلين وترسانات عسكرية وشبكات نفوذ، بعضها مرتبط بمؤسسات الدولة رسمياً، فيما يحتفظ في الوقت نفسه بقرار عسكري مستقل.

في المقابل، تمكنت الحكومة العراقية من إقناع بعض الفصائل المنضوية تحت الحشد الشعبي، بتسليم سلاحها، مثل “سرايا السلام” التابعة لزعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، و”عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي”.

تجميد السلاح الثقيل أو إبقائه مع الحشد

ومع تعثر التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل سلاح الفصائل، بدأت تبرز مقترحات تتعامل مع الملف بوصفه قضية يمكن تأجيل حسمها، بدلاً من المضي مباشرة نحو نزع السلاح وتسليمه إلى مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، أفادت مصادر سياسية وعسكرية بأن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، حمل إلى الفصائل المسلحة في العراق أفكاراً من بينها “تجميد” السلاح الثقيل أو إخفاؤه، بما يتيح تجنب مواجهة مباشرة بين الحكومة العراقية والفصائل الموالية لطهران، إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية بشأن مستقبل هذا السلاح.

ويكشف مصدر في هيئة الحشد الشعبي، أن هذا الاتجاه ينسجم مع ما يصفه بمحاولات بعض الفصائل إطالة أمد الحوار بشأن نزع السلاح، انتظاراً لما ستؤول إليه التطورات السياسية والأمنية في المنطقة.

ويقول المصدر إن الفصائل “تحاول المماطلة في الحوار فيما يخص ملف نزع السلاح لحين انتهاء الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب”، في إشارة إلى اعتقادها بأن موازين القوى الإقليمية قد تتغير خلال هذه الفترة، بما يعيد رسم موقفها من تسليم السلاح.

ويضيف أن تمسك الفصائل بسلاحها يرتبط، من وجهة نظرها، بتسارع الأحداث في المنطقة والخشية من تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران واتساع نطاقها.

ويرى المصدر أن هذه الفصائل تعتبر سلاحها، في ظل هذه الاحتمالات، وسيلة للدفاع عن نفسها، فضلاً عن كونه أداة يمكن استخدامها ضمن ما تسميه “وحدة الساحات”.

ولا تقتصر الخيارات المطروحة على إبقاء السلاح في حوزة الفصائل بصورة مباشرة، فبحسب المصدر، اقترحت بعض الفصائل نقل أسلحتها الثقيلة إلى الألوية التابعة لها ضمن هيئة الحشد الشعبي، بدلاً من تسليمها بصورة مباشرة إلى وزارتي الدفاع أو الداخلية.

ووفق هذا الطرح، تبقى الأسلحة داخل مؤسسة رسمية من الناحية الإدارية، لكنها تظل في نطاق وحدات مرتبطة بالفصائل، بما يتيح إعادة استخدامها إذا اقتضت التطورات الأمنية ذلك.

وفي مقابل هذه الترتيبات التي تبحثها بعض الفصائل للإبقاء على أسلحتها الثقيلة ضمن وحدات مرتبطة بها داخل الحشد الشعبي، برز مسار مختلف لدى “عصائب أهل الحق”، التي يقودها قيس الخزعلي، أحد أبرز أقطاب “الإطار التنسيقي”.

فقد أفادت مصادر محلية بأن الفصيل بدأ خطوات عملية لتسليم جزء من أسلحته إلى الدولة، في تطور قد يشكل اختباراً لجدية مسار حصر السلاح وآلية تطبيقه على بقية الفصائل.

وبحسب ما نقلته تلك المصادر، سلمت “عصائب أهل الحق”، التي وافقت في حزيران/يونيو 2026 على فك ارتباطها، أسلحة كانت موجودة في أحد مقراتها في ناحية اليوسفية جنوب بغداد.

وذكرت إن الأسلحة تعود إلى اللوائين 41 و42، اللذين اندمجا مؤخراً ضمن هيئة “الحشد الشعبي”، وشملت أقل من 10 طائرات مسيّرة، بعضها محلي الصنع وأخرى إيرانية المنشأ، وجميعها كانت من دون ذخيرة، إلى جانب أسلحة متنوعة أخرى.

وجرت عملية التسليم، وفق التقارير نفسها، بحضور اللجنة المشرفة على تسلم أسلحة الفصائل، والتي تضم ممثلين عن وزارات الداخلية والدفاع، ومستشارية الأمن الوطني، وهيئة “الحشد الشعبي”.

ولا يعني هذا التسليم، بحد ذاته، أن الخلاف حول مستقبل سلاح الفصائل قد حسم، لكنه يقدم نموذجاً مختلفاً عن الطروحات التي تدفع باتجاه تجميد السلاح الثقيل أو إبقائه داخل ألوية مرتبطة بالفصائل.

وفي وقت تتباين فيه مواقف الفصائل بين التسليم الجزئي والتمسك بالسلاح، كان ائتلاف “إدارة الدولة”، الذي يضم أبرز القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية، قد وضع سقفاً زمنياً أكثر وضوحاً لمسار حصر السلاح بيد الدولة.

وخلال اجتماعه في الخامس من آب/أغسطس، أكد الائتلاف ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، محذراً من الجهات التي تمارس نشاطاً يهدد أمن البلاد خارج إطار المؤسسات الرسمية، ووصفها بأنها “خارجة عن القانون ويجب محاربتها”.

ولم يكتفي الائتلاف بتأكيد المبدأ، بل حدد موعداً للتعامل مع أي نشاط مسلح خارج مؤسسات الدولة، إذ حذر من أن استمرار أي نشاط من هذا النوع بعد 30 أيلول/سبتمبر سيضع الجهات المعنية أمام إجراءات تستند إلى قانون مكافحة الإرهاب.

آليات حكومية لحصر السلاح

وسبقت الحكومة هذه التطورات بخطوات عملية لوضع آلية لتنفيذ قرار حصر السلاح، ففي الثالث من حزيران/يونيو2026، أعلن القائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، تشكيل لجنة مشتركة تتولى وضع الآليات المناسبة لتنفيذ إجراءات فك الارتباط بالحشد الشعبي، وحصر السلاح بيد الدولة، بما ينسجم مع الدستور والقانون ويعزز سلطة الدولة ويدعم الأمن والاستقرار.

وباشرت اللجنة عملها، لتحديد آلية دمج التشكيلات المعنية وتسليم الأسلحة والمعدات، وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، إن تشكيل اللجنة جاء استجابة لدعوة المرجعية الدينية وضمن سياسة الحكومة وبرنامجها الوزاري، مؤكداً ضرورة حصر السلاح وتوحيد الخطاب الأمني.

وأوضح النعمان أن الأسلحة والمعدات المشمولة بالإجراءات ستسلم إلى اللجنة المركزية والجهات الأمنية العراقية، مع تقديم جرد كامل بها، فيما تضم اللجنة ممثلين عن وزارات الدفاع والداخلية وقيادة العمليات المشتركة وهيئة الحشد الشعبي.

وبحسب النعمان، فإن العملية لا تقتصر على تسليم السلاح، وإنما تشمل إعادة هيكلة التشكيلات وتنظيم أوضاع المقاتلين، بما يضمن حقوقهم عبر دمجهم في الأجهزة الأمنية وفق الأطر القانونية.

وفي المقابل، أكد رئيس لجنة فك الارتباط وحصر السلاح بيد الدولة، الفريق أول الركن قيس المحمداوي، أن المشروع يقتصر على الفصائل المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي، نافياً وجود توجه لدمج فصائل من خارج الحشد ضمن هذه الإجراءات.

وشدد المحمداوي، على أن جميع التشكيلات داخل هيئة الحشد الشعبي ستخضع لقيادة الدولة حصراً، وأن الهدف الأساسي هو إنهاء أي ارتباط للسلاح بالعناوين السياسية أو الدينية، وبناء قوات أمنية تعمل ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية.

وقال إن إجراءات عملية بدأت بالفعل، بينها خطوات مرتبطة بإعادة تنظيم بعض الألوية ونقلها من مواقعها، بالتنسيق بين قيادة الجيش والتشكيلات المعنية. كما أشار إلى أن بعض الفصائل أبدت تفاعلاً مع هذه التوجهات، من بينها سرايا السلام وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي.

لكن المحمداوي، يقر  بأن عملية تسليم السلاح لن تكون سريعة أو آنية، بل تحتاج إلى وقت وإجراءات تنظيمية ولوجستية، مؤكداً في الوقت نفسه أن الهدف هو منع تحول الملف إلى مصدر خلاف داخلي.

مساران متوازيان.. التنفيذ والوساطة

وتؤكد تصريحات رئيس خلية الإعلام الأمني سعد معن، أن الحكومة تتحرك على مسار مؤسسي بالتوازي مع المسار السياسي، فقد قال إن عدداً من الفصائل المنضوية تحت الإدارة الرسمية لهيئة الحشد الشعبي باشرت فعلياً إجراءات تسليم سلاحها، فيما تسير فصائل أخرى في الاتجاه نفسه.

وأوضح معن أن هذه الخطوات تأتي ضمن ترتيبات مؤسسية وقانونية تهدف إلى تنظيم وضع التشكيلات والمقاتلين بما ينسجم مع الإطار الرسمي للدولة.

وأكد أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل “مساراً وطنياً وأمنياً” يهدف إلى تعزيز هيبة الدولة وسيادة القانون، ولا يستهدف فصيلاً أو جهة أو مكوناً بعينه.

وأضاف أن حصر السلاح لا يعني حصره بفئة أو تشكيل محدد، وإنما يشمل كل سلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية للدولة، أياً كانت الجهة التي تمتلكه، بما في ذلك السلاح العشائري وأي سلاح لا يخضع للضوابط والقوانين النافذة.

وبحسب معن، تنظر الدولة إلى الملف من زاوية أمنية وقانونية ووطنية، بهدف وضع جميع أدوات القوة والسلاح ضمن الأطر التي حددها القانون بما يحفظ أمن المواطنين ويمنع استخدام السلاح خارج السياقات الرسمية.

كما أشار إلى أن هيئة الحشد الشعبي ستعمل على تنظيم حقوق المقاتلين في مختلف الفصائل والتشكيلات وحفظ حقوق عائلاتهم وتضحياتهم وفق الضوابط والقوانين المعمول بها.

والحشد الشعبي مظلة أمنية وعسكرية عراقية رسمية تأسست عام 2014 استجابة لفتوى المرجع الديني علي السيستاني لمواجهة تنظيم داعش، قبل أن تدمج رسمياً ضمن القوات المسلحة عام 2016.

وفي محاولة لطمأنه الفصائل، نفى معن، وجود توجه نحو الصدام معها، مؤكداً أن الحكومة “ليست في صراع مع أي تشكيل أو فصيل”، وأنها لا تتعامل مع الملف بمنطق المواجهة أو الإقصاء، وإنما بوصفه مسؤولية دستورية وقانونية تتعلق بأمن العراق واستقراره.

لكن تنفيذ القرار لا يعتمد على الأدوات المؤسسية وحدها، ففي ظل وجود فصائل لا تزال ترفض التسليم، دخلت قوى داخل “الإطار التنسيقي” على خط الأزمة، لتعمل عبر مسار سياسي موازي للمسار الحكومي.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، أن الإطار التنسيقي شكل لجنة، بالتنسيق مع الحكومة، بهدف إيجاد الآليات المناسبة لتنفيذ عملية حصر السلاح بيد الدولة.

وضمت اللجنة، وفق المصادر، زعيم منظمة بدر هادي العامري، ورئيس تيار الحكمة عمار الحكيم، اللذان بدءا التحرك باتجاه عدد من الفصائل المعنية، ولا سيما تلك التي لا تزال ترفض تسليم سلاحها، بهدف الاستماع إلى مواقفها وبحث صيغة لتنفيذ قرار الحصر من دون الانزلاق إلى مواجهة مسلحة بين القوات الأمنية والفصائل.

وبحسب المصادر ذاتها، لم تقتصر مهمة العامري، والحكيم، على التفاوض بشأن آلية التعامل مع السلاح، بل شملت محاولة تهدئة التصعيد السياسي والأمني بين رئيس الوزراء علي الزيدي، وبعض الفصائل المسلحة.

 وفي مقدمتها كتائب حزب الله وحركة النجباء، في ظل تباين واضح بشأن توقيت تنفيذ القرار وشكله والضمانات التي تطالب بها الفصائل مقابل الانتقال إلى صيغة جديدة لعلاقتها بالمؤسسات الرسمية.

خلاف سياسي بشأن موعد حصر السلاح

لكن الخلاف لم يعد محصوراً بين الحكومة والفصائل المسلحة، إذ بدأت مواقف سياسية داخل المعسكر المؤيد للحكومة تثير شكوكاً بشأن إمكانية تنفيذ القرار ضمن الموعد المحدد، وتطرح الحوار والتوافق بديلاً عن أي إجراء قد يقود إلى مواجهة.

وفي هذا السياق، يستبعد عضو ائتلاف دولة القانون زهير الجلبي إمكانية تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة بحلول نهاية أيلول/سبتمبر 2026، وذكر أن وجود القوات الأجنبية في العراق يجعل المضي في القرار قبل التوصل إلى اتفاق سياسي شامل أمراً صعباً.

ويربط الجلبي، نجاح عملية حصر السلاح بكون القرار عراقياً خالصاً، محذراً من أن تنفيذه من دون تفاهم بين الأطراف السياسية قد يفتح الباب أمام مواجهة جديدة، في موقف يتقاطع مع تحذيرات سابقة أطلقها نوري المالكي من احتمال الاقتتال مع حلول الموعد المحدد.

ويقول الجلبي، إن “سلاح المقاومة غير مرتبط بوقت معين”، وإن حصره، إذا ما تقرر، يجب أن يأتي ضمن مسار أوسع لفرض سيادة الدولة على كامل الأراضي العراقية، وبالحوار والتوافق، خصوصاً إذا كان القرار يستند إلى موقف وطني ومرجعي.

ولا يحصر الجلبي، القوات الأجنبية محل النقاش بالقوات الأمريكية، إذ يتوقع بروز إشكالات أخرى تتعلق بوجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية، مستشهداً بالوجود العسكري التركي، وبذلك، يضع ملف حصر السلاح في إطار أوسع يتعلق بسيادة الدولة، ويرى أن معالجة هذا الملف لا يمكن فصلها عن ملف الوجود العسكري الأجنبي.

لكن هذا الطرح لا يعني في المقابل، رفض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة داخل القوى السياسية المؤيدة للحكومة، فالمتحدث باسم تحالف النصر ضمن قوى الإطار التنسيقي، سلام الزبيدي، يقر بأن الملف يمثل تحدياً كبيراً أمام الحكومة، لكنه يقدمه بوصفه مرحلة جديدة نحو استكمال سيادة العراق وتوحيد القرار السياسي والأمني واستعادة قوة الدولة.

ويقول الزبيدي، إن بعض الأطراف تحاول تصوير الأمر وكأن الحكومة في مواجهة مع الفصائل المسلحة، فيما ينصب التركيز الإعلامي على سلاح الفصائل وحده، رغم وجود أسلحة خارج مؤسسات الدولة لدى جهات أخرى، بينها بعض العشائر، ويرى أن سلاح الفصائل لم يستخدم ضد الدولة أو الشعب العراقي، ما يجعل معالجة الملف، من وجهة نظره، قضية تحتاج إلى حوار لا إلى صدام.

وفي الوقت نفسه، يؤكد الزبيدي، أن الحكومة أعلنت بوضوح ضرورة فك ارتباط الفصائل بالكيانات الحزبية والسياسية وأجنحتها العسكرية، بحيث يحصر السلاح تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة، مع إمكانية إجراء تغييرات أو تدوير في القيادات ضمن سياق تنظيمي ومؤسسي.

ويشدد الزبيدي، على أنه لا توجد دولة تسمح بوجود فصائل خارج نطاقها تفرض شروطاً عليها، فالدولة، وفق رؤيته، كيان مؤسسي وليست شخصاً بعينه، وأي شروط تفرض خارج هذا الإطار تعد خرقاً للدستور والقانون والسيادة الوطنية.

ومع ذلك، يرى أن الوصول إلى هذه النتيجة لا يستلزم مواجهة عسكرية، مؤكداً أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل الملف.

ويشير إلى أن رئيس الوزراء علي الزيدي طمأن الجميع خلال “حوار بغداد” إلى أن الحكومة لن تلجأ إلى مواجهة مع الفصائل، لأنها جزء من الشعب وقدمت تضحيات، وإنما المطلوب هو انخراطها ضمن مؤسسات الدولة وفق السياقات القانونية والسياسية المعمول بها.

  • أنجز التقرير بإشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية.

المزيد عن تحليل

تحليل, تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35319}" data-page="1" data-max-pages="2" data-start="1" data-end="1">