تحليل: العراق أمام عقدة الإصلاح… كيف تُصلح الحكومة دولة لم تستكمل بناءها؟

العراق أمام عقدة الإصلاح… كيف تُصلح الحكومة دولة لم تستكمل بناءها؟

المشكلة في العراق ليست أن طريق الإصلاح مجهول، بل أن الأدوات التي يُفترض أن تنفذه هي نفسها جزء من الأزمة. فكيف يمكن لحكومة أن تحارب الفساد عبر مؤسسات اخترقها بفسادها النفوذ السياسي الحزبي؟ وكيف تحصر السلاح بيد دولة ما زالت تنافسها مراكز قوة على قرارها؟ وكيف تعيد هيكلة اقتصاد يعتمد ملايين الموظفين غير المنتجين فيه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الإنفاق الحكومي؟ ما يعطل فرصة مساءلة الشعب للحكومة

دلوفان برواري

هي ليست ثلاثة ملفات منفصلة، بل وجوه مختلفة لعقدة واحدة رافقت العراق منذ عام 2003. فقد تغير النظام السياسي، وتعاقبت الحكومات والانتخابات والبرامج المعلنة، واتسعت مساحة التعددية والحريات، لكن عملية بناء الدولة لم تكتمل بالقدر نفسه. بقي الاقتصاد شديد الارتباط بالنفط الذي رسم حدود الإنفاق العام، وتضخم الجهاز الحكومي بنحو خطر، وتداخل النفوذ الحزبي مع المؤسسات، فيما ظل السلاح والقرار في بعض الملفات موضع تنازع بين الدولة وقوى خارج بنيتها الرسمية. وهذه هي المفارقة التي تجعل الإصلاح أكثر تعقيداً من مجرد برنامج حكومي جديد معلن.

لذلك، فإن السؤال الذي يواجه حكومة علي الزيدي هو ليس فقط: ماذا ستفعل لإصلاح العراق؟ بل : هل تمتلك الدولة نفسها الأدوات التي تسمح للحكومة بتنفيذ الإصلاح؟

من هنا تبدأ العقدة. فقبل الحديث عن مكافحة الفساد، وإصلاح الاقتصاد، وترشيق الجهاز الحكومي، وتعديل قوانين الانتخابات والأحزاب، ربما ينبغي العودة إلى سؤال أسبق من كل ذلك: أي دولة يريد العراق أن يكون؟ وما الذي يجب استعادته أولاً حتى يصبح الإصلاح والبناء ممكناً؟

من أزمة النظام إلى أزمة الدولة

لم تكن نتائج هذا التيه إدارية واقتصادية فقط. فمع ضعف المؤسسات، تحولت الأحزاب والقوى السياسية تدريجياً من أدوات للعمل داخل الدولة إلى قوى تنافسها على بعض وظائفها ونفوذها، وأصبحت السيطرة على المؤسسات والوظائف والموارد إحدى وسائل بناء القوة السياسية والمحافظة على الجمهور.

ومع الوقت تشكلت دائرة يصعب كسرها: القوى السياسية تستغل موارد الدولة بصورة جائرة لتعزيز نفوذها، والنفوذ السياسي يمنحها قدرة أكبر على الوصول إلى موارد الدولة ودون مساءلة. وفي مثل هذه البيئة، لا يعود الفساد مجرد موظف يتقاضى رشوة أو مسؤول يختلس المال العام، بل يصبح، في بعض الحالات، جزءاً من بنية أوسع تتداخل فيها السياسة بالإدارة والاقتصاد. 

وهنا تنتقل المشكلة من سوء إدارة الدولة إلى أزمة بنيوية في الدولة نفسها.

فالدولة لا تُقاس فقط بوجود حكومة وبرلمان ووزارات وجيش وشرطة، وإنما بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح وتنفيذه داخل حدودها. وعندما تستطيع قوى من خارج مؤسساتها التأثير في القرار السياسي والأمني والاقتصادي، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: من يحكم العراق؟ بل أين يُتخذ القرار العراقي وكيف ولمصلحة من؟

حكومة تريد الإصلاح… ولكن بأية أدوات؟

هذه هي المعضلة التي تواجه حكومة علي الزيدي، ولا سيما أنها وضعت أمامها هدفين شديدي الصعوبة: حصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفساد.

قد تمثل الإجراءات الأمنية والملاحقات والتحقيقات اختباراً لجدية هذه التوجهات، لكن نجاح عملية أمنية أو اعتقال مسؤولين لا يعني انهيار منظومة الفساد؛ فهناك فرق جوهري بين ملاحقة فاسدين هنا وهناك وبين تفكيك البيئة التي تنتج الفساد وتحميه وتعيد إنتاجه

والأمر نفسه ينطبق على السلاح. يمكن جمع بعض الأسلحة، ويمكن أن تعلن قوى مختلفة التزامها بالدولة وقرارها، لكن حصر السلاح لا يتحقق بصورة مستدامة إلا عندما تصبح مؤسسات الدولة صاحبة القرار الأمني النهائي، ويصبح استخدام القوة محتكرا من قبل الدولة وخاضعاً للقانون والسلطات الدستورية وحدها.

وهنا تظهر مفارقة الإصلاح في أوضح صورها: كيف يمكن إصلاح المؤسسات كضرورة بأدوات مؤسسات مهشمة تعاني نفسها من الضعف والتسييس؟

الإصلاح يبدأ من استعادة القرار

لهذا، ربما لا تكون نقطة البداية تحرير الاقتصاد، ولا قانون انتخابات يمنع استغلال المال العام فقط، ولا حتى ترشيق الجهاز الحكومي، على أهمية كل هذه الملفات. نقطة البداية هي استعادة قدرة الدولة على اتخاذ القرار وتنفيذه.

ولا يمكن استعادة القرار السياسي بصورة كاملة طالما بقيت هناك مراكز قوة تستطيع فرض إرادتها خارج السياقات الدستورية وخارج مصالح الدولة.

من هنا يصبح حصر السلاح بيد الدولة أكثر من مجرد ملف أمني؛ إنه أحد الشروط الأساسية لإعادة بناء النظام السياسي. فاحتكار الدولة للقوة يعني عملياً أن السياسي لم يعد بحاجة إلى جناح مسلح لحماية نفوذه، وأن الحكومة تستطيع تطبيق القانون من دون حساب موازين قوة موازية للمؤسسات، وأن قرار الحرب والسلم يعود إلى الدولة. 

لكن استعادة القرار، على أهميتها، ليست كافية وحدها.

الاقتصاد… شراء الوقت للإصلاح

الإصلاحات الكبرى ليست مجانية سياسياً أو اجتماعياً. فلا يمكن مطالبة حكومة بإعادة هيكلة الدولة وتقليص الإنفاق وإصلاح الجهاز الإداري، وفي الوقت نفسه ترك ملايين المواطنين الذين ترتبط دخولهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالدولة أمام مستقبل اقتصادي غير واضح.

ولهذا تحتاج الحكومة، بالتوازي مع استعادة القرار، إلى ضمان قدرتها المالية على دفع الرواتب والالتزامات الأساسية خلال فترة انتقالية تمنح مشروع الإصلاح فرصة للحياة.

وتكشف اضطرابات طرق تصدير النفط الواردة في سياق الأزمة الراهنة هشاشة الاعتماد على مورد رئيسي واحد وطرق تصدير معرضة للتأثر بالأزمات الإقليمية. فدولة تعتمد بدرجة كبيرة على النفط لا تستطيع بناء مشروع إصلاح طويل الأمد إذا كانت قدرتها على تمويل نفسها عرضة للاهتزاز مع أزمة لا تتحكم بمسارها. 

لذلك، لا ينبغي النظر إلى تأمين الإيرادات باعتباره حلاً اقتصادياً فقط، بل بوصفه شراءً للوقت السياسي والاجتماعي اللازم للإصلاح.

وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الإصلاح الذي يفقد قاعدته الاجتماعية قبل أن تظهر نتائجه قد يسقط سياسياً حتى لو كان صحيحاً اقتصادياً.

بعد ذلك تبدأ الجراحة الصعبة

إذا نجحت الحكومة في تثبيت ثلاثة شروط: احتكار الدولة للقوة، واستعادة القرار السياسي، وتأمين الاستقرار المالي للمرحلة الانتقالية، يمكن عندها الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الدولة.

وتبدأ هذه المرحلة بمراجعة تشريعية واسعة تزيل التناقض بين طبيعة النظام الدستوري وبين قوانين وأنظمة ورثها العراق من مراحل سابقة، ثم إعادة هيكلة الجهاز الحكومي.

لكن ترشيق الدولة لا يعني ببساطة فصل مئات الآلاف من الموظفين؛ لأن معالجة تضخم الجهاز الحكومي بهذه الطريقة قد تنقل الأزمة من الموازنة إلى المجتمع والشارع.

المطلوب انتقال تدريجي يعيد توزيع القوى العاملة، ويحد من استخدام الوظيفة العامة كوسيلة للاسترضاء السياسي، ويبني بالتوازي قطاعاً خاصاً يستطيع استيعاب الداخلين إلى سوق العمل. 

وينطبق المنطق نفسه على الإصلاح النقدي والمصرفي. فتغيير سعر صرف الدينار أو إعادة هيكلة فئاته النقدية لا ينبغي أن يتحول إلى شعار أو حل سحري. تغيير شكل العملة لا يغير بنية الاقتصاد إذا بقيت الدولة ريعية، والمصارف ضعيفة، وجزء واسع من النشاط الاقتصادي خارج الأنظمة المالية الحديثة.

وقد يكون إصلاح النظام المصرفي، والتوسع في المدفوعات الإلكترونية، وربط قواعد البيانات الحكومية والأنظمة البايومترية، أكثر تأثيراً في مكافحة بعض أنماط الفساد من إجراءات نقدية منفردة؛ لأن الفساد يستفيد من المساحات التي لا تستطيع الدولة رؤيتها، وكلما أصبحت حركة الأموال والرواتب والعقود والمستفيدين قابلة للتتبع، ضاقت تلك المساحات. 

السياسة تأتي بعد استعادة الدولة

لكن الإصلاح السياسي لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.

فالدولة التي يعاد بناؤها بالأدوات السياسية القديمة قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها. لذلك ينبغي أن تمتد عملية الإصلاح لاحقاً إلى قوانين الانتخابات والأحزاب والتمويل السياسي وآليات الرقابة، بحيث تتحول المنافسة تدريجياً من صراع بين شبكات نفوذ على مؤسسات الدولة إلى منافسة بين برامج سياسية على إدارة الدولة.

المشكلة ليست في وجود الأحزاب أو التعددية؛ فهما من صميم النظام الديمقراطي. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحزب أقوى من المؤسسة، والانتماء السياسي أقوى من معيار الكفاءة، والوصول إلى موارد الدولة أحد شروط الاستمرار في المنافسة السياسية.

ولهذا فإن إصلاح الانتخابات من دون إصلاح الأحزاب، أو إصلاح الأحزاب من دون ضبط المال السياسي، أو ضبط المال السياسي مع بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة، سيعالج أجزاء من المشكلة ويترك بنيتها الأساسية قائمة. 

قرارات أفضلها مُرّ

من السهل أن تخلق الإجراءات الأولى ضد الفساد أو السلاح موجة من التفاؤل، خصوصاً لدى مجتمع أنهكه الحديث عن الإصلاح من دون نتائج ملموسة. لكن الخطر المقابل هو أن تتحول التوقعات المرتفعة سريعاً إلى خيبة جديدة إذا جرى التعامل مع حملة أو عملية واحدة وكأنها قادرة على معالجة تراكم أكثر من عقدين.

إعادة بناء الدولة العراقية، إذا بدأت فعلاً، لن تكون سلسلة من القرارات الشعبية؛ بل قد تكون سلسلة من قرارات أفضلها مُرّ: مواجهة مصالح سياسية، وإعادة هيكلة الإنفاق، وإصلاح جهاز حكومي ضخم، وتغيير تشريعات، وإصلاح المصارف، وإعادة تعريف العلاقة الاقتصادية بين المواطن والدولة.

وكل خطوة من هذه الخطوات ستخلق متضررين، وكل متضرر يملك نفوذاً سيحاول إبطاء الإصلاح أو تعطيله. 

لهذا، فإن السؤال الذي سيحدد مصير حكومة الزيدي ليس ما إذا كانت تمتلك برنامجاً طموحاً؛ فقد عرف العراق الكثير من البرامج الطموحة. السؤال الأهم هو: هل تستطيع الحكومة امتلاك الأدوات التي تسمح لها بتنفيذ برنامجها؟

قبل مكافحة الفساد على نطاق شامل، وقبل إصلاح الاقتصاد، وقبل إعادة هيكلة الإدارة والنظام الانتخابي، هناك ثلاثة شروط يصعب القفز فوقها: دولة تحتكر القوة، ومؤسسات تحتكر القرار، واقتصاد يمنح الحكومة الوقت اللازم للإصلاح.

إذا تحققت هذه الشروط، يمكن أن تبدأ رحلة طويلة لإعادة بناء الدولة. أما إذا بقي السلاح موزعاً، والقرار موزعاً، والموارد معرضة للاهتزاز مع كل أزمة نفطية أو إقليمية، فسيظل الحديث عن الإصلاح أكبر من قدرة أية حكومة على تنفيذه.

وعندها لن تكون المشكلة فشل حكومة علي الزيدي وحدها، بل أن العراق، بعد أكثر من عقدين على تغيير نظامه السياسي، ما زال يبحث عن الدولة التي كان يفترض أن يبنيها ذلك النظام

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35324}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">