دورة برلمانية- حكومية أخرى.. النساء على الهامش في الحياة السياسية العراقية
كوتا أم اقصاء.. أين تقف النساء في السياسة العراقية؟
كوتا أم اقصاء.. أين تقف النساء في السياسة العراقية؟

حين أقرَّ الدستورُ العراقي عام 2005 مبدأ المساواة بين المواطنين، بدا أن النساء يقفن على أعتاب مرحلة جديدة من المشاركة السياسية؛ فقد نصت المادة 14 على المساواة أمام القانون، وأكدت المادة 20 حق جميع العراقيين في المشاركة في الشؤون العامة، بينما جاءت المادة 49/ رابعاً، لتضمن للنساء ما لا يقلّ عن 25% من مقاعد مجلس النواب عبر نظام الكوتا. وعلى الورق، بدا العراق واحداً من أكثر الدول العربية تقدماً في ضمان التمثيل السياسي للمرأة (ما زال كذلك بالفعل، أو هذا ما تُظهره الأرقام)، لكن بعد مرور أكثر من عقدين على هذا الدستور، صار الواقع يفرض سؤالاً مختلفاً: هل نجحت الكوتا في صناعة قوة سياسية نسائية، أم أنّها تحوّلت إلى آلية تمنح النساء مقاعد داخل البرلمان دون أن تمنحهن سلطة حقيقية، حتى داخله؟
منذ أول انتخابات تشريعية بعد عام 2003، كانت الأرقام تبدو مطمئنة. ففي عام 2006 ترشحت 1980 امرأة من أصل 7655 مرشحاً، وفازت النساء ب70 مقعداً من أصل 275. إلّا أن هذه البداية لم تعكس تحولاً سياسياً حقيقياً، إذْ لم تشهد الدورة البرلمانية تلك تقديم أيّ مشروع قانون يعالج قضايا المرأة أو يواجه العنف والتمييز الواقع عليها. وعلى مستوى السلطة التنفيذية، اقتصر حضور النساء على 4 وزيرات من أصل 36 وزارة، وكانت الوزارات ذات طابع اجتماعي او انساني، بينما بقيت الوزارات السيادية والأمنية والاقتصادية حكراً على الرجال.
هذا التناقض بين النص الدستوري والممارسة السياسية لم يكن استثناءً في دورة واحدة بقدر ما أصبح نمطاً متكرراً، فالكوتا ضمنت حضوراً نسائياً داخل البرلمان، لكنها لم تنجح في تحويل هذا الحضور العددي إلى نفوذ تشريعي أو رقابي. ومع غياب أي مؤشرات رسمية تقيس أداء النائبات، ظلّ تقييم مشاركتهن قائماً على الانطباعات أكثر من البيانات، وهو بحد ذاته يعكس خللاً مؤسسياً في التعامل مع قضية التمثيل السياسي للمرأة.
وفي انتخابات عام 2010، تراجع عدد المرشحات الى 1801 من أصل 6172 مرشحاً، لكن عدد المقاعد النسائية ارتفع الى 82 مقعداً من أصل 325. وللمرة الأولى برزت أسماء نسائية في العمل الرقابي، غير أن هذه الحالات بقيت استثناءات فردية أكثر من كونها ظاهرة سياسية تعكس حضوراً نسائياً مؤثراً داخل البرلمان.
في المقابل، شهدت هذه الدورة تطوراً مهماً خارج المؤسسة التشريعية أكثر مما شهدته داخلها. ففي عام 2012 بدأت أول محاولة جدية لإعداد مشروع قانون الحماية من العنف الأسري، لكن المبادرة لم تأت من البرلمان، بل جاءت نتيجة ضغوط مشتركة مارستها منظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها شبكة النساء العراقيات، بالتعاون مع مجلس القضاء الأعلى وعدد من المؤسسات الحكومية. وهو ما يكشف مفارقة لافتة، فالقضايا الأكثر ارتباطاً بحقوق المرأة لم تكن تُدفع من داخل البرلمان الذي تشغل النساء رُبعَ مقاعده، وإنما من خارجه، عبر ناشطات ومنظمات مدنية.
ومع انتخابات عام 2014 بدا المشهد أكثر تعقيداً. فقد ارتفع عدد المرشحات الى 2607 امرأة، وهو أعلى رقم منذ عام 2003، كما حافظت النساء على 83 مقعداً في البرلمان. وبرزت أسماء مثل حنان الفتلاوي وماجدة التميمي إلى جانب عالية نصيف في ملفات الاستجواب والرقابة، إلّا أن تأثيرهن بقي محدوداً أمام بنية سياسية تُدار بمنطق الكتل الحزبية أكثر من الكفاءة النيابية. ففي عام 2015 ألغت الحكومة وزارة الدولة لشؤون المرأة، واستبدلتها بدائرة تمكين المرأة التابعة للأمانة العامة لمجلس الوزراء. وقد حمل هذا القرار دلالة سياسية تتجاوز إعادة الهيكلة الإدارية، إذْ عكس تراجعاً في المكانة الرسمية لقضايا المرأة داخل بنية الدولة. فالوزارة، رغم محدودية صلاحياتها، كانت تمثّل اعترافاً سياسياً بوجود ملف مستقل يتعلق بحقوق النساء، بينما أدى الغاؤها الى تقليص هذا الملف الى دائرة ادارية أقل تأثيراً.
وفي الوقت نفسه، كان مشروع قانون الحماية من العنف الأسري يتنقل بين اللجان الحكومية والبرلمانية، ويخضع لتعديلات استمرت سنوات، ثم يتعثر وينتنهي الحديث عنه مع انتهاء كلّ دورة برلمانية. ولم يكن سبب التعثر نقصاً في الدراسات أو المسودات القانونية، بقدرغياب الإرادة السياسية اللازمة للتصويت عليه. وهنا يتكرر السؤال ذاته: كيف يمكن لبرلمان تشغل النساء ربع مقاعده أن يعجز عن إقرار قانون يُعَدُّ من أكثر التشريعات ارتباطاً بأمن المرأة وحقوقها الأساسية؟
هذه المفارقة تكشف أن المشكلة لا تكمن في عدد النساء داخل البرلمان، وإنما في طبيعة النظام السياسي الذي يعملن داخله. فالنائبة غالباً لا تصل الى البرلمان باعتبارها ممثلة لقاعدة اجتماعية مستقلة، وانما بوصفها جزءاً من منظومة حزبية تفرض عليها أولوياتها وإيدلوجيتها السياسية، وهو ما يجعل الولاء للحزب أو الكتلة متقدماً على تمثيل قضايا النساء.
وبذلك تحولت الكوتا، التي كان يُفترض أن تكون وسيلة لتصحيح الخلل في التمثيل السياسي، الى آلية تضمن الحضور العددي أكثر مما تضمن الاستقلال السياسي. فالمرأة موجودة داخل المؤسسة التشريعية، لكنها لا تملك حرية التصويت أو المبادرة أو حتى تحديد أجندتها الخاصة، في حالة يمكن اعتبارها انتقالاً من مرحلة الإقصاء المباشر إلى الاحتواء السياسي، أي وجود داخل المؤسسات، لكن ضمن حدود يرسمها الفاعلون السياسيون الذكور.
لم تحمل انتخابات عام 2018 تغييراً جوهرياً في موقع المرأة داخل النظام السياسي العراقي، رغم استمرار حضورها العددي. فقد ترشحت 2011 امرأة من أصل 6990 مرشحاً، وحصلت النساء على 83 مقعداً من أصل 329، وهي النسبة ذاتها تقريباً التي سجلتها الدورة السابقة. أما على مستوى الحكومة، فقد شغلت النساء 3 حقائب وزارية في حكومة عادل عبد المهدي، ثم تقلّص حضورُهن إلى وزيرة واحدة فقط في حكومة مصطفى الكاظمي. وبين الحكومتين ظلّ النمط نفسه قائماً؛ فالنساء يحضرن في وزارات ذات طابع خدمي أو إنساني، بينما بقيت وزارات الدفاع والداخلية والنفط والخارجية والمالية خارج دائرة التمثيل النسائي في معظم الأحيان. ويُستثنى من ذلك إقبال جبر، التي شغلت منصب وزيرة المالية في الحكومة العراقية الانتقالية برئاسة إبراهيم الجعفري (2005-2006)، وكانت أول امرأة تتولى هذه الحقيبة السيادية في العراق. كما تولّت طيف سامي محمد منصب وزيرة المالية بالوكالة خلال 2022-2023، قبل تثبيتها لاحقاً وزيرةً للمالية في حكومة محمد شياع السوداني. وفي حكومة عادل عبد المهدي تولّت عديلة حمود وزارة الصحة، وهي وزارة خدمية، وشهدت فترة إدارتها انتقادات واسعة واتهامات بملفات فساد وسوء إدارة، ولا سيما في ما يتعلق بعقود تجهيز الأدوية والمستلزمات الطبية، من دون صدور إدانة قضائية نهائية بحقها. كما تولّت شيماء الحيالي وزارة التربية لفترة وجيزة 2018، قبل أن تستقيل بعد إثارة جدل واسع على خلفية انتماء شقيقها إلى تنظيم داعش وتوليه موقعاً قيادياً فيه.
وفي البرلمان، برزت بعض النائبات في ملفات الاستجواب والرقابة، إلّا أنّ المشهد العام لم يتغير. فلا توجد إحصاءات رسمية توثق عدد مشاريع القوانين التي اقترحتها النساء، أو حجم مساهمتهن في الرقابة البرلمانية، أو مدى تأثيرهن في صناعة القرار. والأخطر من ذلك أن الدولة لم تطور، منذ عام 2003، أي مؤشرات تقيس جودة المشاركة السياسية للمرأة، واكتفت بإحصاء عدد المقاعد التي تشغلها.
المفارقة الكبرى ظهرت في انتخابات عام 2021. فمن الناحية الرقمية، بدت هذه الدورة الأكثر نجاحاً في تاريخ المشاركة السياسية للنساء. إذ ترشحت 948 امرأة من أصل 3227 مرشحاً، وأسفرت النتائج النهائية للانتخابات عن فوز 95 امرأة من أصل 329 نائباً، أي ما يعادل نحو 28.9% من أعضاء مجلس النواب، متجاوزات النسبة الدستورية البالغة 25%. كما حصلت 57 امرأة على مقاعدهن خارج نظام الكوتا، في مؤشر بدا وكأنه يعكس ارتفاعاً في ثقة الناخبين بالمرشحات النساء، خصوصاً بعد احتجاجات تشرين التي رفعت شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد، وأعادت النقاش حول دور المرأة في الحياة العامة. إلّا أن هذه الأرقام تعكس نتائج الانتخابات قبل الاستقالة الجماعية لنواب الكتلة الصدرية في حزيران 2022. فبعد استقالة 73 نائباً ونائبة من الكتلة الصدرية وإحلال المرشحين أصحاب أعلى الأصوات التالية محلهم، تغيّرت تركيبة المجلس، وانخفض عدد النساء إلى 93 نائبة عند استقرار عضوية البرلمان وبدء أعماله.
لكن هذا الإنجاز العددي أخفى وراءه مفارقة أكثر قسوة, فبحسب البيانات المتاحة، لم تتقدم النائبات خلال هذه الدورة بأي مشروع قانون يتعلق بحقوق النساء. وهكذا، في الوقت الذي حققت فيه المرأة أعلى نسبة تمثيل في تاريخ البرلمان العراقي، سجلت أدنى مستويات التأثير التشريعي. وهو تناقض يصعب تفسيره إذا نظرنا الى الكوتا باعتبارها أداة لتمكين النساء، لكنه يصبح مفهوماً إذا قرأناه بوصفه أداة لإدارة التمثيل داخل النظام السياسي، لا لتغيير موازين القوة فيه.
وقد بلغ هذا التناقض ذروته في عام 2023، حين صوّت مجلس النواب على تعديل قانون الأحوال الشخصية ليضيف المدونة الجعفرية، إذ أعاد القانون فتح النقاش حول سن الزواج والحضانة وحقوق المرأة في التعليم والعمل، وحدود سلطة الولي، وغيرها من القضايا التي تمس الحياة اليومية للنساء. والأكثر دلالة أن عشرات النائبات صوّتن لصالح المشروع، في حين عارضنَهُ أخريات قلائل. عندها بدا واضحاً أن وجود المرأة داخل البرلمان لا يعني بالضرورة الدفاع عن النساء، وأن الهوية السياسية والحزبية والمذهبية قد تتغلب على الهوية الجندرية في لحظة اتخاذ القرار.
وعلى ذكر “الجندرية”، خلال الفترة نفسها، اتّخذت هيئة الإعلام والاتصالات قراراً إدارياً بحظر استخدام مصطلح “الجندر” في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وربطه بالمثلية الجنسية، رغم عدم وجود أي قانون نافذ يفرض ذلك. ولم يكن القرار معزولاً عن السياق العام، فجاء ضمن سلسلة من الإجراءات التي عكست تضييقاً متزايداً على النقاشات المتعلقة بحقوق المرأة والنوع الاجتماعي، بالتوازي مع تراجع دور منظمات المجتمع المدني واضعاف قدرتها على التأثير في السياسات العامة.
ولم تختلف ملامح الدورة البرلمانية الحالية كثيراً عن سابقاتها، فعلى الرغم من استمرار تمثيل النساء بنسبة تفوق الحد الأدنى الذي تفرضه الكوتا الدستورية، بقي حضورهن في مواقع صنع القرار محدوداً. حيث مجلس النواب 23 لجنة دائمة، إلّا أن رئاسة اللجان الأكثر تأثيراً في رسم السياسات العامة ما تزال بيد الرجال، فيما ترأست النائبة دنيا عبد الجبار الشمري لجنة حقوق الإنسان والمرأة والأسرة والطفولة، وهي اللجنة الأكثر ارتباطاً بقضايا النساء والأسرة. وعلى مستوى السلطة التنفيذية، لم تُحدث حكومة علي فالح الزيدي تحولاً جوهرياً في تمثيل النساء، بل على العكس، حيث حظيت النساء بوزارة واحدة فقط وهي وزارة البيئة التي شغلتها سروة عبد الواحد، بالإضافة لوزارة الثقافة والسياحة وكالةً. وفي المقابل، ارتبطت بداية عمل الحكومة بإطلاق واحدة من أوسع حملات مكافحة الفساد منذ عام 2003، شملت نواباً ومسؤولين كباراً في الدولة حيث نالت النساء نصيباً من هذه الحملة حيث أُعتقلت 3 نائبات حتى الآن بتهم متعلقة بالفساد، ما أكّد أن النساء، بعد وصولهن إلى مواقع السلطة، أصبحن جزءاً من المنظومة السياسية بكل ما تحمله من مسؤوليات وإخفاقات.
وعند النظر الى الدورات الانتخابية الستة مجتمعة، تُكشف صورة مختلفة تماماً عن تلك التي تعكسها الأرقام. فمنذ عام 2006 وحتى اليوم، لم تتمكن النساء من تحويل الكوتا إلى مشروع سياسي مستقل. ولم تُقر تشريعات جوهرية تحمي النساء على الرغم ضغوط طويلة مارستها منظمات المجتمع المدني.
والنتيجة أن الكوتا، بعد أكثر من عشرين عاماً، نجحت في معالجة جانب واحد من المشكلة، وهو التمثيل العددي، لكنها أخفقت في معالجة جوهرها، أي التمثيل السياسي الحقيقي، فالمرأة العراقية أصبحت حاضرة في البرلمان، لكنها لا تزال غائبة عن دوائر صنع القرار، تشارك في الجلسات، لكنها لا تقود الأجندة التشريعية، وتحصل على مقعد دستوري، لكنها لا تمتلك بالضرورة استقلالية استخدامه.
وبالنظر لكل ما تقدّم، يبقى السؤال مطروحاً: هل كانت الكوتا بوابة للتمكين، أم أصبحت سقفاً جديداً لا تستطيع النساء تجاوزه؟


