السياح يفضلونها لقلة تكاليفها والمميزات التي توفرها .. أكثر من 700 مزرعة في دهوك تستقبل السياح مسببة شللاً في قطاع الفنادق
في محافظة دهوك باقليم كردستان، يواجه أصحاب مئات الفنادق، تحدياً غير مسبوق، في ظل ما يصفونه بالانقلاب الذي يشهده القطاع، مع توجه السياح نحو حجز "المزارع والشقق المفروشة" بدلاً من الفنادق التي باتت تكافح لتأمين زبائن لها حتى في موسم السياحة، قبل ان يكون مصيرها الاغلاق في ظل تراكم الخسائر. المنافس غير المتوقع بات يستحوذ على نحو نصف السياح القادمين من وسط وجنوب العراق، بفضل ما تعرضه من أسعار مغرية وتقدمه من ميزات الإقامة في اجواء الطبيعية، فضلا عن مرافقها التي تضم مساحات خصراء ومسابح، ومع خطة تسويقية تقودها وسائل التواصل الاجتماعي.
زانا، صاحب فندق “البارون” السياحي، في قلب محافظة دهوك باقليم كردستان، يجد صعوبة في تصديق التراجع الذي يشهده مشروعه، بسبب ما يصفه بالانقلاب الذي يشهده القطاع مع تغير مزاج السياح نحو حجز “المزارع والفلل والشقق المفروشة” بدلاً من الفنادق.
يقول وهو يقلب أوراق سجل الحجوازات أمامه:” قمت بتجهيز كل شيء، ووظفت عمالاً إضافيين هذا الموسم، لكن الغرف فارغة، عدد النزلاء اقل بكثير من المتوقع في ذروة موسم السياحة شهري تموز وآب”، يأخذ نفساً عميقاً ثم يتابع:”وسائل التواصل الاجتماعي مليئة بإعلانات الفلل والمزارع التي يقبل السياح من وسط وجنوب العراق على استئجارها خارج ضوابط سوق العمل، بينما نحن نتفرج ونحصي الخسائر”.
هو مستاءٌ، لأن فندقه الصغير بموقعه المميز في شارع بارزان الذي يقسم المدينة الى نصفين، كان يضج بالزبائن في مثل هذا الوقت من صيف كل سنة. يطبق السجل بقوة ويضيف:”نحن ندفع الضرائب، ورسوم الكهرباء التجارية، ورواتب الموظفين، وفي النهاية تموت مشاريعنا ببطء بسبب هذه المنافسة غير القانونية”.
زانا، واحد من مئات المشتكين من أصحاب الفنادق والعاملين فيها الذين يتحدثون عن تكبدهم خسائر لا تحتمل صيف 2026 ستضطر الكثير منهم الى اغلاق فنادقهم. فعلى الرغم من توافد السياح على محافظة دهوك، إلا ان الكثيرين منهم يفضلون العروض المتزايدة التي تقدمها المزارع، وهي بساتين صغيرة تتوافر فيها مرافق سكن مع مساحات خضراء، الى جانب الفلل والشقق المفروشة التي تؤجر بنحو يومي او اسبوعي، إذ يجد فيها النزلاء غرف نوم متعددة، فضلاً عن مرافق أخرى كالمطابخ وغرف المعيشة ومرائب السيارات ومناطق لعب الأطفال والتنزه والمسابح وغيرها.
يصفها زانا، وزملاؤه بالسوق الفندقية السوداء، فيما يجدها أصحابها كما العائلات والمجاميع السياحية، وجهات ترفيهية مثالية، خاصة ان غالبية المزارع وبعض الفلل، تقع في مناطق سياحية مشهورة في محافظة دهوك مثل (زاويتة وسرسنك وسولاف وكلي كورتكي وغيرها) وتقدر اعدادها بالمئات.
وتعتمد عملية التسويق والحجز في هذا القطاع بنحو رئيسي على الفضاء الرقمي، من خلال عشرات الصفحات النشطة على منصتي فيسبوك وإنستغرام، إلى جانب منصات الإعلانات المبوبة مثل السوق المفتوح وتطبيقات الحجوزات المتخصصة.
ويبلغ متوسط الإيجار اليومي “للمزارع” ما بين 125 إلى 150 دولاراً أمريكياً في الأيام العادية، ويرتفع ليصل إلى نحو 200 دولاراً في عطلات نهاية الأسبوع وموسم الصيف، وهي في غالبها مصممة لاستقبال العوائل الكبيرة، بينما تتجاوز الأسعار حاجز الـ 250 دولاراً لليلة الواحدة بالنسبة للفلة الفاخرة المصنفة فئة VIP والتي تضم مسابح ومرافق ترفيهية متكاملة تتسع لعائلات عديدة في ذات الوقت، في حين تتفاوت الأسعار بالنسبة للشقق المفروشة، وقد تبلغ 100 دولار لليلة الواحدة. وهذه الأسعار تعد تنافسية مقارنة بأسعار الفنادق والموتيلات.
(المزرعة) خيار بديل
أحمد باسم (29 سنة) من بغداد، يعمل في مكتب لصيانة اجهزة الانترنت، تعود ان يقصد كل صيف مع بعض اصدقائه أحدى المدن الكردية للاصطياف. وكانت وجهته مع اربعة من رفاقه هذه المرة دهوك، التي وصلها في منتصف حزيران/يونيو. وبخلاف المرات السابقة اختاروا هذه المرة استئجار مزرعة فيها، بدلاً من النزول في فندق.
يقول، عن سبب اختياره، ان المزارع مفتوحة والحركة فيها غير مقيدة كما هو الحال في الفنادق، فضلاً عن ان أسعارها أرخص، ويضيف:”نتقاسم أنا واصدقائي تكاليف استئجارها، ونستغلها كما يحلو لنا، ونطبخ أو نشوي اللحم وندخن، بينما في الفنادق نضطر لحجز غرف عدة وتكون التكلفة الإجمالية باهظة اضافة الى الخصوصية المعدومة والأكل قد لا يعجبنا ونضطر للبحث عن مطاعم لنأكل فيها”.
وشهدت خارطة الخيارات السياحية في محافظة دهوك تحولاً ملموساً في سلوك العائلات الوافدة خلال موسم 2026، تفصح عن ذلك وبوضوح تجربة المواطن (ابو يوسف/ 32 سنة) وشقيقه (أبو محمد/ 29 سنة) القادمين من محافظة النجف. فقد فضلا بدورهما، المزارع والشاليهات الخاصة على الفنادق التقليدية.
يقول أبو يوسف، ان عائلتيهما هو وشقيقه، اعتادتا القيام بزيارتين لمحافظة دهوك كل عام، واحدة خلال فصل الصيف للاستمتاع بالأجواء المعتدلة، وأخرى في فصل الشتاء لمعايشة موسم تساقط الثلوج
وذكر بأن الفنادق كانت خياراً معتاداً في السابق:”كنا نضطر إلى تحمل تكاليف إضافية لشراء مستلزمات المنامة الأساسية والاحتياجات اليومية الأخرى من الأسواق المحلية، وكنا نتحمل تدني مستوى الخدمات الإيوائية أو توفرها بأسعار مبالغ فيها، لكن ذلك تغير الآن”.
نقطة التحول في خطط العائلتين الاصطيافية، حدثت عندما اطلع أبو يوسف عبر اعلان منشور في فيسبوك، على مزرعة (كاك رجب) الواقعة في موقع يصفه بالإستراتيجي “وسط الطبيعة الخلابة ما بين منطقتي بامرني وسرسنك”.
ويوضح:”وجدنا فيها البديل المثالي الذي يجمع بين التكلفة المناسبة والراحة النفسية العالية”. ويشير إلى أن موقع المزرعة يغنيهم عن قطع مسافات طويلة للوصول إلى المصايف أو مرتفعات الجبال المكسوة بالثلوج في الشتاء.
وبناءً على هذه التجربة، باتت العائلتان تفضلان خيار المزارع الخاصة بنحو قطعي على الفنادق، نظراً لتوفر الخدمات المنزلية المتكاملة “كأننا في منازلنا، كل شيء متوفر، مع الراحة والخصوصية، وميزة الطبخ وفق ما نفضله”.
مهفان مزوري ( 37 سنة) يقوم بادارة عشرة مزارع مخصصة للايجار في اطراف دهوك، يقول بأن السياح الذين يستأجرون مزارعه يأتي غالبيتهم العظمى من مناطق وسط وجنوب العراق، وان تلك المزارع باتت تمثل مصدر دخل للعديد من سكان المنطقة.
ويؤكد بان الخدمات والمميزات التي توفرها المزارع لا يوجد ما يماثلها في الفنادق، التي يقول بأنها:”غرف صغيرة يقتصر دورها على النوم فيها حتى الصباح، وهي مجردة من الروح” حسب تعبيره. بينما في المزارع:”نوفر لزوارنا الطبيعة الخلابة التي يفضلونها، والمسابح، والحدائق الواسعة، ومساحات اللعب للأطفال والترفيه والطبخ والشوي”.
ويضيف ميزة أخرى، وهي ان غالبية المزارع مبنية في مناطق تتمتع بجو معتدل حتى في أشهر الصيف اللاهبة.
ويتابع، وهو يبتسم، بينما يشير الى الأشجار والمساحات الخضراء التي تضمها احدى المزارع التي يديرها:”السياح ياتون من أماكن لا توجد فيها مثل هذه الطبيعة، لهذا هم يحبون تجربة المزارع، واسمع كثيراً منهم أن المزارع توفر لهم الهدوء الذي يفتقدونهم في مناطقهم”.
القطاع الفندقي في خطر !
رئيس مجموعة الفنادق والموتيلات في محافظة دهوك، إحسان عيسى بريفكاني، يرى بأن القطاع الفندقي في دهوك يمر بأزمة هي الأخطر منذ سنوات، نتيجة التوسع المستمر في تأجير المزارع والفلل والشقق المفروشة خارج إطار المنافسة، التي يصفها بـ”غير العادلة”.
ويقول إن الأزمة بدأت قبل نحو عامين، لكنها تفاقمت مع ازدياد إقبال السياح على المزارع، الأمر الذي أدى إلى تراجع نسب الإشغال في الفنادق والموتيلات، وإغلاق عدد من المنشآت أو توقفها عن العمل أو تقليص كواردها بنحو كبير، فضلاً عن تراجع الحركة الاقتصادية في المطاعم والأسواق القريبة من الفنادق بل وحتى المرافق السياحية التي كانت تعتمد على ما ينفقه النزلاء.
ويضيف:”إذا استمر الوضع على هذا النحو، فإن إغلاق الفنادق سيصبح مسألة وقت فقط. السائح لم يعد يبيت في الفنادق أو يرتاد المطاعم والأسواق كما كان سابقاً، بينما تتحمل المنشآت المرخصة من فنادق ومطاعم وسواها جميع الضرائب والرسوم والالتزامات القانونية”.
ويؤكد بريفكاني، أن أصحاب الفنادق منحوا الجهات الحكومية أكثر من فرصة لمعالجة الملف، مشيراً إلى أنهم كانوا قد أعلنوا عزمهم إغلاق فنادقهم في 4 حزيران/يونيو 2026، قبل أن تتدخل إدارة محافظة دهوك وتطلب منهم التريث، مع التعهد بإيجاد حلول.
ويقول:”عُقد اجتماع موسع في 10 حزيران 2026 بحضور الجهات المعنية، واتُخذت قرارات قيل إنها ستنظم القطاع وتحافظ على حقوق الجميع، لكن حتى الآن لم يُنفذ أي منها.”
ويشير إلى أن أصحاب الفنادق سبق وأن قدموا مخاطبات رسمية خلال عامي 2024 و2025 للمطالبة بتنظيم قطاع الإيواء السياحي، إلا أنهم ما زالوا ينتظرون تطبيق الإجراءات. ودعاً وزارة الداخلية إلى الإسراع بحسم الملف “قبل اتساع حجم المخالفات”.
كما يلفت إلى أن المشكلة لم تعد تقتصر على المزارع، بل امتدت إلى الشقق المفروشة التي تُؤجر يومياً أو أسبوعياً:”رغم أن التعليمات النافذة لا تجيز تأجيرها لفترات تقل عن شهر”.
ويتابع بريفكاني:” أكثر من 700 مزرعة وشقة مفروشة تعمل ضمن محيط لا يتجاوز 30 كيلومتراً من مدينة دهوك، الأمر الذي يزيد من حجم المنافسة ويهدد مستقبل الاستثمار السياحي في المحافظة”.
نصف السياح لا يبيتون في الفنادق
المتحدث باسم دائرة سياحة محافظة دهوك، شمال هروري، ذكر في تصريح صحافي، أن المحافظة استقبلت نحو مليون و700 ألف سائح خلال عام 2025، وأن ما بين 350 إلى 400 ألفاً منهم نزلوا في الفنادق وأماكن الإيواء السياحي الأخرى.
واكد بأن المحافظة سجلت إقبالاً ملحوظاً خلال عطلة رأس السنة “نحو 50 ألف سائح وزائر في الفترة من 20 ديسمبر/كانون الأول 2025 وحتى نهايته”، مبيناً أن تساقط الثلوج شكل عامل جذبٍ للوافدين الذين قدموا من محافظات الوسط والجنوب، بالإضافة إلى السليمانية وأربيل وكركوك.
لكن تلك الأرقام الكبيرة لم تترجم الى عوائد مالية في القطاع الفندقي، فاشغال الفنادق ظل محدودا والأرباح قليلة حتى في موسمي السياحة الصيفي والشتوي.
هروري، يرى ان عزوف بعض السياح عن المبيت في الفنادق يرجع الى طبيعة دهوك الخاصة “السياح الذين يفدون الى المنطقة بسياراتهم الخاصة، كعوائل أو اصدقاء، غالبيتهم يفضلون حجز المزارع الخاصة بدل الفنادق”.
وأكد بأن مديريته بدأت بعقد اجتماعات موسعة ولقاءات مع رابطتي الفنادق والمطاعم، ورابطة الشركات السياحية، وأصحاب المرافق لـ”تشخيص المعوقات ووضع حلول عملية للقطاع” دون أن يؤكد وجود خطط فعلية قابلة للتنفيذ من اجل انعاش مرفق الفنادق مجددا.
وقفة احتجاجية.. في انتظار الحلول
أصحاب الفنادق والموتيلات، نظموا وقفة احتجاجية أمام مبنى المديرية العامة لسياحة دهوك في 22 تموز/يوليو2026، مطالبين بتطبيق القرارات الخاصة بتنظيم قطاع الإيواء ووضع حد لتأجير المزارع والشقق المفروشة خارج الضوابط القانونية.
أكد احدهم، طالبا عدم ذكر اسمه، أن أسعار تأجير بعض المزارع انخفضت لتترواح بين 60 و70 ألف دينار عراقي لليلة الواحدة، الأمر الذي زاد من عزوف السياح عن الفنادق، وألحق خسائر متزايدة بالمنشآت السياحية المرخصة.
وأخذ يعدد بأصابع يديه:”نتحمل الضرائب، والرسوم الحكومية، وكلف تشغيل الموظفين، في حين يتمكن أصحاب المزارع من استقطاب السياح مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي قبل وصولهم إلى دهوك”.
وقال صاحب فندق آخر:” “السائح يحجز المزرعة وهو لا يزال في محافظته عبر الإنترنت، ثم يصل إليها مباشرة، فلا يبيت في الفنادق، ولا يتسوق من أسواق المدينة، ولا يرتاد المطاعم أو المرافق السياحية، وهو ما انعكس سلباً على كل الحركة الاقتصادية في مركز دهوك”.
وأجمع المحتجون على أن الأزمة مستمرة دون وضع حلول عملية لإنهائها او الحد من تأثيراتها السلبية، وأن خسائر القطاع الفندقي تتزايد يوماً بعد آخر، في ظل استمرار تأجير المزارع والشقق المفروشة.
الثغرة الرمادية
إزاء تزايد الاقبال على استئجار المزارع والشقق المفروشة، يبدي بعض أهالي دهوك مخاوفهم من احتمال مجهولية هوية حاجزي تلك الأماكن، ومن امكانية استغلالها بنحو سيء.
فالقوانين المتبعة في إقليم كردستان تلزم الفنادق والموتيلات بإرسال بيانات ومعلومات تفصيلية عن جميع النزلاء إلى الأجهزة الأمنية بشكل يومي وفوري، وهذا قد لا يحدث بالنسبة للمزارع والشقق المفروشة المعدة للإيجار اليومي.
إلا أن مصدراً أمنياً مطلعاً ذكر لمعدة التقرير مُطمئنا، بأن الإجراءات والشروط الأمنية لاستئجار المزارع في دهوك، تتمثل بإلزام أصحاب المزارع بالتدقيق الأمني الفوري من خلال طلب البطاقة الوطنية أو هوية الأحوال المدنية الأصلية لجميع النزلاء والمستأجرين دون استثناء.
وأن على المؤجر إرسال نسخة من بطاقات الهوية الخاصة بالنزلاء مباشرة إلى أقرب مركز أسايش أو نقطة أمنية في المنطقة (مثل مناطق زاويته، إنشكي، أو سولاف) “قبل تسليم المفاتيح”.
ويؤكد بأن التعليمات تقتضي منع إقامة الحفلات غير المرخصة أو الأنشطة التي تخالف الذوق العام والنظام الأمني داخل المزارع المستأجرة لضمان حظر التجمعات المشبوهة، وأن صاحب المزرعة يتحمل المسؤولية القانونية الكاملة في حال استؤجر العقار من قبل اشخاص مطلوبين أو لم تسجل بيانات النزلاء الرسمية لدى السلطات.
ويبدي المصدر، ثقته بالتزام أصحاب المزارع بالتعليمات، ويؤكد على ضرورة المتابعة الدقيقة لها، محذرا من أن غياب الرقابة سيحوّل المزارع إلى “بقع عمياء” أمنياً، حيث “يمكن لأي شخص الاختباء أو الإقامة فيها دون علم السلطات، مما قد يشكل تهديداً للاستقرار والأمن الذي تتميز به محافظة دهوك”.
انجزت المادة تحت اشراف شبكة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية