الباحثة الاقتصادية د. سهام يوسف:
– استقبل العراق هذا العام نحو 5 ملايين زائر أجنبي، وهو رقم يوازي ما تتمنى كثير من الدول تحقيقه عبر السياحة. لكن السؤال الاقتصادي هو: كم بلغت الإيرادات التي دخلت خزينة الدولة والاقتصاد الوطني نتيجة هذا التدفق البشري الهائل؟
– في أغلب دول العالم، تتحول السياحة الدينية إلى مصدر مهم للإيرادات من خلال رسوم الدخول أو التأشيرات، وإنفاق الزائر على الفنادق، والمطاعم، والنقل، والاتصالات، والأسواق، والخدمات المختلفة. وهذا الإنفاق ينعش القطاع الخاص، ويوفر فرص عمل، ويزيد الإيرادات الضريبية، ويخفف العبء عن المالية العامة.
– أما في العراق، فقد كانت التأشيرات مجانية، وخدمات الاتصالات مجانية، كما أن معظم الطعام والشراب والإقامة قدمت مجاناً عبر المواكب، وتحملت الدولة أيضا نفقات مباشرة لتوفير الأمن والنقل والخدمات، من بينها 52 مليار دينار خُصصت للنقل والخدمات المرتبطة بالزيارة، فضلًا عن كلف الكهرباء والمياه والنظافة والكوادر الصحية والبلدية والأمنية. ورغم القيمة الدينية والإنسانية الكبيرة لهذا العمل، فإن النتيجة الاقتصادية هي انخفاض حجم الإنفاق الذي كان يمكن أن تستفيد منه الأسواق المحلية والقطاع الخاص، وبالتالي تراجع الإيرادات التي كان يمكن أن تعود إلى الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر.
– المشكلة ليست في العمل الخيري، بل في غياب سياسة اقتصادية تستثمر هذا الحدث العالمي. فمن الممكن الحفاظ على قدسية الزيارة وروح التكافل، وفي الوقت نفسه تصميم نموذج اقتصادي يحقق قيمة مضافة للعراق، عبر تنشيط الأسواق، وتشجيع استهلاك المنتجات المحلية، وتنظيم الخدمات، وتحويل الزيارة إلى رافعة للتنمية بدلاً من أن تكون موسماً يرتفع فيه الإنفاق دون أن يقابله عائد اقتصادي يتناسب مع حجمه.
– الكرم صفة المجتمع، أما إدارة الموارد فهي مسؤولية الدولة. فليس المطلوب أن تتوقف المواكب عن العطاء، بل أن تمتلك الدولة رؤية اقتصادية تحول هذا الحدث العالمي إلى مصدر للإيرادات والتنمية.
الباحثة الاقتصادية، د سعاد عبد القادر:
– اقتصادياً، نجاح الزيارة الأربعينية لا يمكن قياسه بعدد الزائرين، بل بما يتم تحقيقه من قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، فاستقطاب ملايين الزوار سنوياً يمثل فرصة اقتصادية كبيرة من شأنها تنشيط قطاعات متعددة وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
– في بلد يعاني اقتصادياً بشدة، يجب النظر الى الفرص الكامنة في الزيارات الدينية، وأن لا تستنسخ الدولة رؤية المواطن العادي للزيارات، خاصة انها تخصص نفقات ضخمة لتوفير خدمات النقل والأمن والصحة والكهرباء والمياه وغيرها، دون أن تستحصل عائدات حتى من الزائر الاجنبي.
– الاعتماد الواسع على تقديم معظم الخدمات مجاناً، يقلل من دوران النقود داخل الاقتصاد المحلي، ويضعف من مساهمة القطاع الخاص في الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالزيارة، ونتيجة لذلك يخسر الاقتصاد العديد من الفرص لتعزيز ايراداته، وخلق فرص عمل، وتنشيط الأسواق المحلية، وتحويل هذا الحدث الديني العالمي إلى محرك حقيقي للنمو الاقتصادي والتنمية.
– حتى مع غلبة البعد الديني للزيارات فهناك أبعاد أخرى تتمثل في حركة الأسواق واستقطاب السياح من غير المتدينين، ويتطلب هذا توفير خدمات أعلى، وهو ما لا يمكن تأمينه من خلال الخدمات الحكومية المجانية. الرؤية يجب ان تكون “خدمات أفضل وكفاءة تنظيمية أعلى، مقابل أجور أكثر، وبما يضمن عائدات مالية للدولة”.
– أثبتت تجارب العديد من الدول أن السياحة الدينية يمكن أن تتحول إلى رافد مستدام للنمو الاقتصادي، دون أن يتعارض ذلك مع قدسية المناسبات الدينية. أما في العراق، فما زالت هذه المناسبات بعيدة عن استراتيجيات الاستثمار وخطط التنمية.