إقرار رسمي بتهريب النفط العراقي: كيف كشفت وثائق الدولة ما ظلت تنفيه الحكومات المتعاقبة؟
"ثغرات رقابية وإدارية" في المناقلات البحرية، فتحت الباب أمام تهريب النفط الخام وزيت الوقود، هذا ما تقوله تقارير ديوان الرقابة المالية، وهو ما ينبه لخطورة تداعياته مراقبون لعمليات التحميل "الأثر لا يقتصر على خسارة الإيرادات، بل يمتد إلى سمعة العراق النفطية". وتخلق عمليات الشحن خارج منظومة التتبع، متمثلة بالرقابة الأمنية وأنظمة المتابعة الإلكترونية، بيئة مثالية لعمل شبكات التهريب، وهي تثير الشكوك بشأن منشأ بعض الصادرات. ويقول مختصون ان عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى تعد من أكثر العمليات حساسية في تجارة النفط العالمية، لأنها قد تستخدم لإخفاء مصدر الشحنات أو تغيير وجهتها.
في التاسع من كانون الثاني/يناير 2020، حذرت وزارة النفط، في كتاب رسمي، من أن عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى قد تتحول إلى منفذ لتهريب النفط الخام والمنتجات النفطية إذا لم تخضع لإجراءات رقابية مشددة. لم يكن هذا التحذير تقديراً نظرياً، بل صدر بعد أشهر فقط من إبرام عقد منح شركة خاصة حق إدارة عمليات المناقلة البحرية داخل المياه الإقليمية العراقية.
بعد خمس سنوات، عاد ديوان الرقابة المالية الاتحادي إلى هذا الملف، ففي تقريره السنوي لعام 2025، وثق ثغرات رقابية وإدارية رافقت إدارة المناقلات البحرية، وإنها أسهمت في تهريب النفط الخام وزيت الوقود، كما خلص إلى ان عدداً من الإجراءات التي كان يفترض أن تمنع كل ذلك لم يتم تنفيذ أي منها.
ولا يتوقف التقرير عند تسجيل مخالفات إدارية، بل يستند إلى مراسلات رسمية بين وزارة النفط، والشركة العامة لموانئ العراق، وشركة تسويق النفط العراقية (سومو)، وهيئة النزاهة، ليكشف سلسلة من الثغرات التي بدأت بعقد أُبرم مع شركة خاصة عام 2019، وانتهت بظهور ناقلات خارج منظومة التصدير الرسمية، وتعطل أنظمة مراقبة السفن، وشهادات منشأ يشتبه بتزويرها.
في مقابل هذه الوقائع، ظل الخطاب الرسمي ينفي وجود عمليات تهريب للنفط العراقي، ففي مقابلة تلفزيونية بتاريخ 8 أيلول/سبتمبر 2025، قال وكيل وزير النفط آنذاك، باسم محمد، الذي يشغل اليوم منصب وزير النفط، إن الحديث عن تهريب النفط “عارٍ عن الصحة”، مؤكداً أن الوزارة تمتلك نظاماً رقابياً يتابع البرميل منذ الإنتاج وحتى التصدير، وهو ما يتناقض مع ما وثقه ديوان الرقابة المالية في تقريره.
وبالاستناد إلى هذه الوثائق، يتتبع هذا التحقيق تسلسل الأحداث منذ إبرام عقد المناقلات البحرية، مروراً بالملاحظات التي سجلها ديوان الرقابة المالية، وصولاً إلى التحقيقات والإجراءات التي أعقبتها، للكشف عن كيفية تحول ملاحظات رقابية لاحقاً إلى قضية تجاوزت الحدود العراقية، لتستدعي عقوبات أمريكية، وتحقيقات قضائية، واعتقالات لمسؤولين كبار في قطاع النفط.
شركة خاصة تسيطر على المناقلة النفطية
تعود خيوط القضية إلى عام 2019، عندما أبرمت الشركة العامة لموانئ العراق عقداً مع شركة (تاج البحر) للخدمات البحرية والمقاولات والتجارة العامة لإدارة عمليات مناولة البضائع والمنتجات النفطية بين السفن داخل المياه الإقليمية العراقية لمدة اثني عشر عاماً.
وبحسب كتاب دائرة تدقيق المنطقة الثانية في ديوان الرقابة المالية المرقم (34767) والمؤرخ في 4 نيسان/أبريل 2025، منح العقد الشركة الخاصة صلاحية تنفيذ عمليات نقل المشتقات النفطية بين الناقلات، رغم أن هذا النشاط يدخل ضمن اختصاصات شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، ومن دون وجود تنسيق معها، في مخالفة للنظام الداخلي للشركة.
ويشير التقرير إلى أن الشركة العامة لموانئ العراق لم تتخذ الإجراءات القانونية المنصوص عليها في العقد بحق الشركة المتعاقدة، على الرغم من إخفاق الأخيرة في نصب منظومة ملاحية متطورة لمراقبة حركة السفن داخل منطقة العمل.
وهي منظومة نص عليها العقد بوصفها إحدى أدوات السيطرة على حركة الناقلات والحد من عمليات التهريب، وعلى الرغم من استمرار هذا الإخلال، لم يسجل الديوان فرض غرامات أو اتخاذ إجراءات تعاقدية بحق الشركة.
وتكشف الوثائق أن هذا الإهمال لم يكن المخالفة الوحيدة، فبحسب تقرير الديوان، لم تقم الشركة العامة لموانئ العراق بمفاتحة قيادة القوة البحرية العراقية لتوفير الحماية الأمنية لعمليات المناقلة النفطية، على الرغم من أن العقد ألزمها بذلك بصورة صريحة.
ونتيجة لذلك، نفذت عمليات نقل للمنتجات النفطية في منطقة بحرية حساسة من دون غطاء أمني أو رقابة ميدانية من القوات البحرية، الأمر الذي وصفه التقرير بأنه أوجد فراغاً رقابياً يمكن استغلاله في أنشطة التهريب.
هذه الثغرات، التي تبدو للوهلة الأولى إجراءات إدارية، يراها خبراء الاقتصاد والرقابة النفطية أخطر من ذلك بكثير، إذ يقول أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، إن:”الجمع بين غياب الرقابة الأمنية وتعطل أنظمة المتابعة الإلكترونية يخلق بيئة مثالية لعمل شبكات التهريب”، ويوضح، أن عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى تعد من أكثر العمليات حساسية في تجارة النفط العالمية، لأنها تستخدم في بعض الحالات لإخفاء مصدر الشحنات أو تغيير وجهتها.
ويضيف أن:”الأثر لا يقتصر على خسارة الإيرادات، بل يمتد إلى سمعة العراق النفطية، إذ إن استمرار عمليات شحن خارج منظومة التتبع قد يدفع الجهات الرقابية الدولية إلى التشكيك في منشأ بعض الصادرات العراقية، بما قد ينعكس سلباً على قدرة العراق التنافسية في الأسواق العالمية”.
ناقلة واحدة… قادت المحققين إلى أول خيط
استند تقرير ديوان الرقابة المالية إلى وقائع محددة ربطت بين عمليات المناقلة البحرية وناقلات ظهرت خارج منظومة التصدير الرسمية، ومن بين تلك الوقائع، برز اسم الناقلة (La Ros)، المسجلة بالرقم الدولي IMO 9159660 والتي ترفع علم جزر المارشال.
ويكشف التقرير أن شركة (تاج البحر)نفذت عمليات مناولة نفطية مع الناقلة (La Ros) ، إلا أن بيانات أنظمة التتبع الدولية المعتمدة لدى شركة تسويق النفط العراقية (سومو) أظهرت أن السفينة قامت ببيع شحنات من زيت الوقود انطلاقاً من ميناء خور الزبير، رغم أنها لم تكن ضمن قوائم الناقلات المعتمدة في برامج التحميل الرسمية.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فوفق كتاب رسمي صادر عن وزارة النفط بتاريخ 9 كانون الثاني/يناير 2020، اعتبرت الوزارة أن زيت الوقود الذي جرى تسويقه عبر هذه الناقلة يعد نفطاً مهرباً، في وقت لم تتمكن الجهات الرقابية من الحصول على معلومات من الشركة العامة لموانئ العراق تتعلق بموقع تنفيذ المناقلة أو الكميات التي جرى تداولها أو هوية الشحنات التي نقلت.
ويعني ذلك، وفق الوثائق، أن إحدى الجهات الرقابية كانت تحقق في شحنة وصفتها وزارة النفط بأنها مهربة، بينما لم تكن المؤسسة المسؤولة عن إدارة منطقة المناقلة تمتلك معلومات أساسية عن مكان تنفيذ العملية أو حجمها.
ويشير ديوان الرقابة المالية إلى أن الشركة العامة لموانئ العراق أنهت عقدها مع شركة تاج البحر، في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، بعد أشهر من مخاطبة وزارة النفط هيئة النزاهة بشأن وجود ناقلات تستخدم مستندات عراقية لتصدير شحنات من زيت الوقود المهرب.
إلا أن الديوان يؤكد في تقريره أنه وعلى الرغم من طلبه معرفة أسباب إنهاء العقد، لم يحصل على تفسير رسمي يوضح الأسباب التي دفعت موانئ العراق إلى فسخ العقد في ذلك التوقيت.
حين اختفت السفن عن الرادار
لا تعتمد تجارة النفط البحرية على الوثائق الورقية وحدها، بل تقوم على منظومات إلكترونية صممت لضمان إمكانية تتبع حركة الناقلات في كل لحظة، ومنع أي تغيير غير مشروع في مسارها أو وجهتها.
ومن أهم هذه الأنظمة، منظومة التعريف الآلي للسفن (AIS)، التي تسمح بتتبع حركة السفن التجارية داخل المياه الإقليمية وخارجها، وتعد إحدى الأدوات الأساسية التي تعتمدها سلطات الموانئ وشركات النفط والهيئات الدولية لمراقبة الملاحة البحرية.
لكن ديوان الرقابة المالية اكتشف أن هذه المنظومة، التي أنشئت عام 2014 بكلفة بلغت 994 ألف دولار، كانت متوقفة عن العمل، دون أن تقدم الشركة العامة لموانئ العراق معلومات دقيقة عن تاريخ توقفها أو أسباب تعطيلها.
في عالم النقل البحري، لا يعني توقف نظام التتبع مجرد غياب شاشة إلكترونية عن العمل، بل يعني عملياً فقدان القدرة على التحقق من مسارات السفن، وأماكن توقفها، وعمليات المناقلة التي تجري في عرض البحر، وهي الوسائل التي تعتمدها شبكات تهريب النفط في كثير من الحالات لإخفاء مصدر الشحنات.
ويقول أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، إن تعطيل أنظمة التتبع في منطقة تصدر ملايين البراميل سنوياً “يمثل مؤشراً بالغ الخطورة”، لأن عمليات الشحن التي تتم خارج الرقابة الرسمية قد تفسر دولياً على أنها محاولات للالتفاف على القوانين أو التورط في شبكات تهريب وغسل النفط، وهو ما قد ينعكس على سمعة الصادرات العراقية ويعرضها لتدقيق دولي مشدد.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة عند ربطها بما كشفته الوثائق اللاحقة عن استخدام ناقلات بحرية أخفت هوياتها أو غيرت بياناتها أثناء تنفيذ عمليات مرتبطة بالنفط العراقي.
شهادة منشأ مزورة والوكيل نفسه يظهر مجدداً
إذا كانت منظومة التتبع قد تعطلت، فإن الوثائق تكشف عن ثغرة أخرى لا تقل خطورة، هذه المرة في الوثائق التي يفترض أن تثبت منشأ الشحنات النفطية وهويتها.
فقد رصد ديوان الرقابة المالية شبهة تزوير في شهادة منشأ خاصة بشحنة تبلغ 95 ألف طناً من زيت الوقود كانت تحملها الناقلة Proud Nadia. وطبقاً للتقرير، أكدت الشركة العامة للمعارض والخدمات التجارية العراقية أن التواقيع المثبتة على شهادة المنشأ غير صحيحة، ولا تعود إلى أي من موظفيها في محافظة البصرة، الأمر الذي أثار شبهة استخدام وثيقة مزورة لمنح الشحنة غطاءً قانونياً.
ولم يكن اسم شركة تاج البحر، بعيداً عن هذه الواقعة أيضاً، إذ يشير التقرير إلى أنها كانت الوكيل الملاحي للناقلة ذاتها، لتظهر للمرة الثانية في ملف المخالفات الذي يراجعه ديوان الرقابة المالية، بعد ورود اسمها في قضية الناقلة La Rosa التي قالت وزارة النفط إن الشحنات التي سُوقت عبرها تعد نفطاً مهرباً.
ولا يخلص التقرير إلى تحميل الشركة مسؤولية جزائية، لكنه يوثق تكرار ورود اسمها في أكثر من واقعة خضعت للمراجعة الرقابية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي كانت تؤديه في عمليات المناقلة البحرية، ومدى كفاية الرقابة التي كانت مفروضة على تلك العمليات.
ويقول عضو مجلس النواب السابق ناظم الشبلي، إن استمرار هذه الثغرات يفتح المجال أمام ممارسات غير قانونية تحرم الدولة من جزء من إيراداتها النفطية، وأوضح بأن الخسارة لا تقتصر على الكميات المهربة، بل تمتد إلى بيع شحنات خارج القنوات الرسمية وبأسعار لا تخضع للرقابة والشفافية.
وبحسب الشبلي، فإن هذه العمليات تعتمد على مسارات معروفة أكثر من اعتمادها على أساليب معقدة.
وثيقة “سومو”… كيف تعمل الناقلات خارج أعين الرقابة؟
في 28 آب/أغسطس 2025، وجهت شركة تسويق النفط العراقية (سومو) كتاباً رسمياً إلى جهاز الأمن الوطني، تحدثت فيه عن وجود ناقلات بحرية تستخدم أساليب تمويه معقدة أثناء عملها في الموانئ العراقية والمياه الإقليمية، تشمل إخفاء الهوية البحرية، وإطفاء أجهزة التتبع، وتغيير أسماء السفن أو أعلامها، وتنفيذ عمليات تحميل من مواقع غير مرخصة.
وأوضحت الوثيقة أن بعض السفن التي ترصدها أنظمة المراقبة تظهر سلوكاً غير طبيعي، من خلال اختفاء إشاراتها الإلكترونية أو تنفيذ تحركات غامضة توحي بإجراء عمليات تحميل جانبي (Ship to Ship)، وهو الأسلوب نفسه الذي سبق أن حذرت وزارة النفط من إمكانية استغلاله في تهريب النفط.
غير أن نشر الوثيقة أثار جدلاً واسعاً، فسارعت شركة سومو، إلى إصدار بيان أكدت فيه أن الكتاب لا يمثل اعترافاً بوجود تهريب للنفط، وأن مخاطبتها لجهاز الأمن الوطني جاءت في إطار إجراءات رقابية معتادة للتحقق من مواقع الناقلات، وأن تصنيف بعض السفن ضمن قائمة المراقبة لا يعني ثبوت ارتكابها مخالفات، بل يعكس مستوى المتابعة الفنية التي تنفذها الشركة بصورة مستمرة.
إلا أن ما يلفت الانتباه أن الأساليب التي تحدثت عنها سومو، من إخفاء الهوية البحرية، وإطفاء أجهزة التتبع، وتغيير أسماء السفن تتقاطع بصورة لافتة مع الثغرات التي سبق أن وثقها ديوان الرقابة المالية في ملف المناقلات البحرية.
وفي السياق نفسه، شدد مدير عام شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، علي نزار الشطري، على أن جميع صادرات النفط العراقي تخضع لمنظومة رقابية تمتد من لحظة تحميل الشحنة حتى وصولها إلى المستورد النهائي.
وقال إن الشركة تعتمد على أنظمة تتبع متقدمة، من بينها برنامج (كبلر) الأمريكي، لمراقبة حركة الناقلات، كما تتم عمليات البيع وفق أسعار عالمية ومزايدات تشارك فيها شركات دولية، بينما تخضع عمليات الدفع لإجراءات مصرفية ورقابية متعددة.
ويضف الشطري، أن ظهور ناقلات غير معروفة في المياه الإقليمية لا يعني بالضرورة ارتباطها بعمليات تهريب:”إذ قد تكون تابعة لجهات حكومية أخرى أو تنقل مواد غير نفطية”، ويؤكد أن سومو، تمتلك قاعدة بيانات محدثة لجميع الناقلات التي تتعامل مع النفط العراقي، وتنسق بصورة مستمرة مع الأجهزة الأمنية والجهات الرقابية.
وعلى الرغم من هذه التأكيدات، يرى مختصون في مكافحة الفساد أن أنماط السلوك التي تحدثت عنها وثائق سومو، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الثغرات التي سبق أن وثقها ديوان الرقابة المالية.
ويقول الناشط في مجال مكافحة الفساد، سعيد ياسين، إن ملف تهريب النفط في العراق يشكل قضية خطرة جداً، فهو يتضمن استغلالاً واضحاً للنفوذ السياسي على مستويات متعددة، ويعكس عمق الفساد المستشري في مؤسسات الدولة التي يفترض أن تحمي الثروة الوطنية، ويلفت إلى أن عمليات التهريب لا تقتصر على مناطق محددة أو مجموعات محلية، بل تمتد لتشمل أطرافاً فاعلة في مفاصل القرار، ما يجعل من مهمة الحكومة في مكافحتها أمراً معقداً ومحفوفاً بالتحديات.
وأشار إلى أن هذه الشبكات تنشط بنحو رئيسي في مناطق الوسط والجنوب، مستفيدة من ضعف الرقابة وغياب التنسيق الأمني بين الجهات المعنية، وكشف عن وجود مصاف نفطية غير قانونية تُستخدم لتكرير النفط المهرب.
ولفت ياسين، إلى أن تقديرات غير رسمية تشير إلى تهريب ما بين 40 ألفاً إلى 80 ألف برميل يومياً في أوقات الذروة، خاصة من الحقول الجنوبية مثل البصرة وميسان وذي قار، ويبين أن “هذه الكميات الهائلة تُحدث استنزافاً مباشراً لثروة العراق النفطية”.
وحسب ياسين، “يعادل تهريب 50 ألف برميل يومياً بسعر متوسط يبلغ 75 دولاراً للبرميل نحو 3.75 ملايين دولار يومياً، أي ما يقارب 1.36 مليار دولار سنوياً، وهي خسائر جسيمة تضعف قدرة الدولة على تمويل الخدمات والمشاريع الحيوية”.
ويرى ياسين، أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب إجراءات حاسمة تبدأ بتعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والعدلية، وحصر كافة التعاملات النفطية ضمن الإطار الرسمي والشفاف، مع ضرورة إنشاء آليات مراقبة فعالة مشتركة بين الجهات الأمنية والمالية والفنية، فضلاً عن تنسيق دولي لملاحقة عمليات التهريب ومصادر تمويلها، حفاظاً على موارد العراق الوطنية.
من وثائق الديوان إلى العقوبات الأمريكية هل تتقاطع الخيوط؟
بينما كانت الجهات الرقابية العراقية توثق ملاحظاتها بشأن المناقلات البحرية والثغرات التي أحاطت بها، بدأت القضية تكتسب بعداً دولياً.
ففي آذار/مارس 2025، كشف وزير النفط العراقي آنذاك حيان عبد الغني، عن أن القوات الأمريكية في الخليج احتجزت ناقلات نفط إيرانية كانت تستخدم وثائق وقوائم شحن عراقية مزورة. وهو تصريح مثل أول اعتراف رسمي بوجود وثائق عراقية استخدمت في عمليات مرتبطة بالنفط الإيراني، فيما لم يصدر تعليق من وزارة النفط الإيرانية بشأن تلك التصريحات.
وعلى الرغم من أن الوزير لم يربط تلك الحوادث بما وثقه ديوان الرقابة المالية، فإن الوقائع تكشف تقاطعاً في الوسائل المستخدمة، إذ تحدث الديوان عن ناقلات خارج القوائم الرسمية وشهادات منشأ يشتبه بتزويرها، فيما أشار وزير النفط إلى استخدام وثائق شحن عراقية مزورة في ناقلات احتجزت خارج البلاد.
وتتوافق هذه القراءة مع إفادات مصدر حكومي مطلع تحدث إلى معد التحقيق، طالباً عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله التصريح لوسائل الإعلام، اذ يقول بأن عمليات تهريب المشتقات النفطية تتركز عبر الموانئ الجنوبية، ولا سيما خور الزبير وأم قصر، فيما تشهد بعض المواقع في محافظة البصرة عمليات خلط للشحنات وإعادة تصنيفها باستخدام وثائق مزورة.
وبحسب المصدر، فإن تشابه الخصائص الفنية بين بعض أنواع زيت الوقود العراقي والإيراني يجعل من الصعب تمييزها بعد الخلط، وهو ما يستغل بحسب إفادته لإعادة تصدير الشحنات بوثائق تظهرها على أنها منتجات عراقية، بما يساعد على إخفاء منشئها الحقيقي وتجاوز القيود المفروضة على النفط الإيراني.
وبعد ذلك انتقلت القضية إلى مستوى آخر، ففي 7 أيار/مايو 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على وكيل وزارة النفط العراقية، علي معارج البهادلي، متهمة إياه باستغلال منصبه لتسهيل تحويل شحنات نفط تباع لصالح النظام الإيراني وفصائل مرتبطة بطهران، وبالإشراف على عمليات خلط النفط الإيراني بالنفط العراقي لإعادة تصديره باعتباره نفطاً عراقياً.
وأكد مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) إن التحقيقات التي استندت إليها العقوبات تشير إلى أن البهادلي سمح بنقل نفط من حقل القيارة جنوب الموصل إلى شركة VS Oil في خور الزبير، حيث جرى بحسب البيان الأمريكي خلط النفط الإيراني بالنفط العراقي قبل إعادة تصديره، كما اتهمه بتزوير وثائق منشأ لمنح تلك العمليات غطاءً قانونياً، ومنح مهرب النفط الخاضع للعقوبات سالم أحمد سعيد، إلى جانب فصيل عصائب أهل الحق امتيازات للحصول على النفط العراقي.
وفي 28 حزيران/ يونيو 2026 أوقفت السلطات العراقية البهادلي، بعد أسابيع من إدراجه على قائمة العقوبات الأميركية، في إطار تحقيقات تتعلق بالفساد واستغلال المنصب العام وضبطت في منزله بمنطقة زيونة شرقي العاصمة بغداد 11 مليون دولار أمريكي وأربعة مليارات دينار عراقي مخبأة داخل جدران منزله.
كيف تعمل شبكات التهريب؟
يرى مختصون تحدثوا إلى معد التحقيق أن تهريب النفط لا يتم عبر إخراج ناقلات من الموانئ بصورة مباشرة، بل يعتمد على سلسلة من الإجراءات التي تمنح الشحنات غطاءً قانونياً قبل وصولها إلى الأسواق.
وفي هذا السياق، يقول عضو مجلس النواب السابق أمير المعموري، إن عمليات التهريب تنفذ عبر ناقلات تستأجرها جهات سياسية ومسلحة، وإن عائداتها تذهب إلى مكاتب اقتصادية تابعة لأحزاب متنفذة، مقدراً الأموال المتحصلة منها بأكثر من ثمانية تريليونات دينار.
وتتقاطع هذه الرواية مع قراءة يقدمها الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، الذي يرى أن جهة مسلحة تسيطر على تجارة النفط الأسود من خلال شرائه من الدولة بأسعار مدعومة، ثم إعادة بيعه عبر شبكات التهريب، محققةً أرباحاً سنوية يقدرها بنحو 640 مليون دولار.
ويؤكد المرسومي، أن عمليات تهريب المشتقات النفطية، بحسب تقديراته، ما تزال مستمرة عبر المنافذ الجنوبية، ويقدر حجمها بنحو 600 ألف برميل يومياً، موضحاً أن هذه الشبكات تعتمد على شركات ثانوية تتولى نقل النفط الأسود بالصهاريج من المصافي إلى مينائي أم قصر وخور الزبير، قبل شحنه بحراً إلى ميناء جبل علي في دولة الإمارات.
ويرجح أن جزءاً من هذه الشحنات يتجه إلى مصفاة الرويس، حيث يعاد تكرير النفط الأسود وتحويله إلى مشتقات نفطية خفيفة، مشيراً إلى أن هذا التقدير يستند إلى متابعته لحركة تجارة المشتقات النفطية في المنطقة.
ويستشهد المرسومي، بكتاب صادر عن شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، يقول إنه تضمن رصد 11 ناقلة بحرية، بينها سبع ناقلات معروفة وأربع مجهولة الهوية، ارتبطت بحسب قراءته للوثيقة بعمليات تهريب كميات كبيرة من المنتجات النفطية، ولا سيما النفط الأسود، عبر مينائي أم قصر وخور الزبير والمياه الإقليمية العراقية.
ويشير إلى أن العراق ينتج سنوياً نحو 18 مليون طن من النفط الأسود، يصدر منها رسمياً أكثر من 12 مليون طن، بينما يستهلك الجزء المتبقي محلياً أو يتعرض، بحسب تقديره، للتهريب.
ويعزو المرسومي، جانباً من هذه الظاهرة إلى آلية توزيع النفط الأسود المدعوم على المصانع الإنشائية، ولا سيما معامل الطابوق والإسمنت، التي تحصل عليه بأسعار تقل كثيراً عن قيمته في الأسواق العالمية.
ويقول إن عدد معامل الطابوق يتجاوز ألف معمل، فضلاً عن مصانع أخرى، بعضها بحسب وصفه وهمية، وتتسلم حصصاً من النفط الأسود بأسعار مدعومة تبلغ 100 ألف دينار للطن لمعامل الطابوق و150 ألف دينار للطن لمعامل الإسمنت.
ويرى أن هذه الأسعار، التي لا تمثل سوى نحو 20 في المائة من السعر العالمي، خلقت فارقاً مالياً كبيراً وفر، بحسب تقديره، حافزاً اقتصادياً لشبكات التهريب لنقل النفط الأسود بالصهاريج من المصافي إلى الموانئ الجنوبية، ثم إعادة تصديره عبر ناقلات بحرية، محققةً أرباحاً تقدر بمليارات الدولارات.
وعلى رغم من أن هذه الآليات، وفق إفادات الخبراء، تعتمد على استغلال أوجه القصور في الرقابة والإجراءات الإدارية، فإنها لا تجري خارج إطار قانوني يجرّمها، إذ يمتلك العراق تشريعاً خاصاً لمكافحة تهريب النفط ومشتقاته.
وينص قانون مكافحة تهريب النفط ومشتقاته رقم (41) لسنة 2008، في مادته الثالثة، على معاقبة كل من يرتكب جريمة تهريب النفط أو يشارك فيها بالسجن أو الحبس، فضلاً عن فرض غرامة تعادل خمسة أضعاف قيمة المادة المهربة، مع تشديد العقوبة إذا ارتكبت الجريمة أثناء الحروب أو حالات الطوارئ أو أزمات الوقود.
غير أن مراجعة الوثائق الرسمية التي استند إليها هذا التحقيق تظهر أن كثيراً من المخالفات الإدارية ومواطن القصور الرقابي التي رصدتها الجهات المختصة ظلت قائمة لسنوات قبل أن تتحول إلى تحقيقات وإجراءات قضائية، وهو ما يعكس فجوة زمنية بين رصد المؤشرات واتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجتها.
صولة الفجر… حين انتقلت القضية إلى اعتقالات
قبل نحو شهر من إطلاق عملية (صولة الفجر)، كانت السلطات العراقية قد ألقت القبض، في 30 أيار/مايو 2026، على وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي في منطقة الإسحاقي بمحافظة صلاح الدين، في إطار تحقيقات تتعلق بشبهات فساد وتهريب النفط.
وأعلنت الجهات القضائية لاحقاً ضبط مبالغ مالية قالت إنها تعود للجميلي، تجاوزت 170 مليار دينار عراقي، إلى جانب 24 مليون دولار أمريكي، فضلاً عن عقارات وعجلات ومصوغات ذهبية، مشيرة إلى أن المضبوطات عُثر عليها في مواقع مختلفة، بينها مزارع وأماكن أُخفيت داخلها الأموال.
وبعد أقل من شهر، أطلقت الحكومة العراقية فجر يوم 28 حزيران/يونيو 2026 عملية أمنية واسعة حملت اسم (صولة الفجر)، تعلقت بملفات فساد مالي وإداري في عدد من مؤسسات الدولة، وكان قطاع النفط من أبرز القطاعات التي شملتها الإجراءات.
وتواصلت الاعتقالات ضمن الحملة، إذ أعلنت القوات الأمنية في 9 تموز/يوليو 2026 إلقاء القبض على المدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية والقيادي في تيار الحكمة حسين طالب، على خلفية تحقيقات تتعلق بشبهات فساد وتهريب للمشتقات النفطية.
وفي 3 تموز/يوليو 2026، شهدت منطقة الدورة في بغداد اشتباكات بين قوات أمنية وجهاز مكافحة الإرهاب من جهة، ومسلحين من جهة أخرى، أثناء تنفيذ أوامر قبض بحق مطلوبين في قضايا تهريب النفط، قبل أن تعلن السلطات اعتقال عدد من المتهمين.
ولم تقتصر التحقيقات على المسؤولين الحكوميين، بل امتدت إلى رجال أعمال تقول السلطات إنهم ارتبطوا بملفات فساد في قطاع المصافي وتهريب النفط، وهو ما كشفته لاحقاً تصريحات رسمية بشأن ملاحقة متهمين غادروا العراق.
وتقول مصادر مطلعة إن القضاء العراقي أصدر مذكرة ملاحقة عبر الإنتربول بحق الأخوين حسن الكردي ومحمد الكردي، على خلفية اتهامات تتعلق بتهريب نحو نصف مليار دولار خارج العراق، مضيفة أن الاثنين كانا خارج البلاد عند تنفيذ أمر القبض بحق عدنان الجميلي.
ووفقاً للمصادر، فإن حسن الكردي، رجل أعمال عراقي من مواليد عام 1993 وينحدر من محافظة صلاح الدين، وكان وسيطاً رئيسياً ومديراً لملفات مالية حساسة مرتبطة بعقود الطاقة وكان يتميز بنفوذ واسع خلف الكواليس، أدار شبكات تمويل سياسي واقتصادي، ومن أهم عقوده مشاريع تتعلق بعقود الخزانات والطلبيات ومصافي نفطية في المحافظات الجنوبية.
وأشارت المصادر إلى أن حسن الكردي، هرب ملايين الدولارات عبر شبكة خارج العراق، وأظهرت بيانات التتبع وجوده في دولة أوروبية تشير وسائل إعلام عراقية إلى أنها فرنسا ثم اختفى بعد ذلك.
وقالت المصادر إن حسن الكردي، يرتبط بشراكة مع شخص يدعى شوانه الكردي، يحمل الجنسية الألمانية، وإن التحقيقات تشير، بحسب روايتها، إلى أن هذه الشراكة امتدت إلى شبكة يشتبه في تورطها بملفات رشاوى وتهريب أموال إلى خارج العراق.
وأضافت المصادر أن جانباً من هذه الأموال، وفقاً لما توصلت إليه التحقيقات، يعتقد أنه نتج عن عمليات تهريب النفط عبر المنافذ الجنوبية والشمالية، فضلاً عن عوائد صفقات فساد مرتبطة بعقود في القطاع النفطي.
حق الرد
التزم معد التحقيق بمخاطبة جميع الجهات التي وردت أسماؤها في هذا التحقيق، ومنحها فرصة للتعليق على الوقائع والوثائق التي استند إليها.
وبهذا الخصوص، وُجهت أسئلة مكتوبة إلى وزارة النفط والشركة العامة لموانئ العراق، تضمنت استفسارات بشأن الملاحظات التي وثقها ديوان الرقابة المالية، والإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية لمعالجة أوجه القصور التي أشار إليها التقرير، إضافة إلى عدد من الوقائع والوثائق التي تناولها التحقيق، إلا أن جميع الجهات التي جرى التواصل معها امتنعت عن الإدلاء بأي تعليق، ولم تستجب لطلبات الرد، حتى موعد نشر هذا التحقيق.
أنجز التحقيق بأشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية.