تحليل: رؤيتان ترسمان سيناريوهات الحرب او الاتفاق بين واشطن وطهران… “حرب مدمرة” أم “تسوية ناقصة”؟

رؤيتان ترسمان سيناريوهات الحرب او الاتفاق بين واشطن وطهران… “حرب مدمرة” أم “تسوية ناقصة”؟

مع الانعكاسات الهائلة للحرب الأمريكية – الايرانية، على المنطقة وبشكل خاص العراق، أمنيا واقتصاديا وسياسيا، يطرح مختصون، سيناريوهات مختلفة لمساراتها ومآلاتها، تمتد بين الحرب الشاملة المدمرة التي تفرض في النهاية الاستسلام على طهران، والاتفاق المؤقت الذي يمثل تسوية ناقصة، بلا نصر حاسم لأي من الطرفين. وتحمل كل واحدة منها تداعيات مباشرة على العراق والخليج.

يرى الباحث المتخصص في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، دكتور علي اغوان، ان “الضربة الكبرى والمواجهة الشاملة” تبدو أقرب من “الاتفاق” في ظل تعقيدات تفرزها التفاصيل والتطبيق على الأرض، ومع مسار تفاوضي يرى الامريكيون أنه غير مثمرة، مبينا أن ترامب وجد نفسه في الاسبوع الماضي أمام طريق مسدود مع ايران، ما جعل الضربة الشاملة قريبة جدا، قبل ان تؤجل.

في حين يرى الباحث في الدراسات الاستراتيجية اللواء الركن عماد صادق العزاوي، ان احتمالات الهجوم الأميركي الشامل، تتأرجح بين المنخفضة والمتوسطة، وان الضربة الشاملة ليست السيناريو الأرجح. ويرجح ان يؤدي التفاوض الى التوصل “لتسوية ناقصة، لا نصر حاسم فيها لأي طرف”، موضحا ان أميركا ستقول: ردعت إيران وفرضت قواعد جديدة للملاحة، وإيران ستقول: صمدت ومنعت كسر النظام وفرضت شروطي.

رؤيتان وسيناريوهات مختلفة

تحت عنوان “الحرب الشاملة”، كتب الدكتور اعلي أغوان:

في الاسبوع الماضي، وفي ظل تصاعد التوتر وتبادل التهديدات بين الطرفين بشن هجمات شاملة على منشآت الطاقة، وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام طريق مسدود، فايران لم تكن تستجيب والمفاوضات لم تكن منتجة، ما شكل قناعة لديه ولدى جزء مهم من صناع القرار الأمريكي، ان المواجهة الكبرى واستهداف كل شيء حيوي، لا مفر منه، بكلفته الكبيرة على الجميع.

ما أجل اتخاذ قرار “الضربة القاضية”، هو المخاوف الكبيرة من ردة فعل ايران ليس ما يخص فقط استهداف منشآت الطاقة المدنية والعسكرية الخليجية ومصادر تحلية المياه، بقدر ما يرتبط بالانتقام الأوسع عبر استخدام اوراقها الاخيرة المتمثلة بالقنابل القذرة نصف النووية او استخدام نموذج التسريب النووي لتحميل الولايات المتحدة المسؤولية اكثر. ورغم ذلك ترامب أقترب كثيراً ولعدة مرات من اتخاذ ذلك القرار، قبل ان يتكرر التأجيل.

وفق رؤية ترامب، طالما الدبلوماسية لا تأتي بنتائج كبيرة وايران لاتقبل التنازل، فالضربة ستكون حتمية. نعم نجحت القوى الخليجية لاكثر من مرة في فرملة قرار هذه الضربة، لكن قد لا تنجح في نهاية المطاف وسيحدث ما كانوا يخشونه.

من هو الرابح الاكبر من تلك الضربة القاصمة؟

في حال تمت الضربة المدمرة وحصل الاستسلام الايراني، فالرابح الأكبر منها هي الولايات المتحدة كونها ستربط مصير المنطقة اكثر بمظلتها الامنية والعسكرية وسيحصل ترامب على صفقات دفاعية جديدة من دول الخليج، وقد يقدم لهم خدمات عسكرية مباشرة مقابل اموال .

ويأمل المخططون للضربة، ان يتم تعويض الخسائر الناجمة عن تداعيات الضربة في سوق الطاقة بسبب ارتفاع الاسعار، من خلال صفقات المشتريات الضخمة، خاصة ان رد ايران سيكون قصيرا ومؤقتا وسيتم اصلاح الاضرار في الخليج بعد ذلك، والنتيجة ستكون اقتراب ايران اكثر من الفشل حسب القناعة الامريكية، وستضطر للاستسلام بالنهاية، كما يروج مؤيدو الضربة .

ما هي النتيجة النهائية لما يحدث؟

هذه الحرب لن تتوقف الا بذهاب ايران نحو التحالف مع الغرب، حيث يُعرض باستمرار على النظام الحالي في ايران هذا المسار، ان وافق النظام على الخروج من دائرة النفوذ الصيني والدخول في التحالف مع الغرب والتطبيع مع اسرائيل، ستنتهي هذه الحرب مباشرةً.

ان بقي الحاكمون في طهران رافضين لهذا المسار المعروض أمامهم، ستستمر هذه الحرب لحين تدمير الدولة واسقاط النظام واحلال محله نظام جديد يقبل بالمسار الاول.

السؤال الكبير الذي يربك الجميع

ماذا لو تمت الضربة الكبرى والشاملة، ولم يسقط النظام بعدها، ولم يقدم تنازلات مباشرة وسريعة؟

ماذا ستفعل الإدارة الأميركية لو استهدفت جميع مفاصل الدولة الطاقوية والنووية والعسكرية، ورغم ذلك لم يسقط النظام الايراني، ولم يغير سلوكه الاستراتيجي؟

ماذا سيحدث لصورة الولايات المتحدة بعد ذلك؟ وكيف ستنعكس هذه النتيجة على قوة الردع الأميركية وثقة الحلفاء وحسابات الخصوم مثل الصين وروسيا ومكانة امريكا في النظام الدولي؟

بيوت التفكير ومصادر صناعة القرار الأميركية وضعت سلسلة طويلة من الاحتمالات الشرطية، يأتي في مقدمتها أن الولايات المتحدة إذا فشلت في تغيير النظام أو تغيير سلوكه عبر الضربة العسكرية الجوية التي يسميها ترامب بالقاضية ، فقد تجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما:

القبول بفشل تحقيق أهداف الحرب وما يترتب على ذلك من تراجع في المصداقية الاستراتيجية والذهاب نحو المفاوضات وتحمل شروط ايران، أو الانتقال إلى حرب برية شاملة تتحمل فيها الولايات المتحدة كامل المسؤولية العسكرية والسياسية والاستراتيجية.

بعض الرؤى الاستراتيجية، تنبه ترامب إلى ضرورة عدم التسرع ومنح المؤسسة العسكرية والخبراء الوقت الكافي لتقدير الموقف وبناء السيناريوهات. وهي ترى ان أي ضربة يجب أن تكون جزءاً من حملة عسكرية متكاملة لا تقتصر على القوة الجوية بل تترافق مع الاستعداد لتجهيز قوة برية قادرة على تنفيذ أهداف سريعة وعزل مناطق داخل إيران واستثمار أي تصدعات داخلية أو تعاون محتمل من بعض القوى المعارضة مع الاستعداد لاحتمال تحول العمليات إلى حرب برية طويلة ومعقدة داخل الجغرافيا الإيرانية .

تحولت الى حرب المؤسسات الامريكية

هذه الحرب كانت تصنف على انها “حرب ترامب الشخصية”، لكن بعد التلكؤ الكبير الذي حصل تحولت لحرب المؤسسات العسكرية الامريكية، بل ان هذه الحرب اصبحت جزء من كرامة هذه المؤسسات فالفشل فيها يعني انتكاسة لا تحتمل لأمريكا.

فعدم تحقيق هذه المؤسسات لنصر واضح، سيجعل المكانة الدولية الامريكية على المحك، وستبدأ نظرية الردع العسكري الامريكي بالاهتزاز امام ترسانات عسكرية اخرى، وهذه الاشياء اهم من ترامب نفسه.

لهذا يبقى خيار الضربة الشاملة ماثلا، ان لم تنجح المفاوضات الحالية، او نجحت ثم واجهت بعد اسابيع انتكاسة على الأرض. وسيتم ضرب منشآت الطاقة والبنى التحتية والمواقع النووية الايرانية، وسترد ايران، ولن يكون هناك مهرب من التداعيات .

التصعيد الجديد في حرب ايران: تقدير موقف استراتيجي

تحت هذا العنوان، كتب الباحث في الدراسات الاستراتيجية، اللواء الركن عماد صادق العزاوي:

يقول الجنرال ديغول: “إن الحرب أمر عظيم أخطر من أن تُترك للسياسيين وحدهم”، الساسة يخطئون في اشعال حروب باهداف غير محددة، أو بأهداف تتجاوز الامكانيات المتاحة، او دون اعداد استراتيجي لاحتمالات تطورها.. وهذا ينطبق على الكثير من الحروب : فيتنام، افغانستان، العراق، ومنها حرب ايران الحالية.

ترامب دخل حرب إيران برؤية سياسية سطحية، متأثراً بحليفه الإسرائيلي، فتحولت إلى كابوس استراتيجي متعدد المسارات. الأهداف المعلنة الأولى لم تتحقق، وانتقل مركز الثقل إلى قضية جديدة: مضيق هرمز والملاحة، وهي لم تكن الهدف العملياتي الأول عند بداية الحرب.

حقيقة عسكرية: الحروب لا تُحسم من الجو وحده

القوة الجوية تُضعف العدو وتربك قيادته وتفتح الطريق، لكنها لا تحسم الحرب إلا إذا تُرجمت إلى فعل بري أو انهيار داخلي أو تسوية مفروضة.

في حرب الكويت: حشد التحالف 2500ـ3000 طائرة، وشن حملة قصف الاكبر في التاريخ لأكثر من 40 يوماً كل الأهداف بما فيها البنى التحتية.

النتيجة الفعلية: القصف لم يدمّر إلا 10ـ20% من قدرات الجيش العراقي، فيما كانت التقديرات تقول 80%. (تقرير البنتاغون عن حرب الخليج 1991)

اليوم الحشد الجوي الأميركي حول إيران لا يتعدى نحو 200 طائرة، طائرات الضربة منها عشرات فقط.

والضربات أقل كثافة وأكثر تقطعاً، وتركّز على القدرات البحرية ذات الصلة بالملاحة.

والهدن المتخللة تتيح للحرس الثوري: التكيّف، إعادة التموضع، تعويض الخسائر، والصمود.

وهنا السؤال لم يعد: من يضرب أكثر؟ بل: من يحتمل أكثر، ومن يملك نفساً أطول؟

احتمالات التصعيد ونهاية الحرب

أولاً: الهجوم الأميركي الشامل

– الاحتمال: منخفض إلى متوسط، وليس السيناريو الأرجح.

– الغزو الواسع يحتاج حشوداً برية ولوجستيات وقواعد إقليمية غير متوفرة بالقدر الكافي. ايران دولة كبيرة المساحة صعبة التضاريس، ساحلها الطويل يمكنها من التأثير على الملاحة من اية نقطة فيه ولا يمكن احتلال الساحل كله ومناطقه الخلفية.

– الأرجح: استمرار الضربات الجوية والصاروخية وتوسيع بنك الأهداف، لا احتلال شامل.

ثانياً: المفاوضات

– مرشحة للعودة، لكن لا بثقة عالية.

– كلا الطرفين يريد التفاوض من موقع قوة لا من موقع إنهاك ظاهر.

– الراجح ليس اتفاقاً تاريخياً شاملاً، بل:

◦ تفاهمات مرحلية: تهدئة مقابل تهدئة

◦ ترتيبات تخص هرمز

◦ حدود مؤقتة للنشاط النووي أو العسكري

◦ من دون حل جذري للصراع واسبابه( اي ستبقى هناك دوما قنبلة موقوتة).

ثالثاً: التدخل البري (إن حدث)

– الأرجح: محدود وخاطف، لا غزو واسع.

– أكثر السيناريوهات تداولاً:

◦ جزيرة خرج (شريان النفط الإيراني)

◦ قشم، لارك، أبو موسى، طنب الكبرى والصغرى (لتخفيف قبضة إيران على المضيق)

– احتمال أخطر وأضعف: عمليات خاصة عميقة قرب مواقع نووية لالتقاط او تدمير مواد نووية ، إلا إذا وقع تصعيد نوعي كبير.

رابعا: توسيع نطاق الحرب

ايران تحاول توسيع ساحة العمليات لتشمل البحرين المتوسط والاحمر وعبر عمليات الوكلاء لخلط الاوراق وتشتيت الجهد الاميركي. اميركا تستعين باسرائيل وربما دول الخليج لضرب ايران .. لكن هذه الامور لن تتصاعد لحرب مفتوحة وستبقى تحت السيطرة في معركة كسر الارادات وتحسين شروط التفاوض تحت النار.

خامسا: كيف تنتهي الحرب؟

– الأرجح: تسوية ناقصة، لا نصر حاسم.

– أميركا ستقول: ردعت إيران وفرضت قواعد جديدة للملاحة. إيران ستقول: صمدت ومنعت كسر النظام وفرضت شروطي .

– النتيجة الواقعية: إنهاك متبادل ثم تفاوض، لا استسلام كامل من أي طرف.

سادسا: مصير النظام الإيراني

– السقوط الوشيك غير مرجح الآن.

– الأرجح: بقاء مع إضعاف واستنزاف وتراجع في هامش الحركة.

– الأنظمة العقائدية لا تسقط دائماً تحت القصف؛ أحياناً تتماسك مؤقتاً كلما اشتد الخطر الخارجي، قبل أن تتفكك من الداخل ببطء.

– النظام سيكون اكثر عزلة اقليميا ، تصفية او اضعاف اذرعه الخارجية، محليا سيتجه نحو التشدد والعسكرة مع سيطرة تامة للحرس على مقاليد الامور.

سابعا: مستقبل ترامب

– يتحدد بمدة الحرب وكلفتها:

◦ إذا فرض تهدئة سريعة وفتح هرمز وادّعى تنازلات: قد يقدّم ذلك داخلياً كنجاح.

◦ إذا طالت الحرب وارتفعت الأسعار وتزايدت الخسائر: ستتحول إلى عبء سياسي مباشر، خصوصاً أن داخل قاعدته من يرفض حرباً طويلة جديدة.ناهيك ان اغلبية الشعب الاميركي لا يعتبرها حربه. حينها مستقبل ترامب في الترشح لرئاسة ثالثة سيصبح مستحيلا.

ثامنا: دول الخليج والحرب

– الدخول المباشر والشامل غير مرجح: لا دولة خليجية تريد حرباً مفتوحة مع إيران، كلها تفضل التهدئة والتفاوض لما تمثله الحرب من تهديد لاقتصاداتها ورؤيتها التنموية ومستقبلها.

– لكن الانجرار التدريجي حاصل فعلاً:

◦ السعودية نفّذت ضربات مشتركة مع أميركا ضد ميليشيات عراقية موالية لإيران.

◦ الإمارات تبنّت موقفاً أكثر تصعيداً وعمّقت علاقتها العسكرية مع إسرائيل( بما فيها توريد القبة الحديدية).

◦ البحرين والكويت تعرّضا لأكثر الهجمات الإيرانية دون قدرة اي منهما على رد مستقل.

– إيران تستغل التشتت الخليجي: تهاجم دولاً بعينها بشكل انتقائي لفرّق تسد داخل مجلس التعاون.

– مستقبل العلاقة مع ايران: براغماتية حذرة لا مصالحة: حوار لا ينقطع لكن مع سباق تسلّح ومشاريع بديلة للمضيق وثقة مفقودة لفترة طويلة. لن تكون حرباً مفتوحة، لكنها لن تكون سلاماً دافئاً أيضاً.

تاسعا: العراق

لا ناقة ولا جمل له في الحرب، فهو ممر ومتلقي لضربات الاطراف المشتبكة لأنه الخلقة الأضعف وهناك من يريده ان يكون طرفا لصالح جهة محددة، مع انه الخاسر الاكبر في كل الظروف، ومن مصلحته ان ينأى بنفسه بعيدا عن العواطف والتهريجات والاستعداد لتفاهمات مابعد الحرب منذ الان.

– المضيق ستقل اهميته مستقبلا مع الاتجاه لخطوط نفط بديلة الى البحر الاحمر والمتوسط وبحر العرب.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35107}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">