مع موجة التهديدات الأمريكية الجديدة بشن هجمات كبيرة وغير مسبوقة في الداخل الايراني بما فيها ضرب محطات الطاقة الايرانية، الى جانب العودة لإحتمال استهداف القيادات السياسية العليا، ان لم يتم التوصل “سريعا” الى اتفاق شامل يفتح مضيق هرمز، كثّفت قوات الأمن الايرانية ضغوطها على المناطق الكردية في غربي البلاد في ما يعتقد انها عمليات استباقية لمواجهة أي حراك داخلي محتمل أو تحرك كردي على الأرض.
يؤكد ناشطون مدنيون ومنظمات حقوقية، أنه مع احتمالات توسع الحرب الإقليمية، بما ستحمله من تداعيات اقتصادية وأمنية كبيرة في الداخل الايراني كما المحيط الاقليمي، كثفت السلطات الايرانية إجراءاتها الأمنية والعسكرية في المناطق الكردية، بدءا بزيادة الانتشار العسكري، وشن حملات أمنية في العديد من مناطق غربي البلاد، شملت عمليات قتل واعتقال وملاحقة واشتباكات مباشرة مع معارضين بالأسلحة الخفيفة.
قتل وحملات اعتقال غير مسبوقة
وقُتل ما لا يقل عن ثلاثة أفراد من عائلة كردية واحدة، كما لقي عشرات النشطاء وأعضاء في أحزاب المعارضة الكردية مصرعهم في اشتباكات مسلحة أو هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ في مناطق حدودية غربي البلاد، في حين تصاعدت عمليات الاعتقال التي شملت مختلف المدن الكردية خاصة الحدودية منها.
في المقابل، استهدفت الجماعات الكردية المسلحة عدة نقاط تفتيش ومواقع للقوات الحكومية، في مناطق مريوان وبانه وبوكان، وهي هجمات أسفرت عن مقتل وجرح عدد من عناصر قوى الأمن والحرس الثوري، لم تقم أي جهات باعلان أعدادها.
ووفق منظمة “هنكاو” الحقوقية، تجاوز عدد المعتقلين في محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية الـ 10000 مواطن كردي، تم التعرف على هوية 861 منهم، في اول ستة اشهر من العام ٢٠٢٦. وقال النشاط السياسي اكام محسني، ان الاعتقالات التي تحصل عشوائية وتستهدف فئات وأعمار مختلفة وهي تبرز حجم حالة القلق التي تسود الأجهزة الأمنية.
ويشير الى الهدف من الاعتقالات، التي طالت الكثيرين ممن لا مؤشرات على وجود نشاط لهم، هو تحذير المجتمع الكردي من الانخراط في اي حراك سياسي او اضطرابات تحصل، اي استخدامها كوسيلة ترهيب وردع.
ويستدرك “لكن الاعتقالات ذاتها تثير غضب الأهالي، خاصة بين العوائل غير المنخرطة في السياسة، ما يجعل من تأثيرها عكسيا اذا حدث اضطراب أمني في تلك المناطق”.
مقتل ناشط بارز مع عائلته
بحسب تقارير مصادر حقوقية، تواصلت معها (نيريج) تعرضت سيارة مهدي توكلي، المصور والناشط المدني من مدينة سنندج ومدير بيت مصوري كردستان، في ٢٦ من الشهر الماضي، لإطلاق نار مباشر من قبل عناصر أمنية على طريق بانه – مريوان. وقُتل توكلي على الفور إلى جانب شقيقته سمية توكلي، وهي أخصائية في علم النفس، ووالدتهما مريم أصلاني.
وذكرت منظمات حقوقية بينها منظمة هنكاو، و شبكة كردستان لحقوق الانسان KHRN)) ان السلطات الأمنية استدعت أفراد العائلة لتسليم جثامين الضحايا ودفنها، لكنها اشترطت عدم التحدث علناً عن الحادثة، كما مارست ضغوطاً عليهم للاعلان ان سبب الوفاة “حادث سير”. وكان توكلي قد سبق أن اعتُقل وصدر بحقه حكم قضائي بسبب أنشطته المدنية.
المصادر التي حاولت من خلال تواصلها مع عائلة الضحايا، تصوير الأمر كخطأ، تناقضت روايتها تماما مع ما قدمته وسائل الإعلام الحكومية من تفسير للحادث، حيث ذكرت أن قوات حرس الحدود ووزارة الاستخبارات أطلقت النار على سيارة كانت تقل أربعة أعضاء من حزب الحياة الحرة الكردستانية (بيجاك) في مدينة بانه.
وحاولت السلطات الأمنية من خلال المنصات الرسمية تمرير رواية ان ركاب السيارة كانوا أعضاء في تنظيم مسلح وقُتلوا خلال اشتباك، دون أن تنشر أي أدلة تثبت أنهم كانوا مسلحين أو تؤكد وقوع تبادل لإطلاق النار.
القتل قبل التثبت من الخطر
تعكس الإحصاءات التي نشرتها شبكة حقوق الإنسان في كردستان صورة أوضح لحجم أعمال العنف التي تنفذها السلطات، والتي تؤشر وجود تعليمات بالهجوم على أية “أهداف” يعتقدون انها تمثل مصدر تهديد او قلق في المناطق الكردية.
فخلال الأسابيع الثلاثة الماضية وحدها، قُتل ما لا يقل عن أربعة من “عتّالي الحدود” المعروفون محليا باسم “كولبر” والذين يملكون ما يشبه التراخيص الرسمية، لنقل البضائع عبر الحدود العراقية الايرانية.
وحصلت حوادث القتل عبر إطلاق نار مباشر من أجهزة امنية ايرانية في مناطق نوسود ومريوان وسروآباد الحدودية. كما قُتل مواطنان آخران، من بينهما سام حسني، وهو فتى يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً، أصيب برصاص قوات حرس الحدود على طريق قرية دركي التابعة لمدينة مريوان.
وفي حادثة أخرى، قُتل ريباز سليمان صالح، وهو راعٍ يبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً ومن سكان إقليم كردستان العراق، إثر إطلاق نار من قبل قوات الحرس الثوري على حدود سروآباد التابعة لمريوان.
هجمات على مقرات الاحزاب المعارضة
تزامنت عمليات الاستهداف تلك، مع عودة الهجمات المكثفة وبشكل شبه يومي على مقرات الأحزاب الكردية الايرانية المعارضة، التي أوقفت منذ سنوات أي نشاط مسلح لها داخل ايران، ففي صباح الجمعة 26 تموز، أطلق الحرس الثوري عدة صواريخ على مقر حزب كومله كردستان إيران في قرية زركويزلة داخل إقليم كردستان العراق، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن تسعة من عناصر البيشمركة التابعين للحزب. وبعد يومين، تعرض مقر حزب الحرية الكردستاني PAK)) في منطقة داره شكران بمحافظة أربيل لهجوم بطائرة مسيّرة، ما أسفر عن إصابة تسعة من أعضائه.
وقبل ذلك، اندلعت مواجهات مباشرة بين قوات الحرس الثوري من جهة، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب الحياة الحرة الكردستانية (بيجاك) من جهة أخرى، أسفرت، بحسب مصادر الحزبين، عن مقتل ما لا يقل عن عشرة من عناصرهما. كما قالت هذه المصادر إن عنصرين من الحرس الثوري قُتلا أيضاً في مدينة باوة خلال الاشتباكات نفسها. وهي اول اشتباكات مباشرة تسجل في المنطقة منذ فترة طويلة.
وعلق ناشطون ايرانيون، على توسع الاستهدافات والعمليات الهجومية تلك، وقال الناشط السياسي اكام محسني بانها عمليات استباقية لإضعاف قدرة القوى الكردية على التحرك، في حال قررت الولايات المتحدة توسيع هجماتها وتغير طبيعتها بشن عمليات برية داخل ايران.
ولا تنشر الحكومة الإيرانية عادةً إحصاءات مستقلة حول هذه الأحداث، وحتى عندما تنشر بيانات رسمية، فإنها تختلف بصورة ملحوظة عن الأرقام التي تعلنها منظمات حقوق الإنسان وأحزاب المعارضة، وهو نمط أشارت إليه شبكة حقوق الإنسان في كردستان مراراً في تقاريرها الشهرية.
وفي ظل غياب الرواية الرسمية الشاملة، تولّت قنوات تلغرام وصفحات إكس التابعة لحزب “كوملة” المعارض، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وشبكة حقوق الإنسان في كردستان، نشر أسماء وصور القتلى، مقدمةً حصيلة غير رسمية أعلى لعدد الضحايا.
استقدام غير مسبوق للحرس الثوري
وهجمات كردية على نقاط تفتيش ومتعاونين
ومع التصعيد المتبادل الأمريكي الايراني، نفذت الجماعات الكردية المسلحة خلال الفترة نفسها عدة هجمات استهدفت مواقع القوات الحكومية. ففي يوم الجمعة 6 تموز، هاجم أشخاص وصفتهم وسائل الإعلام الرسمية بـ«الإرهابيين المرتبطين بالجماعات الانفصالية» نقطة تفتيش على محور بانة – سقز في محافظة كردستان غربي ايران. ووفقاً لما أوردته وكالتا مهر وكردپرس، أسفر الهجوم عن مقتل عنصرين من قيادة قوى الأمن الداخلي المعروفة بـ (فراجا) وإصابة خمسة آخرين، بينهم عنصر في الحرس الثوري، ومدنيان، وقائد شرطة مدينة بانه، إضافة إلى طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات.
وفي هجوم مماثل وقع على نقطة تفتيش سبدلو في بانة بمحافظة كردستان، قُتل عنصران من فراجا وأصيب أربعة أشخاص بجروح.
وعقب تلك الحوادث، أصدرت قيادة شرطة محافظة كردستان توجيهات بتكثيف عملياتها الأمنية والتحقيق لتحديد هوية منفذي الهجمات.
وأفادت مصادر في أحزاب المعارضة الكردية، أن هجمات القوى الكردية، استهدفت أيضا في المناطق الحدودية أفراداً محليين مرتبطين او متعاونين مع الأجهزة الأمنية الايرانية، ويُطلق عليهم في أدبيات المعارضة تسمية “جاش”.
ووفقاً لتلك الأحزاب، فإن هذه العمليات جاءت رداً على تعاون هؤلاء الأشخاص مع الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات في تعقب النشطاء وعناصر البيشمركة. وهذه الاستهدافات كانت قد توقفت منذ سنوات طويلة، وعودتها تمثل مؤشر على حراك كردي يمهد لبدء عمليات على الأرض، بحسب الكاتب المراقب للشأن الايراني حسين اسكندر.
أسكندر، أشار الى ان السلطات الأمنية قامت باشعال الغابات الطبيعية في بعض المناطق الحدودية، كوسيلة للضغط على القوى الكردية ومنع استخدام البيئة الطبيعية للاختباء والهجوم، مبينا أن اللجوء لاشعال الغابات يؤشر حالة قلق لدى السلطات، في وقت يعد اشعال الحرائق جريمة يحاسب عليها القانون بسبب تداعياتها البيئة الكبيرة.
وتداركا لأي توسع في الحرب، وتحرك كردي محتمل على وقع التصعيد، قامت السلطات الايرانية باستقدام غير مسبوق لقوات الحرس الثوري الى منطقة هورامان أقصى غربي إيران، التي تضم مدن باوة ومريوان وسروآباد، ونشرت بعضها في مواقع بمحيط المدن، مع إغلاق الطرق المؤدية إلى عدد من القرى الحدودية، وذلك بالتزامن مع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة على مقرات أحزاب المعارضة الكردية.
مشروع قانون وتعريف موسع لـ”العسكري”
ولا يقتصر التصعيد على الجانب الميداني، إذ يترافق مع نقاشات تشريعية أثارت مخاوف لدى ناشطين كرد، بشأن إمكانية توسيع تعريف الجهات التي يمكن اعتبارها أهدافاً عسكرية يمكن استهدافها.
وناقش مجلس الشورى الإسلامي مشروع قانون عاجل يحمل عنوان «مواجهة الجرائم الدولية»، وقد أُقرّ جزءا من مواده خلال الأسبوع الماضي.
وتنص المادة الأولى من مشروع القانون على أن “المدني” هو الشخص الذي لا ينتمي إلى القوات المسلحة التابعة لأي من أطراف النزاع، ولا يشارك بصورة مباشرة في الأعمال القتالية، ولا يحمل السلاح بشكل ظاهر. إلا أن المادة نفسها تعتبر جميع المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة، وكذلك الأفراد المرتبطين بالقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) والجماعات التي تصفها بـالعميلة التابعة لها ك”عسكريين” بغضّ النظر عما إذا كانوا يحملون السلاح أم لا.
وقال مهدي كوچكزاده، النائب عن طهران وصاحب الاقتراح الخاص بهذه الإضافة، إن هدفها إزالة الغموض القانوني بشأن الإجراءات المتبادلة التي قد تتخذها الجمهورية الإسلامية.
ويحصر النص الذي أُقرّ رسمياً هذا التعريف بالمستوطنين الإسرائيليين والأفراد المرتبطين بـ«سنتكوم»، ولا يذكر أحزاب المعارضة الكردية بالاسم. غير أن ناشطين في مجال حقوق الإنسان ومحامين أكراد أعربوا عن مخاوف من أمر آخر، يتمثل في أن الإطار الأوسع الذي يقدمه مشروع القانون، والذي يوسع مفهوم الشخص العسكري، او المسلح، إلى ما يتجاوز مجرد حمل السلاح، قد يُستخدم لتقديم تفسيرات مماثلة بحق الأعضاء غير المسلحين في أحزاب المعارضة الكردية، وهي الأحزاب التي تصفها طهران حالياً بأنها “جماعات إرهابية”.
ولم تصدر وزارة الاستخبارات والحرس الثوري الإيراني أي توضيحات بشأن تفاصيل هذه الحوادث، ولا يزالان يلتزمان الصمت حيالها، في وقت وفرت الحرب غطاءً لتشديد الإجراءات الأمنية والسلوكيات القمعية في المناطق الكردية، في حين الاعلام المحلي والدولي مشغول بقضايا اخرى.
واعتبرت أحزاب المعارضة الكردية، كحزب كوملة وائتلاف التضامن الشامل من أجل الحرية والمساواة في إيران، أن الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة الأخيرة داخل اقليم كردستان، تمثل “تصعيداً لسياسة القمع والاغتيالات التي تستهدف المعارضين السياسيين” على الرغم من توقفهم منذ سنوات عن القيام بعمليات مسلحة داخل ايران. كما تمثل الهجمات استهدافا لقيادة اقليم كردستان التي وقفت في الحياد، ومنعت استخدام اراض الاقليم لشن هجمات على ايران.
ويخشى ناشطون ومحامون أكراد، بينهم مهدي محمدي أن تؤدي التعديلات البرلمانية، إلى جانب التصعيد الميداني في المناطق الكردية غربي ايران، إلى توسيع نطاق الاستهداف ليشمل فئات جديدة من المعارضين، وربما تبرير استهداف المدنيين، في وقت لا تزال فيه الروايات الرسمية بشأن معظم الحوادث موضع خلاف.
المعادلة الخطرة.. الجوع وضرب مصادر الطاقة
ويقول علي غلامي، وهو ناشط ايراني يقيم في اقليم كردستان، ان المدن والقرى الكردية تشهد حالة احتقان كبيرة، في ظل الاستهدافات المتزايدة بالقتل والاعتقال، ومع احتمال عودة الهجمات الامريكية واتخاذها مسارا أكثر عنفا من خلال استهداف محطات الطاقة، وعلى وقع الأزمة الاقتصادية الخانقة، يصبح احتمال وقوع اضطرابات أمنية أكبر بكثير.
ويشير الى ان غالبية العوائل بالمناطق الكردية، باتت تعجز على تأمين الحد الأدنى من متطلباتها المعيشية في ظل تراجع قيمة العملة، بينما تواجه العديد منها حملات اعتقال لأبنائها بمجرد الاشتباه “ومع غلق مساحة الاحتجاج المدني، يصبح اللجوء الى السلاح أمرا طبيعياً”.
ويخلص الى القول:”النظام على الرغم من استخدامه للخطابين العقائدي والقومي وتأكيده على حقه في الرد على عدو خارجي، وتحميله مسؤولية الفقر لكسب تعاطف الشعب الايراني، فانه يواجه صراع داخلي بوجود جناح يريد الخروج من مأزق الحرب نهائيا، وآخر يرى بمنح الأولية لانقاذ الاقتصاد، بينما يصر الحرس على تغليب رؤيته للمواجهة، وهو ما يبقي احتمال التصادم والانفجار الداخلي قائما ويتصاعد يوماً بعد آخر”.