آراء, متابعات: الصحافة العراقية أمام الاختبار الصعب لملفات حملة مكافحة الفساد

الصحافة العراقية أمام الاختبار الصعب لملفات حملة مكافحة الفساد

هي معركة بناء الدولة من خلال مكافحة كارثة الفساد ومنظومته الحامية، ومساحتها بالنسبة للصحافة المهنية، لا تتمثل في نقل أخبار العقارات والأموال وسبائك الذهب المكتشفة والمستردة، واسماء المتورطين المعتقلين، بل ما وراء ذلك، ومن يقف خلف ذلك؟. لا يكفي الاجابة على الأسئلة الأساسية، بل الغوص في "كيف ولماذا" حصل كل ذلك؟

على هامش حملة ملاحقة المتورطين بالفساد في العراق، المستمرة منذ شهر، والتي يمكن وصفها بالتاريخية، تباينت التغطيات الصحفية، لكن الكثير منها سقط في امتحان الحيادية والموضوعية، ووقع في السطحية، فظهر التخبط والحيرة والفشل، كما توالت الخروقات الصحفية في نقل المعلومات وتغطية الوقائع والتعامل مع اسماء المتورطين.

يكشف هذا التخبط عن خلل بنيوي ومشاكل مفصلية في نقل المعلومات والحقائق من قبل وسائل الإعلام، تعود أسبابها تارة إلى الولاء السياسي للمؤسسة الصحفية، وتارة أخرى إلى ضعف الأداء المهني للصحفي نفسه.

قبل الخوض في التفاصيل، لا بد من التأسيس لمبدأ ثابت في عالم الصحافة: لا يمكن أبدا لمن يطبل ويزمر لصالح السلطة والأحزاب السياسية أن يكون صحفيا أو إعلاميا حقيقيا، حتى لو قدم أفضل البرامج التلفزيونية والإذاعية، أو كتب أفضل التقارير والمقالات والتحقيقات والمتابعات. فما يقوم به هؤلاء تحت غطاء الكتابة والعمل الصحفي هو في الأساس اعلانات ودعايات تتسبب في تشويه هذه المهنة والإساءة إليها، لأن من يحدد ويرسم الخط التحريري لهؤلاء والصياغات والتعابير التي يستخدمونها، هو المصلحة الشخصية وليس المصحلة العامة.

فالصحفي الحقيقي لا يقف مع السلطة ولا ضدها، هو من خلال أدائه لعمله بشكل مهني فقط يتحدد موقعه في قضية ما ويظهر من يعارضه أو يسانده. فطبيعة العمل الصحفي تقتضي أن ينقل الوقائع والمعلومات كما هي حتى لو شكلت ازعاجا وقلقا لطرف ما، وكانت محل سرور وقبول من طرف آخر.

وهنا قد يتوافق اتجاه عمل صحفي محدد في قضية ما، مصادفة مع مصلحة طرف معين، فيظن ذلك الطرف أنه قريب منه، وهذا تصور غير دقيق، وعموما لا ينبغي للصحفي أن يشغل فكره بكسب رضا أي طرف من خلال عمله أو الوقوع في خصومة طرف.

ومن هنا يبرز سؤال مهم: متى يمكن للصحفيين أن يدعموا تحركا أو توجها او قرارا للسلطة أو لحزب معين؟ والمقصود بالدعم هنا أن يُقيَّم العمل الجيد بما يستحقه، كما في حملة “صولة الفجر” الجارية حاليا لمحاربة الفساد، حتى مع احتمال وجود أهداف ودوافع أخرى خفية للحملة. ربما الجواب يكمن في النتائج المتحققة، هل هي تخدم المصلحة العامة؟ بمعنى تساهم في الإصلاح ومنع الفساد وتصحيح مسار مؤسسات الحكومة لما فيه مصلحة عموم الناس.

وإذا أخذنا الخطوات الجديدة لحكومة العراق مثالا على ذلك، فمن المؤكد أننا لن نجد شخصا صادقا ونزيها يقول إن ما تقوم به خطأ؛ بل على العكس، يجب اعتبار هذه الخطوات غير المسبوقة ضد الفساد والفاسدين ومن جمعوا الأملاك والعقارات بطرق غير قانونية، عملية تصحيحية شجاعة يجب دعم نجاحها لتحقيق أهدافها وحتى تطال كل من تورط في الفساد وسرقة المال العام.

كان من المفترض أن تستحضر الصحافة العراقية، في تغطيتها لهذه الحملة واخبارها المتوالية، تجربة مقارنة مفيدة قدمتها ماليزيا مؤخرا: فرئيس الوزراء الأسبق نجيب رزاق أُدين عام 2020 بالسجن 12 عاما في قضية اختلاس من صندوق “1MDB” السيادي، وأيدت المحكمة الفدرالية الحكم نهائيا عام 2023، ثم خُفِّض إلى 6 سنوات بعفو ملكي عام 2024؛ لكنه أُدين مجددا في ديسمبر 2025 بقضية منفصلة تتعلق بالصندوق نفسه، بينها أربع لإساءة استخدام السلطة و21 تهمة مرتبطة بغسل أموال، وحُكم عليه بـ15 عاما إضافيا.

الدرس هنا ليس في تفاصيل الأرقام، بل في أن المساءلة الجادة التي مارست الصحافة دورا مهما وواعيا فيها، وفي النهاية لم تكتف أجهزة القضاء بحكم واحد، ولم تتوقف عند نفوذ المتهم السياسي السابق، بل تلاحقه قضية بعد أخرى حتى تُستنفد كل خيوط الملف.

وهذا بالضبط ما يجعل التجربة الماليزية معيارا يصلح لقياس ما يجري في العراق اليوم: فحكومة بغداد الجديدة تخطو خطوات جيدة في مسار وقف الفساد، وملاحقة بعض كبار المتورطين وجامعي الأملاك بطرق غير قانونية، لكن الفارق بين النموذجين سيُقاس لاحقا بمدى استمرارية الملاحقة القضائية، وعدم اقتصارها على موجة أولى من الإجراءات ثم التراجع أو الاكتفاء بالحد الأدنى.

وهنا تظهر أهمية دور الصحافي في المتابعة، مع وجوب ان يكون متيقظا ومتنبهاً للخط الفاصل بين الاعلان والعمل الصحفي، فعليه أن يمتلك القدرة على الإشارة الايجابية “للانقلاب التصحيحي” الذي قامت به السلطة على “منظومة الفساد وآليات عملها”، من دون أن يقع في فخ الدعاية لها، أو يُنظر إليه كبوق لها.

وعليه العودة دائما لحياده المهني وموضوعيته، كما للتقصي الدقيق حول الدوافع والأبعاد عبر اثارة الأسئلة وطرح الشكوك، فيثني على العمل الجيد وينتقد العمل السيء في آن واحد، وينبه لعدم التوقف عند خط معين يفرضه الخضوع لتسويات سياسية مثلا.

ويبقى السؤال حاضرا في عقول الصحفيين، هل ما يحصل إجراءات فعلية لمحاسبة وتوقيف كبار المسؤولين المتورطين في اختلاس أموال الدولة؟ أم هي حملة موسمية “مؤطرة الأبعاد” بأهداف محددة ترتبط بحملة تسويقية للحكومة الجديدة، ستنتهي بمجرد اعتقال بعض المتورطين من ذوي المسؤوليات الأدنى؟

متابعات الصحفيين لملفات الفساد المختلفة، ملاحظاتهم على تفاصيل الحملة الحالية، وما يستنبطونه من معاني ومفردات، من خلال تقصيهم وحيادهم وموضوعيتهم، وليس مصالحهم الشخصية، كلها امور حاسمة في ادامة الحملة ومنع توقفها عند حدود صغار الفاسدين أو اقتصارها على بعض الملفات.

انها معركة بناء الدولة من خلال مكافحة كارثة الفساد ومنظومته الحامية، ومساحتها بالنسبة للصحافة، لا تتعلق بمجرد نقل أخبار العقارات والأموال وسبائك الذهب المكتشفة والمستردة، وحجمها وقيمتها، واسماء المتورطين المعتقلين، بل ما وراء ذلك، ومن يقف خلف ذلك؟. لا يكفي الاجابة على الأسئلة الأساسية، بل الغوص في “كيف ولماذا” حصل كل ذلك؟

المزيد عن آراء

آراء

آراء, متابعات","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35056}" data-page="1" data-max-pages="2" data-start="1" data-end="1">