تحليل, متابعات: “دولة الفرهود” .. أزمات السلطة الهجينة تعيد انتاج الفشل

“دولة الفرهود” .. أزمات السلطة الهجينة تعيد انتاج الفشل

يقال إن عصبة الكوفة كانت لها ألف بيعة وبيعة، لأن الصلاة وراء علي أتم، والقصعة عند معاوية أدسم. لعل هذه المقولة لم تغادر التاريخ بقدر ما غيرت أسماء أصحابها وأدواتها. فما زالت المصالح تتقدم على المبادئ، والغنائم تسبق الأوطان، والولاءات تتغلب على مفهوم الدولة، حتى أصبح العراق، بعد أكثر من عقدين على احتلاله، نموذجا لسلطة هجينة تتقاسمها مراكز النفوذ أكثر مما تحكمها مؤسسات الدولة.

مازن صاحب

الأزمة الدائمة التي يعيشها العراق ليست أزمة حكومة أو رئيس وزراء أو إخفاق وزارة في إدارة ملف من الملفات، بل هي أزمة بنية سياسية تعيد إنتاج الفشل مع تبدل الوجوه في ظل قواعد اللعبة التي تحكم “دولة الفرهود”.

وما يواجه البلد اليوم ليس مجرد أزمات مالية وخدمية وتعليمية، وإنما خلل في بنية الحكم مع تعدد مراكز القرار وتوزع الولاءات، وحيث تتقدم المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية، وفي ظلها الأزمات لا تصبح استثناء، بل قاعدة تعيد إنتاج نفسها، مهما تغيرت الحكومات، ومهما تبدلت الشعارات.

أسئلة الدولة

لعل المؤتمر الصحفي الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برئيس الوزراء العراقي علي الزبيدي يقدم نموذجا واضحا لهذا التناقض. فقد تصدر الحديث مشروع تصدير مليون برميل يوميا عبر الأراضي التركية بوصفه إنجازا اقتصاديا كبيرا، بينما بقيت الأسئلة الحقيقية المهمة في هذا الجانب معلقة.

ما الكلف الاقتصادية للمشروع؟

وما عوائده الفعلية على الاقتصاد العراقي؟

وهل يمثل رؤية استراتيجية متكاملة مدروسة بدقة، أم مجرد عنوان سياسي جديد يضاف إلى سجل طويل من الوعود التي سبقه إليها كثيرون؟

هذه الأسئلة التي اجاباتها ترسم حضور الدولة، تبعتها أسئلة أعقد مع الأحاديث المتناقلة عن امتناع وزير النقل، وهو من حركة بدر، توقيع مذكرة تنفيذ طريق التنمية الدولي، بكل ما يحمله المشروع من اهمية للعراق وتركيا، ما أثار رد فعل مباشر وأمام الكاميرات من الزيدي.. من دون أي بيان رسمي يوضح حقيقة ما حدث، وهل هناك رفض فعلا، أم ان الأمر مجرد التباس!

القرار الأمني والسياسي.. غياب الدولة

في الملف الأمني، تتكرر المفارقة ذاتها. فمنذ سنوات يتردد شعار حصر السلاح بيد الدولة، لكن الوقائع تسير في اتجاه آخر. فالعراق ما زال ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، وما زالت الروايات الرسمية تتبدل كلما وقع اعتداء على دولة مجاورة أو تعرضت الأراضي العراقية لرد عسكري، وكأن المشكلة تكمن في توصيف الفاعل، لا في حقيقة عجز الدولة عن احتكار قرار الحرب والسلم.

ولم تمض ساعات على إعلان الحكومة العراقية فتح تحقيق في معلومات متداولة عن انطلاق الطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت داخل المملكة العربية السعودية من العراق، حتى تصاعدت التحذيرات الإقليمية، قبل أن تتطور الأحداث إلى ضربات استهدفت مواقع لفصائل عراقية أوقعت ضحايا وخسائر مادية، في مشهد يعكس حجم الانكشاف الذي وصلت إليه السيادة العراقية.

والدولة التي تعجز عن منع استخدام أراضيها منطلقا للهجمات من أي جهة كانت، ستجد نفسها عاجزة أيضا عن منع تحويل أراضيها إلى ساحة للردود العسكرية.

هنا تحديدا تبدأ أزمة السلطة الهجينة. فالدولة التي لا تحتكر السلاح، ولا تحتكر القرار، ولا تحتكر السياسة الخارجية، تصبح عاجزة عن إدارة ثرواتها وحدودها ومصالحها الوطنية. وعندئذ لا يعود النفط، ولا الاستثمار، ولا المؤتمرات الصحفية، ولا البيانات الحكومية، قادرة على إخفاء الحقيقة الكبرى، أن العراق ما زال يعيش أزمة دولة، لا أزمة حكومة، وأن “دولة الفرهود” ليست وصفا لحجم الفساد فحسب، بل توصيفا لبنية حكم تتقاسمها الولاءات، وتتزاحم فيها مراكز القرار، ويضيع بينها الوطن

لهذا لا تكفي البيانات، ولا لجان التحقيق، ولا المؤتمرات الصحفية التي تتحدث عن استرداد الأموال أو ملاحقة الفاسدين، في ظل السؤال المستمر الذي يطرحه العراقيون: كيف أنفقت مئات المليارات من الدولارات على انتاج الطاقة، وتجاوزت الإيرادات النفطية خلال أكثر من عقدين عتبة التريليون دولار، فيما بقي شح الكهرباء عنوانا للفشل، وقلة مياه الإسالة عنوانا للعجز، والخدمات الصحية والتعليمية دون الحد الأدنى الذي تستحقه دولة تمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم؟

من التنمية .. الى الراتب

ما يزيد هذا المشهد تناقضا أن المواطن لم يعد ينتظر من الدولة مشروعا وطنيا للتنمية، بل أصبح همه الأول موعد صرف الراتب الشهري، بعد أن نجحت منظومة المحاصصة في اختزال العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى معادلة تقوم على توزيع الموارد، لا على بناء الاقتصاد.

وهكذا تحول صرف الرواتب، إلى إنجاز سياسي يتكرر الإعلان عنه كل شهر، في وقت هو التزام حكومي لا يستوجب الاحتفاء ولا التذكير.

في المقابل، تتوسع امتيازات الطبقة السياسية، وتزداد أعداد الدرجات الخاصة، وتتضخم مواكب سيارات الدفع الرباعي، فيما تتراجع الخدمات العامة، وتتآكل الطبقة الوسطى، ويزداد الفقراء فقرا. ولم يعد العراقي يتساءل متى تتحسن أحواله، بل أين ذهبت ثروة بلده، ومن المسؤول عن ضياعها؟

فيما يزداد نموذج الفشل في دولة الفرهود عبر تلك المقاطع التي تتداول على منصات التواصل الاجتماعي عن بلوكرات وفاشستتات. ما زال القتال السياسي عليهن مثل الصراع امام دكان ابو الحلاوة!!

في أكثر انواع التفاهة التي عرفتها دولة الفرهود. حينما تكتشف علاقات مثل هذا النوع من الشرائح مع قيادات سياسية!!

صناعة الوهم بدل صناعة الوعي

في ظل هذا الواقع، لم يعد مستغربا أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة يطغى عليها الضجيج والتفاهة، بينما تتراجع قيمة الكفاءة والعلم والخبرة. فحين تفقد الدولة بوصلتها، يختل سلم الأولويات في المجتمع، وتصبح صناعة الوهم أكثر حضورا من صناعة الوعي، ويغدو الاستعراض بديلا عن الإنجاز.

ولا يقل خطورة عن ذلك استمرار توظيف العناوين المقدسة في الصراع السياسي، حتى باتت كثير من القضايا الوطنية تقاس بمعايير الولاء، لا بمعايير المصلحة العامة. وعندها يصبح الاختلاف السياسي خلافا عقائديا، وتتحول الدولة إلى ساحة اصطفافات، لا إلى مظلة جامعة لجميع مواطنيها.

هكذا تتجدد أمام العراقيين معادلة قديمة بثياب جديدة؛ فكلما ارتفعت شعارات الإصلاح، ازدادت منظومة المحاصصة رسوخا، وكلما كثر الحديث عن السيادة، تراجعت قدرة الدولة على فرضها، وكلما ارتفعت عناوين مكافحة الفساد، اتسعت مساحة الشك بين المواطن والسلطة.

خاصة أن ما يواجه العراق اليوم ليس أزمة مالية، ولا أزمة كهرباء، ولا أزمة مياه، وإنما استمرار بنية حكم هجينة، تتعدد فيها مراكز القرار، وتتوزع فيها الولاءات، وتتقدم فيها المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية. وما دامت هذه البنية قائمة، فإن الأزمات لن تكون استثناء، بل ستبقى القاعدة التي تعيد إنتاج نفسها، مهما تغيرت الحكومات، ومهما تبدلت الشعارات.

التعايش مع الأزمات

غير أن أخطر ما في دولة الفرهود أنها لم تعد تكتف بإنتاج الأزمات، بل أصبحت تمتلك قدرة استثنائية على التعايش معها، بل وتحويلها إلى وسيلة لإدامة السلطة. فكلما تعمقت أزمة، ولدت أزمة أخرى، وكلما ارتفعت كلفة الفشل، اتسعت دائرة المستفيدين منه. وهكذا أصبح الخراب جزءا من معادلة الحكم، لا عارضا طارئا عليها.

ولا تنهض الدول بالمؤتمرات الصحفية، ولا بالبيانات السياسية، ولا بالاتفاقيات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. وإنما تنهض حين يكون القرار الوطني مستقلا، والمؤسسات فوق الأشخاص، والدستور فوق المصالح، والمواطنة فوق الانتماءات الفرعية.

لقد أثبتت السنوات التي أعقبت عام 2003 أن تغيير الحكومات لا يعني بالضرورة تغيير الدولة. فالوجوه تتبدل، والخطابات تتغير، لكن البنية السياسية بقيت على حالها، تعيد إنتاج نفسها بأسماء جديدة، وتحافظ على آلياتها القديمة في تقاسم النفوذ والثروة، حتى أصبح الفشل جزءا من دورة الحكم، لا سببا للمحاسبة أو المراجعة.

ويبقى السؤال الذي لا تستطيع السلطة الهجينة الإفلات منه: كيف يمكن بناء دولة وطنية، بينما القرار الوطني موزع بين أكثر من إرادة، والسلاح خارج سلطة القانون، والثروة تتحول إلى غنيمة سياسية، لا إلى مشروع تنمية؟

وعندما يصبح الوطن مجرد ساحة لتقاطع المصالح، وتغدو السلطة غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لبناء الدولة، فإن السؤال لن يكون: من يحكم العراق؟ بل: هل ما زالت هناك دولة تحكم العراق؟

المزيد عن تحليل

تحليل, متابعات","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35052}" data-page="1" data-max-pages="2" data-start="1" data-end="1">