تقارير سردية: صحافيون ملاحقون وجناة يفلتون من العقاب.. تناقضات المشهد الإعلامي في العراق بعد 2003

صحافيون ملاحقون وجناة يفلتون من العقاب.. تناقضات المشهد الإعلامي في العراق بعد 2003

قتل وخطف وافلات من العقاب، اعتقالات وملاحقات قانونية، غياب منظومة الحماية القانونية، ضغوط سياسية تعطل حرية العمل الصحفي، بنية تشريعية وسياسية "تعيق الوصول إلى المعلومات"، تسجيل أكثر من 600 انتهاك خلال عام ونصف شملت الاعتقال والمنع والاعتداءات الجسدية والدعاوى القضائية والتضييق عبر اللوائح التنظيمية، هذا ما يرسم واقع العمل الصحفي في العراق، في وقت تحذر مفوضية حقوق الانسان من استمرار استخدام سلسلة مواد في قانون العقوبات لسنة 1969 لملاحقة الصحافيين رغم تعارض بعضها مع الدستور.

في الساعة الثامنة من صباح التاسع من آذار/مارس 2026، دخل الصحفي حسام الكعبي، إلى محكمة تحقيق النجف، بمحافظة النجف جنوبي العراق، قبل أن يغادرها بعد سبع ساعات من الاستجواب، في خلفية دعاوى قضائية رفعت ضده من مسؤولين في المحافظة.

لم تكن القضايا مقامة ضد شخصه، بل لصفته المهنية، نتيجة تحقيقات صحافية أنجزها ونشرها بشأن الاستحواذ على أراضٍ عامة في النجف، من بينها أرض مدينة ألعاب حي السلام.

يوضح الكعبي، الشكوى بخصوص هذه القضية، رفعت من قبل رئيسة هيئة الاستثمار عبر الدائرة القانونية، قبل أن تحال الإجراءات إلى جهاز الأمن الوطني. يقول مستغربا:”تحويل قضية نشر صحافي إلى جهة أمنية يثير إشكاليات قانونية، خصوصاً في ظل عدم إبلاغ نقابة الصحافيين أو المؤسسة الإعلامية التي أعمل فيها”.

ويؤكد الكعبي، أنه يواجه ثلاث دعاوى، اثنتان منها لدى جهاز الأمن الوطني، تضمنت أوامر قبض وتحر وتفتيش “دون أي استقدام مسبق”، فيما جاءت الدعوى الثالثة من العاصمة بغداد.

في المقابل، ينص قانون حقوق الصحافيين رقم 21 لسنة 2011 على ضمانات واضحة تتعلق بكيفية التعامل مع القضايا المرتبطة بالعمل الصحافي، إذ يشترط صدور قرار قضائي للتحقيق مع الصحافي، مع إلزام المحكمة بإبلاغ النقابة أو جهة العمل، ومنح ممثليها حق حضور إجراءات التحقيق والمحاكمة.

غير أن ما جرى مع الكعبي، بحسب روايته، يعكس فجوة واضحة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، إذ تم تجاوز هذه الضمانات، وأُحيلت القضية إلى جهاز أمني بدل التعامل معها ضمن الإطار المهني المرتبط بالعمل الصحافي.

ووفقاً لقناعة الكعبي، فأن ما تعرض له لا يخرج عن كونه “محاولة للضغط على الصحافيين وثنيهم عن متابعة ملفات الفساد”، ويؤكد استعداده لتحمل التبعات القانونية في سبيل نشر المعلومات. ويقول: “الصحافي كابوس للفاسدين”، في إشارة إلى الدور الرقابي الذي تضطلع به الصحافة في كشف التجاوزات على المال العام.

87

الصحافي حسام الكعبي وهو يتلقى بلاغ الدعاوى القضائية

سياسة ملاحقة الصحافيين

ما حصل مع حسام الكعبي، تكرر مع صحافيين آخرين، حتى أصبح نمطاً سائداً في التعامل مع الصحافيين المنتقدين وكاشفي ملفات سوء الادارة من خلال تحريك الدعاوى القضائية، خصوصاً في الملفات التي ترتبط بالفساد أو أداء المسؤولين. هذا النمط، بحسب رئيس المرصد العراقي، للحريات الصحافية هادي جلو، يعكس انتقالًا من المواجهة المباشرة إلى استخدام الأدوات القانونية كمسار بديل لتقييد العمل الصحافي.

إذ يؤكد أن ما يثير قلق الصحافيين اليوم، هو:”تصاعد حجم الدعاوى القضائية المرفوعة ضدهم، والإصرار على التعامل مع هذه القضايا عبر المؤسسات القضائية”. وعلى الرغم من وجود إشارات يصفها بـ”المطمئنة” من داخل السلطة القضائية، إلا أن ذلك لا يلغي، بحسب قوله، ما يثيره اللجوء إلى الأدوات القانونية في ملاحقة الصحافيين، من “قلق واحباط وتأثير في المسار الصحفي”.

ويمتد هذا القلق، وفق جلو، إلى تقييم أوسع لمسار حرية الصحافة خلال السنوات الأخيرة، إذ يرى أن هذا المسار لا يسمح حتى الآن بالحديث عن تحسن واضح أو مستقر، في ظل استمرار وأحيانا تنامي شعور لدى الصحافيين بوجود استقواء عليهم من قبل أطراف داخل السلطة أو من خارجها.

ويرى رئيس المرصد، أن الحكم على تجاه الحريات يحتاج إلى وقت أطول:”على الرغم من أن العراق تجاوز مرحلة العنف المباشر الذي استهدف الصحافيين في سنوات سابقة نتيجة الحروب”.

أما على مستوى الاستجابة الرسمية للشكاوى والانتهاكات، فيشير جلو، إلى وجود “فجوة واضحة في الثقة بالإجراءات الحالية، مع الحاجة إلى تشريعات أكثر إلزاماً تضمن سرعة الاستجابة ومحاسبة المتورطين”، ويؤكد في الوقت نفسه “استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب، ولا سيما في حالات التهديد والاعتداء، إذ لا تصل ملفاتها في الغالب إلى نتائج قضائية حاسمة”.

غياب منظومة الحماية القانونية

ويعتقد جلو، أن هذه الإشكالية لا تتعلق بالإجراءات فقط، بل “ببنية أوسع ترتبط بغياب منظومة قانونية قادرة على توفير الحماية الفعلية للصحافيين”، ويضيف أن “النفوذ السياسي والمالي يمثل أحد أبرز مصادر الضغط على وسائل الإعلام، ما ينعكس على بيئة العمل الصحافي ويجعل استقلاليته موضع تساؤل دائم”.

كما يشير إلى أن البيئة السياسية الحالية لا توفر ضمانات كافية لتعزيز الثقة بحرية الإعلام، وهو ما يتطلب، بحسب رأيه، جهوداً أكبر من الدولة لإعادة بناء هذه الثقة.

في المقابل، يقدم الخطاب الرسمي قراءة مختلفة لهذا المشهد، إذ يرى وزير العدل خالد شواني، أن مرحلة ما بعد عام 2003، أي بعد سقوط النظام العراقي السابق، شهدت تحولاً في بنية الدولة تجاه حرية التعبير، مستنداً إلى دستور عام 2005 الذي كفل حرية الصحافة بنحو واضح، مع تقييدها فقط في إطار المصلحة العامة والذوق العام.

ويؤكد شواني، وجود إطار قانوني وتشريعي ومؤسساتي يضمن حرية التعبير والإعلام، إلى جانب التزام العراق بالمواثيق الدولية ذات الصلة، بما يجعل حرية الصحافة جزءاً من الالتزامات القانونية للدولة.

وعلى الرغم من ذلك، يقر الوزير، بوجود تحفظات من المجتمع الدولي على واقع الحريات الإعلامية في العراق، لكنه يصف هذه التحفظات الناتجة عن الانتهاكات بأنها حالات فردية، مؤكداً أن الدولة تسير في مسار تدريجي نحو تعزيز الديمقراطية وتوسيع هامش الحريات.

نهج قائم على القمع

الجدل بشأن حرية الصحافة في العراق لا يقتصر على ساحات القضاء والملاحقات الأمنية، بل يتغلغل إلى داخل المؤسسة التشريعية نفسها، إذ يرى بعض النواب والفاعلين السياسيين أن الخلل لا يرتبط فقط بالتطبيق، بل ببنية تشريعية وسياسية تعيق الوصول إلى المعلومات وتحد من حرية التعبير.

في هذا السياق، يقول عضو لجنة الثقافة والإعلام السابق فاروق حنا، أن مشروع قانون الحصول على المعلومة الذي قدم في عام 2024 لم يشرع حتى الآن، بسبب ما يصفه بـ”ضغوط سياسية حالت دون تمريره داخل مجلس النواب”.

ويعتقد حنا، أن هذا القانون في حال تشريعه، سيشكل أحد أكثر التشريعات تقدماً في المنطقة لانسجامه مع المعايير الدولية، إلا أن “مخاوف بعض الأطراف من إتاحة المعلومات للصحافيين” تحول دون ذلك.

ويرى أن طريقة تمرير القوانين في العراق ما تزال خاضعة، بحسب تعبيره: “للاعتبارات السياسية والمحسوبية، مع وجود توجه لإبقاء المعلومات داخل مؤسسات الدولة بعيداً عن التداول العام” وهو ما ينعكس مباشرة حسب اعتقاده على “قدرة الصحافيين في الوصول إلى البيانات وممارسة دورهم الرقابي في الكشف والتنبيه”.

ويشير حنا، إلى أن لجنته البرلماني، حاولت دعم الأنشطة الصحافية وتعزيز حرية النشر والتعبير، إلى جانب العمل على تشريعات تتيح حق الحصول على المعلومة من مؤسسات الدولة، إلا أن العديد من هذه المشاريع لم تدرج على جدول أعمال البرلمان، ما يعكس فجوة بين المبادرات التشريعية ومسار الإقرار الفعلي، حسب تعبيره.

في المقابل، يذهب عضو مجلس النواب السابق سجاد سالم، إلى تقييم أكثر حدة، إذ يرى أن نهج السلطة “قائم على تقويض حرية التعبير”، وهو ما يتجلى، بحسب رأيه، في مشاريع قوانين مثيرة للجدل مثل قانون الجرائم المعلوماتية الذي أرسلته الحكومة إلى البرلمان، والذي يعده “مخالفاً للالتزامات الدولية للعراق”.

وينبه إلى أن هذا الاتجاه ينعكس بنحو مباشر على واقع الصحافيين، إذ يصبح كشف ملفات الفساد أو انتقاد القوى السياسية سبباً للملاحقة أو الضغط.

ويلفت النائب السابق إلى أن الفجوة بين النص الدستوري والتطبيق العملي “باتت واضحة”. ويضيف:”مع أن الدستور العراقي يكفل حرية التعبير والصحافة، إلا أن القوانين النافذة، مثل قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، ما تزال تتضمن مواداً تُستخدم لتجريم بعض أشكال التعبير، خصوصاً تلك المتعلقة بـإهانة السلطات أو الإضرار بالأمن العام”، وهو ما يفتح الباب، أمام تقييد واسع للعمل الصحفي، وفقا لتعبيره.

ولا يقتصر الأمر، بحسب سالم، على الإطار القانوني، بل يمتد إلى ممارسات ميدانية تشمل الاختطاف والاعتقال والاعتداء والمنع الإداري، وهي أدوات تستخدم، كما يقول، للحد من حرية عمل الصحفيين.

في المقابل، يدعو نائب رئيس مجلس النواب فرهاد أتروشي، مؤسسات الدولة والمنظمات المدنية إلى تقديم الدعم اللازم للصحافيين لتمكينهم من أداء مهامهم، بما يسهم في تعزيز استقرار البلاد وتطوير المجتمع. دون ان يتحدث عن ما يجب ان يقوم به البرلمان من اقرار تشريعات جديدة تضمن حرية التعبير والنشر وتعديل أخرى سابقة تحد منها.

الأرقام تكشف الخلل

تكشف الأرقام عن تسجيل 25 حادثاً ضد صحافيين وصحافيات، خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 ، شملت الاختطاف والاعتداء الجسدي والملاحقات القضائية والمنع من التغطيات، وصولاً إلى التضييق داخل المؤسسات الرسمية.

أحد أبرز هذه الحوادث وقع في 31 آذار/مارس 2026، حين اختطفت الصحافية الأمريكية المستقلة شيلي كيتلسون، من وسط بغداد بواسطة مسلحين يرتدون ثياباً مدنية، واحتجزوها في ناحية (جرف الصخر) في محافظة بابل جنوبي العراق.

وتم نشر تسجيل مصور تضمن اعترافات قسرية للمختطفة، في واقعة أعادت إلى الواجهة نمط استخدام الاختطاف كأداة ضغط تتجاوز البعد الفردي لتلامس سياقات سياسية وأمنية أوسع.

اطلق سراح كيتلسون لاحقا ضمن صفقة تبادل لعناصر من فصائل عراقية مسلحة، بحسب وسائل اعلام عالمية منها الواشنطن بوست، دون تأكيد وايراد رواية من أي مصدر رسمي عراقي.

وتعرض مراسل قناة الشرقية في بغداد، ميناس السهيل، في 5 نيسان/أبريل 2026 للاعتداء بالضرب من قبل عناصر أمنية أثناء تغطيته احتفالات عامة، في حادثة عكست استمرار التعامل مع التغطية الإعلامية في بعض السياقات بوصفها نشاطاً يمكن تقييده أو منعه بالقوة، لا بوصفه جزءاً من العمل المهني.

وفي البصرة، 8 نيسان/أبريل2026، امتدت الانتهاكات لتشمل اعتداءات جسدية ولفظية طالت الصحافيين مصطفى الشمري ونور التميمي، أثناء تغطيتهما احتجاجات أمام القنصلية الكويتية.

تقول نور التميمي، إن مجموعة يعتقد بارتباطها بفصيل مسلح قامت بالاعتداء عليها ومصادرة معداتها، قبل أن يعاد هاتفها لاحقاً بتدخل أمني، إلا أن الحادثة رافقها تحريض إلكتروني وصل إلى حد التهديد بالقتل، كما تشير.

وفي محافظة كركوك وسط البلاد، تعرض كادر قناة (رووداو) الكردية في 12 آذار/مارس 2026 لاعتداء أثناء تغطية حادثة قصف في شارع العرصات وسط العاصمة بغداد، حيث جرى اقتحام موقع التصوير وإسقاط الكاميرات ومنع توثيق عمليات الإسعاف.

ولا تقتصر الانتهاكات على الشارع، بل تمتد إلى المؤسسات الرسمية، إذ منع عدد من المراسلين في 8 آذار/مارس 2026 من دخول مبنى مجلس النواب العراقي، في واقعة يصفها الصحافي علي كاظم، بأنها تعكس مزاجية في التعامل مع الإعلام داخل المؤسسة التشريعية، إذ يخضع الدخول والتغطية أحياناً لقرارات غير واضحة المعايير، ما يحد من شفافية العمل البرلماني.

بالتوازي مع ذلك، برزت قرارات صادرة عن هيئة الإعلام والاتصالات بوصفها جزءاً من بيئة تنظيمية مثيرة للجدل وفقاً لصحافيين، إذ وجهت إنذارات إلى قنوات دولية مثل الجزيرة الإنكليزية والعربية الحدث، وأُجبرتهما على حذف تقارير عُدت مخالفة للتوجه الحكومي، وهو ما تعتبره جهات حقوقية امتداداً لسياسات تقييدية غير مباشرة.

جمعية الدفاع عن حرية الصحافة، سجلت ارتفاعاً في مستوى التضييق خلال عام 2025، وحذرت من تغيير في طبيعة الانتهاكات من حيث الشكل والأسلوب، مع استمرار استخدام أدوات قانونية وإدارية للحد من العمل الصحافي، إلى جانب استمرار حالات الاحتجاز والمصادرة والاعتداء.

ورصدت في تقرير لها، 182 انتهاكاً خلال عام 2025، توزعت بين الاعتقال والمنع والدعاوى القضائية والتضييق عبر اللوائح التنظيمية، إضافة إلى الاعتداءات الجسدية والمنع من التغطية.

أما في عام 2024، فقد بلغت أعداد الانتهاكات 457 حالة، شملت عمليات قتل واعتقال وإصابات واعتداءات على مقار إعلامية، إضافة إلى ملاحقات قضائية وعرقلة عمل الصحفيين.

على المستوى الدولي، حذرت منظمة مراسلون بلا حدود، في تقريرها لعام 2026 من تراجع حرية الصحافة عالمياً إلى أدنى مستوياتها خلال 25 عاماً، مشيرة إلى تراجع العراق سبعة مراكز ليحتل المرتبة 162.

كما أكدت اليونسكو أن أكثر من 500 صحافي قتلوا منذ 2003 في العراق، وأن نسبة الإفلات من العقاب تتجاوز 98%، محذرة من خطورة استمرار انهيار منظومة المساءلة.

وعلى الرغم من أن الدستور العراقي في مادته 38 يكفل حرية الصحافة، وأن العراق ملتزم بالمواثيق الدولية المتعلقة بحرية التعبير، كما يقول المسؤولون، إلا أن هذه الضمانات، وفق تقارير حقوقية، ما تزال تصطدم بواقع تطبيقي هش، إذ تغيب آليات المساءلة الفاعلة، ويستمر الإفلات من العقاب في غالبية القضايا المرتبطة بالاعتداء على الصحافيين.

ما يحتاجه العراق في المرحلة المقبلة

ما يحتاجه الصحافيون في العراق، وفق ما يراه الباحث القانوني علي التميمي، لا يقتصر على الحماية المهنية، بل يبدأ من إعادة ضبط المفاهيم القانونية التي كثيراً ما تختلط في التطبيق بين حرية التعبير وحدود المساءلة القانونية.

ويشير إلى أن قانون حقوق الصحافيين رقم 21 لسنة 2011 منح الصحافي حق الحصول على المعلومات، لكنه قيد هذا الحق بعدم استخدامه فيما يشكل جريمة أو إساءة للآخرين، ما يجعل نطاق الممارسة المهنية مرتبطاً بتفسيرات قانونية فضفاضة في بعض الأحيان، كما يشدد، على أهمية أن يتجنب الصحافي ذكر الأسماء المباشرة، والاعتماد على التلميح في بعض المواد الصحافية لتقليل المخاطر القانونية.

ويذكر التميمي، أن الصحافيين غالباً ما يجدون أنفسهم أمام تهم تتعلق بالسب والقذف وفق المادة 434 من قانون العقوبات، وهي تهم تستخدم، بحسب قراءته، في بعض الحالات ضمن سياقات مرتبطة بالنشر الصحافي أو تناول قضايا عامة، خصوصاُ عندما يتعلق الأمر بملفات فساد أو انتقاد جهات نافذة.

ويرى أن الإشكال لا يكمن في النصوص بحد ذاتها فقط، بل في حدود التطبيق، إذ تتحول بعض المواد من أدوات لتنظيم حرية التعبير إلى وسائل يمكن أن تستخدم في تقييدها، الأمر الذي ينعكس بنحو مباشر على هامش الحركة المتاح أمام الصحافيين في تغطية القضايا العامة.

ويرى الباحث القانوني، أن الإطار التشريعي في العراق ما يزال بحاجة إلى استكمال، خصوصاً عبر تشريع قانون “حق الحصول على المعلومة” وقانون “حرية التعبير”، بوصفهما مكملين لقانون حقوق الصحافيين، وبما ينسجم مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يؤكد بدوره على حماية حرية الرأي والتعبير.

ويتابع: “حرية التعبير لدينا تبقى مقيدة بالنظام العام، والذي يشمل القوانين والآداب العامة والأعراف الاجتماعية”.

العراق.. أكثر البيئات خطرا

ويحذر المرصد العراقي لحقوق الإنسان من توسع استخدام أدوات الدولة في التعامل مع أشكال التعبير السلمي، بما في ذلك ما يطال الصحافيين من مذكرات قبض وعقوبات إدارية وأحكام سالبة للحرية، وهي ممارسات يراها المرصد، أنها باتت تتحول من أدوات لتنظيم القانون إلى وسائل ضغط وإسكات.

ويستند المرصد في هذا التقييم إلى المادة 38 من الدستور العراقي التي تكفل حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، إضافة إلى التزامات العراق بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة 19 التي تضمن حرية الرأي والتعبير، وتضع شروطاً صارمة لأي تقييد لهذا الحق، بحيث يقتصر على الضرورة والتناسب دون المساس بجوهر الحرية.

لكن، وبحسب المرصد، فإن الفجوة بين النص والتطبيق تتسع مع استمرار استخدام الأدوات القانونية والأمنية في غير سياقها الأصلي، ما ينعكس على بيئة العمل الصحافي ويخلق مناخاً عاماً من الخوف يدفع نحو الرقابة الذاتية.

ويضيف أن العراق، ما يزال يعاني منذ نحو عقدين من ظاهرة الإفلات من العقاب في الانتهاكات المرتكبة ضد الصحفيين، مقابل عدد محدود جداً من الحالات التي وصلت إلى محاسبة فعلية للجناة، وهو ما يعكس خللاً في منظومة العدالة ويضع البلاد ضمن البيئات الأكثر خطورة على العمل الصحافي.

ويحذر المرصد، من أن استمرار هذا النمط يعزز دائرة الانتهاكات بدل كسرها، إذ إن غياب المحاسبة يشجع على تكرار الاعتداءات ويزيد من المخاطر التي تواجه الصحفيين في الميدان، كما يضعف الثقة بقدرة المؤسسات على الحماية والمساءلة.

وفي ضوء ذلك، يدعو المرصد الحكومة العراقية إلى الالتزام الفعلي بحماية حقوق الإنسان، وإعادة فتح التحقيقات في القضايا المرتبطة بالاعتداءات على الصحفيين، مع تطوير آليات تحقيق شفافة وخاضعة للمساءلة، إلى جانب توفير برامج حماية تشمل الدعم القانوني والنفسي، واتخاذ تدابير أمنية فعالة تضمن سلامة الصحافيين أثناء أداء مهامهم.

النقابة تنفي الضغوط السياسية وتقر بالتحديات

تقُدم نقابة الصحافيين العراقيين في هذا الملف، بوصفها جهة مهنية يفترض أن تكون الأقرب إلى واقع الصحافيين، إلا أن توصيفها للمشهد لا ينسجم بالكامل مع ما يطرحه صحافيون وحقوقيون عن حجم المخاطر في بيئة العمل.

فبينما يشير أمين سر النقابة ناظم الربيعي، إلى أن ممارسة العمل الصحافي ما تزال محاطة بتحديات وضغوط ميدانية، فإنه ينفي في المقابل وجود حالات احتجاز على خلفية الرأي، ويقول بأن ما يتم تداوله في هذا السياق لا يرقى إلى مستوى “سجناء رأي”.

هذا التوصيف يفتح باباً واسعاً للجدل، خصوصاً عند مقارنته مع طبيعة الشكاوى المتزايدة وحديث صحافيين عن ملاحقات قضائية ومنع من التغطية واستدعاءات مرتبطة بمواد قانونية. فبينما تؤكد النقابة أن الإطار القانوني يضمن الحد الأدنى من الحماية، يشير واقع التطبيق إلى مساحة رمادية واسعة تستخدم فيها النصوص القانونية بطرق مختلفة من حالة إلى أخرى.

ويستند هذا الإطار القانوني إلى قانون “حقوق الصحافيين” رقم 21 لسنة 2011، الذي ينص في مادته الرابعة على حق الصحافي في الحصول على المعلومات والأخبار والبيانات من مصادرها المختلفة، مع احتفاظه بحق نشرها ضمن حدود القانون، إضافة إلى ضمان سرية مصادره، كما تمنح المادة السادسة الصحافي حق الاطلاع على الوثائق الرسمية وحضور المؤتمرات والجلسات العامة، ما لم تكن هناك موانع قانونية تتعلق بالأمن العام.

وفي السياق نفسه، تؤكد المادة السابعة عدم جواز التعرض لأدوات عمل الصحافي إلا وفق القانون، فيما تنص المادة الثامنة على عدم مساءلته عما ينشره من آراء أو معلومات مرتبطة بعمله الصحافي، ما لم يكن مخالفاً للقانون، بينما تساوي المادة التاسعة بين الاعتداء على الصحافي والاعتداء على الموظف أثناء تأدية واجبه.

لكن وعلى الرغم من هذا البناء القانوني، يلفت صحافيون وخبراء قانونيون إلى أن التطبيق لا يعكس دائماً روح النص، إذ يشير الخبير القانوني أمير الدعمي إلى أن قانون 2011، رغم ضمانه المبدئي لحرية الوصول إلى المعلومات، يتضمن عبارات فضفاضة مثل “ضمن حدود القانون”، وهي صياغة تفتح المجال لتأويلات واسعة قد تنتهي عملياً إلى تقييد العمل الصحافي بدلاً من حمايته.

ملاحقات مستمرة.. وقوانين تعارض الدستور

على الرغم من التوجيهات الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى بشأن التروي وعدم الاستعجال في إصدار مذكرات قبض بحق الصحافيين، إلا أن عمليات الملاحقة ما تزال مستمرة.

ففي تعميم صادر بتاريخ 11 آب/أغسطس 2020، شدد المجلس على ضرورة الالتزام بالتسلسل القانوني في التعامل مع الشكاوى المقدمة ضد الصحفيين، مستنداً إلى المادة 38 من الدستور التي تكفل حرية الصحافة والنشر.

كما أوضح التعميم أن إجراءات الاستدعاء يجب أن تبدأ بتكليف بالحضور قبل اللجوء إلى أوامر القبض، مع التأكيد على إشعار نقابة الصحافيين بأي إجراء يتخذ بحقهم، استناداً إلى التعميم السابق رقم (1247/مكتب/2018).

لكن هذا المسار الإجرائي، الذي يفترض أن يشكل ضمانة قانونية، لا يبدو أنه يطبق بالوتيرة ذاتها في كل الحالات، بحسب مصادر صحافية وبرلمانية.

89

المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، تنبه إلى أن البلاد ما تزال تسجل نسباً مرتفعة من الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، ما يجعلها ضمن الدول التي تواجه تحديات جدية في حماية حرية التعبير وضمان سلامة العاملين في المجال الإعلامي.

وتذهب المفوضية أبعد من ذلك، إذ تحذر من أن المواد (81-82-83-84- 202-210-211-215-225-226-227-403-433-434) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 مازالت تستخدم في ملاحقة الصحافيين، رغم تعارض بعضها مع المادة (38) من الدستور.

وتشمل هذه المواد أحكاماً تتعلق بتجريم النشر وفرض عقوبات متفاوتة، قد تصل في بعض الحالات إلى السجن لفترات طويلة، أو حتى عقوبات مشددة في قضايا تمس مؤسسات الدولة أو رموزها، وفق ما ورد في نصوص القانون المشار إليها.

الى جانب ذلك، ترى المفوضية ان ما يجري عملياً لا يعكس دائماً ما تنص عليه توجيهات السلطة القضائية الأعلى في العراق، ففي 6 نيسان/أبريل 2026، أقدمت قوة أمنية على اعتقال مصور قناة الرابعة الفضائية محمد أمين أثناء تغطيته “لأزمة شح غاز الطبخ” في محافظة كربلاء، قبل أن يتم اقتياده إلى مركز شرطة حي الحسين، بحسب روايته.

ويقول أمين، إن عملية الاعتقال جرت دون توضيح سبب مباشر، على الرغم من أن تواجده في موقع العمل الإعلامي قرب معمل الغاز، كان بموافقة شفهية من إدارة المعمل لتغطية آلية توزيع الغاز على المواطنين.

وأضاف أن القوة الأمنية التي اعتقلته طلبت منه توقيع تعهد بعدم التطرق إلى موضوع الأزمة، مع مصادرة معدات التصوير والهاتف وأغراضه الشخصية، قبل أن توجه له تهمة تتعلق بـ”تحريض المواطنين على التظاهر”. التهمة تلك تتكرر مع الكثير من الصحافيين أثناء تغطيتهم للاحتجاجات والأزمات، وهي تمثل “رسالة تهديد وضغط” بالتراجع عن التغطية او البحث في المشكلة، لكي لا يكون مصيرك السجن وفق القانون.

• أنجز التقرير بإشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية.

المزيد عن تقارير سردية

تقارير سردية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":35026}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">