مصطفى الكرخي
في أزقة بغداد ومقاهيها الشعبية كما في كافيهات شوارعها التجارية، لم يعد خبر ضبط شحنة أموال أو الكشف عن “سبائك ذهبية” مدفونة، يحبس أنفاس الأهالي كما كان يحدث قبل أسابيع، فالتصريحات تتوالى عن “المنهوبات” ويستقبلها الناس بكثير من السخرية المريرة، بعد أن تحول ملف مكافحة الفساد من مسار قضائي ومؤسساتي إلى ما يشبه “الاستعراضات” على شاشات التلفزيون ومواقع التواصل.
منذ إعلان تشكيلها، وضعت الحكومة ملف استرداد الأموال المنهوبة في مقدمة واجهتها الإعلامية، وبعد ما بات يعرف “بصولة الفجر” التي انطلقت في 28 حزيران/يونيو 2026، لا يكاد يمر أسبوع دون صدور بيان رسمي يتحدث عن ضبط مليارات الدنانير وتفكيك شبكات سرقة وتهريب، لكن التدقيق في تفاصيل هذه الإعلانات، ومقارنتها بما يجري على الأرض، يكشف تراجعا في زخم الحملة، وتركيزا على ملفات منتقاة، واستثناءً لكبار الفاسدين من رعاة “نظام المحاصصة” الذي غطى طوال عقدين على الفاسدين وتدخل لحمايتهم، وتوجهاً نحو تسويات “سياسية – مالية” كما يرى مراقبون، في ظل شلل اقتصادي وتردي مالي خطير.
مقابر للأموال.. طرق بدائية لإخفاء المنهوبات
الحديث عن الأموال المنهوبة لم يعد يقتصر على وضعها في الحسابات المصرفية أو شراء عقارات فارهة ولا سبائك ذهبية وساعات رولكس فقط، فالإعلانات الرسمية والفيديوهات المرافقة، تكشف عن طرق إخفاء وتخزين بدائية غبية، كان يلجأ إليها “حرامية الحارات” قبل مئات السنوات.
حيث ضبطت رزم نقدية وسبائك مُخبأة داخل “دبات الطرشي” و”جرات المياه الفخارية”، إضافة إلى تجاويف أُعدت داخل جدران المنازل، بل وحتى دفنها تحت الأرض في مزارع خاصة ومناطق شبه مهجورة.
هذه المشاهد دفعت الشارع العراقي، إلى إطلاق تساؤلات تهكمية حول “عقلية اللصوص” هؤلاء، وكيف أعيتهم الحيلة ليلجؤا وبشكل غريب الى تحويل المساحات والوسائل المنزلية البسيطة إلى “مقابر سرية” لثروات البلاد المنهوبة؟ وكيف يمكن لهكذا شريحة ان يعتلوا المناصب ويقودوا البلاد؟
يعرب، علي حسين، وهو ناشط مدني، عن صدمته بطريقة خزن “حرامية السلطة” للمال المنهوب أكثر من حجمه، كون الفساد معروف لكل العراقيين، كما يقول، فالأرقام لا تقل عن مئات مليارات الدولارات. ويضيف:”يا للفضيحة، لم يكتفوا بالسطو على المال العام، بل كانت طرقهم في إخفاء الأموال في كثير من الأحيان بدائية إلى حد يسيء حتى إلى سمعة اللصوص المحترفين”.
“لماذا تأخر القضاء كل هذه السنوات عن ملاحقة سارقي المال العام؟، واين كانت منهم دوائر الرقابة المالية والنزاهة الاتحادية والبرلمان ولجان الرقابة المحلية!؟”
في وقت أثار، مراقبون وكتاب، سؤالا قالوا انه “يثير الاحباط ويبعث على التشاؤم”: لماذا تأخر القضاء كل هذه السنوات عن ملاحقة هؤلاء الناهبين؟، واين كانت منهم دوائر الرقابة المالية والنزاهة الاتحادية والبرلمان ولجان الرقابة المحلية!.
يقول أبو علي (54 عاماً) متهكماً، وهو صاحب محل تجاري في منطقة الكرادة، وسط بغداد:” كنا نعرف ان جرة الماء ودبة الطرشي، هي وسائل منزلية للعيش البسيط، اليوم نسمع ان ملايين الدولارات وسبائك الذهب اخرجت منها!”.
ويتساءل:”المشكلة ليست فقط في المكان الذي يُخفون فيه الأموال، ولا حتى كيف نهب كل تلك الاموال في ظل اجهزة الرقابة، بل أين تذهب هذه الأموال بعد ان تُعرض أمام الكاميرات”.
الموظف المتقاعد، أحمد حسين (65 عاما) يقول:”كل هذه الاموال كُشِفت في قضية واحدة (عدنان الجميلي) بطلها وكيل وزارة، مع بضعة قضايا صغيرة أخرى، ماذا عن قضايا الوزراء والقادة الكبار؟.. ماذا سيجدون لديهم اذا فتحت يوما ما دفاترهم”.
“لا نجاح في المعركة، ولا محاسبة حقيقية، ولا عدالة وبناء دولة، في ظل بقاء المنظومة السياسية الادارية بشبكاتها الاقتصادية“
ويعرب عن قناعته، بأن الفاسدين الكبار سيظلون بعيدين عن المساءلة “ربما بعضهم سيقوم بتسوية مالية، لكن كل الكبار محميون من خلال النظام القائم الذي يعطل اجهزة الرقابة والمساءلة ويقوم برشوتها وشل عملها”.
يرفع صوته، بينما تعلو وجهه ابتسامة صغيرة، وهو يقول: “للأسف المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، ما لم يتم اسقاط هذه المنظومة السياسية بشبكاتها الاقتصادية، لن تتحقق محاسبة حقيقية وعدالة، ولا بناء دولة”. ويستدرك:”حين تسقط المنظومة، يمكنك أن تضعهم أمام سؤال بسيط: من أين لك هذا؟”.
مفارقات.. أموال مدفونة وشباب عاطلون
كمية الأموال المنهوبة المكدسة فوق بعضها في بيوت او المدفونة في مزارع دون استثمار، كما تظهرها بعض الصور، تعكس مفارقة قاسية، بوجود شباب وخريجين، يواجهون ظروفاً معيشية قاسية، ويبحثون عن فرص لاطلاق مشاريعهم الخاصة، في وقت تتطاير فيه الأرقام المليارية أمام عبر وسائل الإعلام والتطبيقات الرقمية.
يقول كرار (22 عاماً)، وهو طالب جامعي يعمل في سوق الشورجة لتوفير أجور دراسته: “أشيل أكياس وصناديق وزنها عشرات الكيلوغرامات يومياً حتى أؤمن مصروفي ومصروف كليتي. عندما أعود مساءً وأتصفح موبايلي وأرى كل هذه الاموال، أحس بمرارة كبيرة”.
يضيف:”هذه الأموال لو صُرفت بصورة صحيحة وبنيت بيها مصانع ومشاريع حقيقية، ما كان الشاب سيضطر للبحث عن عمل مناسب طوال أشهر وسنوات، ولا ان يعيش محنة كيفية اكمال دراسته”.
ملاك مصطفى (24 عاماً)، وهي خريجة من المجموعة الطبية لا تزال بانتظار التعيين، ترى ان “مكافحة الفساد الحقيقية لا تعتمد على التصوير بجانب الجدران المهدومة أو الدبات المترعة بالفلوس، بل تتطلب عمل مؤسساتي”.
وتتابع:”نسمع يومياً عن أرقام كبيرة تُسترد، ونراها تختفي مجدداً .. لم نسمع عن خطة اقتصادية لانقاذ البلاد، لتطوير قطاعات الصحة والتعليم والخدمات وتوفير فرص عمل. خطة واجراءات تعيد ثقة المواطن. ما نراه هو إدارة الأزمة بالإثارة لإشغال الشارع ببريق الذهب فقط.”
استعادة السيناريو.. تدوير مشاريع الاستعراض
يعيد مشهد أكوام الأموال المستردة، أذهان العراقيين الى محطات سابقة من تاريخ التشكيلات الحكومية؛ إذ يرى مراقبون أن التركيز على الاستعراض الإعلامي، دون بناء المنظومة التي تمنع الفساد وتحاسبه اذا حصل، مجرد أسلوب مكرر لإدارة الأزمات.
في بداية عهد الحكومة السابقة ظهرت قيادات خلف أكوام من الأموال المكتشفة في قضايا فساد كبرى مثل “الأمانات الضريبية” التي سرق فيها وفق تقديرات اولية 2.5 مليار دولار ولم تسترد، بل خرج المتهمون بكفالات قضائية وفروا الى خارج البلاد. وقتها أعلنت الحكومة عن حملة كبرى للكشف والمساءلة، لكن الفساد استمر بل تضخم لينعكس اليوم في خطر العجز عن دفع رواتب 8 مليون موظف ومتقاعد، الى جانب تردي البنية التحتية، التي دفعت عشرات الآلاف من أبناء عدة محافظات جنوبية الى التظاهر احتجاجا في منتصف تموز يونيو الجاري.
ولا يتوقف تكرار السيناريو السابق عند حدود ضبط الأموال وعرضها والتسويق الصوري لمحاربة الفساد، بل يمتد إلى قطاع الخدمات وإطلاق مشاريع الطرق والجسور وغيرها، حيث تعاود الحكومة الجديدة تسويق ذات مخططات المشاريع القديمة بوصفها إنجازات جديدة، في عملية يصفها متابعون بـ “إعادة تدوير المشاريع”.
“النجاح مرهون بشرط بسيط جدا، وصعب جدا في الوقت نفسه.. أن تكون العدالة عمياء فعلا، لا مصابة بالحول السياسي”
التسويات .. والهروب من الحلول
يرى مراقبون لحملة “صولة الفجر” المعلنة لمحاربة الفساد، إن الاكتفاء بعرض رزم الأموال و”السبائك الذهبية” المسروقة في قضية واحدة أو اثنتين، دون فتح باقي القضايا وهي بالمئات، ومع اطلاق تسويات “سياسية مالية” تسمح باعادة بعض الأموال مع احتفاظ الناهبين بجزء كبير من ثرواتهم وبمواقعهم في الدولة، اجراء خطير، وستكون له انعكاسات سلبية.
ويشيرون الى أهمية اعتماد برنامج وطني لمكافحة الفساد عبر اجراءات تنهي “’الآليات والأدوات التي تسمح به” في المؤسسات الحكومية، وعلى رأسها “انهاء منظومة حماية الفاسدين عبر نظام التوافق والتحاصص”، لكي لا تنتهي الحملة الأخيرة الى ذات النتيجة التي وصلت إليها سابقاتها.
يقول الكاتب عباس البخاتي، إن الإجراءات الحكومية ضد الفاسدين خطوة متأخرة، لكنها مهمة، مبينا أن نجاحها مرهون بشرط بسيط جدا، وصعب جدا في الوقت نفسه “أن تكون العدالة عمياء فعلا، لا مصابة بالحول السياسي؛ فلا ترى فاسدا لأنه من هذا الحزب، وتتغافل عن آخر لأنه من ذاك الحزب”.
ويتابع:”ما ينتظره العراقيون ليس حملة موسمية، بل قاعدة ثابتة: كل من سرق المال العام، مهما كان اسمه، أو منصبه، أو نسبه، أو الجهة التي تحميه، يجب أن يقف أمام القضاء، وأن تعود الأموال إلى خزينة الدولة”.
الفساد.. منظومة سياسية وإدارية متكاملة
مبادرة “عراقيون” التي تضم عشرات النخب السياسية والأكاديمية والنشطاء المدنيين، أصدرت بيانا يحذر فيه من “التسويات وانتقائية الملفات” في حملة مكافحة الفساد المعلنة، ويرفض مبدأ استرجاع الاموال المسروقة مقابل إسقاط القضايا عن المتهمين، وهو ما يجري حاليا مع بعض كبار الفاسدين.
المبادرة، ذكرت أن الاعتقالات نفسها كشفت أنّ الفساد قد تحوّل – بسبب القوى المسيطرة على الدولة – من سلوك فرديّ، إلى منظومة اجتماعية وسياسية وإدارية متكاملة، ترتبط بشبكات النفوذ السياسيّ والمحاصصة الحزبية، بينما فشل نظام “المحاصصة وتقاسم الامتيازات” في بناء الدولة، وأوصل البلاد إلى مرحلة الانهيار الاقتصاديّ.
وطالبت بتطبيق مبدأ “من أين لك هذا” على الجميع، واجراء محاكمات شفافة واعلان النتائج تباعا على الجمهور، منبهة الى أن “الحملات الموسمية الاستعراضية” لن تحل مشكلة الفساد.
بيان “عراقيون” وجه سؤالا حرجاً للقضاء والأجهزة الرقابية، عن “أسباب تأخّر تنفيذ الإجراءات بحقّ من تضخّمت ثرواتهم” كل هذه السنوات، ومع هذه الأرقام الهائلة، مذكرا أن “معركة العراق الكبرى هي مع منظومة الفساد برمّتها، وليست مع أفراد أو أسماء زائلة. ولن يعود الوطن لأهله إلّا بتفكيك هذه المنظومة وترسيخ دولة المؤسسات والقانون والعدالة الاجتماعية”.