آراء: بين المصالح والولاءات.. حياد العراق.. خيار الدولة لا ترف السياسة!

بين المصالح والولاءات.. حياد العراق.. خيار الدولة لا ترف السياسة!

مصلحة العراق تقتضي تبني سياسة حياد إيجابي، لا يعني هذا الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف أو التردد في اتخاذ القرار الوطني، بل يعني أن تكون جميع الشراكات والتحالفات والقرارات الخارجية محكومة بمصلحة العراق، لا بالانتماء إلى محور بعينه. وهو خيار واقعي لدولة تواجه تحديات داخلية كبيرة، وتسعى إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية من دون أن تتحول إلى ساحة للصراع.

دلوفان برواري

أخطر ما قد يحصل للعراق ليس أن يختلف مع واشنطن أو مع طهران، بل أن يربط مستقبله بمآلات صراع لا يملك أدوات التحكم في نتائجه. فالدول التي تجعل من صراعات الآخرين بوصلة لسياساتها، غالباً ما تضيع أولوياتها الوطنية وتفقد زمام المبادرة.

المأزق الحقيقي لا يكمن في الضغوط الأمريكية أو الإيرانية بحد ذاتها، بل في الكيفية التي يستجيب بها العراق لها. فحين يصبح القرار الوطني انعكاساً لضغوط الخارج لا لحسابات المصلحة الوطنية، تفقد الدولة قدرتها على المبادرة، وتتحول من صانع للسياسة إلى متلقٍ لها. وفي ظل هذا الواقع، لا يكفي أن يختار العراق بين حليفين متنافسين أو أن ينخرط في مواجهة لا يملك أدوات حسمها؛ المطلوب هو صياغة سياسة خارجية تنطلق من سؤال واحد: ما الذي يخدم مصلحة العراق؟

منذ السابع من أكتوبر 2023 تبدلت قواعد اللعبة الإقليمية. لم يعد بالإمكان إدارة السياسة الخارجية بعقلية توازنات الماضي؛ فكل خطوة تُقرأ اليوم ضمن صراع نفوذ واسع، حتى وإن بدت في ظاهرها اتفاقاً اقتصادياً أو مشروعاً استثمارياً. ولذلك، فإن النقاش الحقيقي لا يقتصر على زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن أو توقيع اتفاقات اقتصادية، بل يمتد إلى المبدأ الذي ينبغي أن يحكم صنع القرار العراقي: هل تُبنى خيارات الدولة على حسابات المحاور، أم على مصلحتها الوطنية أولاً؟

خيارات بغداد .. وليس الآخرين

الفرضية المركزية هنا أن مصلحة العراق تقتضي تبني سياسة حياد إيجابي. ولا يعني هذا الحياد الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف أو التردد في اتخاذ القرار، بل يعني أن تكون جميع الشراكات والتحالفات والقرارات الخارجية محكومة بمصلحة العراق، لا بالانتماء إلى محور بعينه. وهو خيار واقعي لدولة تواجه تحديات داخلية كبيرة، وتسعى إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية من دون أن تتحول إلى ساحة للصراع.

لكن هذا الخيار لا يعني أن الآخرين سينظرون إلى العراق بالطريقة نفسها. فلكل طرف إقليمي أو دولي حساباته الخاصة.

قد ترى واشنطن في تعميق الشراكة الاقتصادية مع العراق فرصة لتعزيز استقلال قراره، وتقليص اعتماده على النفوذ الإيراني عبر أدوات التنمية والاستثمار أكثر من أدوات الضغط السياسي. وفي المقابل، قد تنظر طهران إلى أي توسع في العلاقات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن باعتباره تطوراً قد يؤدي تدريجياً إلى تقليص نفوذها داخل العراق، ومن ثم قد تسعى إلى التأثير في مسار هذه الشراكات أو الحد من آثارها إذا رأت أنها تمس مصالحها الحيوية.

غير أن اختلاف حسابات واشنطن وطهران لا ينبغي أن يحدد خيارات بغداد. فالدول الرشيدة لا تبني سياساتها وفق ما يريده الآخرون، بل وفق ما تحتاج إليه هي. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن أو الاتفاقات الاقتصادية التي رافقتها باعتبارها تحولاً استراتيجياً في التحالفات، بل بوصفها جزءاً من مسعى مشروع لتأمين الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وتنويع الاقتصاد. ومن حق العراق أن يوسع شراكاته مع الولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، ودول الخليج، وغيرهم، ما دام ذلك لا يحول أراضيه إلى قاعدة لتهديد إيران أو أي دولة مجاورة.

الشرق الأوسط الجديد.. تبدل خرائط النفوذ

ولا بد لصانع القرار العراقي أن يدرك أن الشرق الأوسط الذي عرفه قبل عامين لم يعد قائماً. فسوريا، التي كانت حتى وقت قريب إحدى ساحات النفوذ شبه المستقرة، تشهد اليوم إعادة تشكيل لموازين القوى السياسية والإقليمية، بما يؤكد أن خرائط النفوذ في المنطقة لم تعد ثابتة كما كانت. وفي الوقت نفسه، تعيد القوى الإقليمية والدولية مراجعة أولوياتها وأدواتها بما يتلاءم مع الواقع الجديد.

كما تقدم دول الخليج مثالاً واضحاً على أن السياسة الخارجية تُبنى على المصالح المتغيرة لا على العداوات أو التحالفات الدائمة. فعلى الرغم من أن الإمارات العربية المتحدة كانت، خلال سنوات العقوبات، إحدى أهم القنوات الاقتصادية التي استفادت منها إيران في الحفاظ على جزء من نشاطها التجاري، فإن المتغيرات الأمنية والإقليمية دفعت دول الخليج إلى إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية، مع استمرارها في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة كلما اقتضت مصالحها الوطنية ذلك.

المصالح الوطنية .. أم الولاءات؟

وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يستخلصه العراق. فالدول التي تنجح في إدارة أزماتها ليست تلك التي تتمسك بولاءات ثابتة، بل تلك التي تمتلك القدرة على إعادة التموضع كلما تغيرت البيئة الاستراتيجية، من دون أن تفقد بوصلتها الوطنية. وإذا كانت دول المنطقة تعيد تعريف مصالحها باستمرار، فمن الأولى أن يعيد العراق هو الآخر ترتيب أولوياته، بحيث تصبح مصلحة الدولة العراقية واستقرارها الاقتصادي والأمني المرجعية الأولى لكل قرار خارجي.

إن نجاح السياسة الخارجية العراقية لن يُقاس بمدى قربها من واشنطن أو طهران، بل بقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع الجميع، وحماية سيادة العراق، ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

إن الحياد الإيجابي ليس شعاراً سياسياً ولا محاولة للوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بل استراتيجية دولة تدرك أن قوتها الحقيقية تبدأ من استقلال قرارها. ويتطلب هذا الخيار مؤسسات قوية، واقتصاداً أكثر تنوعاً، وسياسة خارجية مرنة تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق الاصطفافات. فالدول لا تُحترم لأنها تنتمي إلى محور، بل لأنها تمتلك القدرة على حماية مصالحها وصناعة قرارها السيادي.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34998}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">