تحليل: حكومة “الإطار التنسيقي” بين مأزقي واشنطن وطهران

حكومة “الإطار التنسيقي” بين مأزقي واشنطن وطهران

احدى أكبر المعضلات التي تواجهها حكومة “الإطار التنسيقي” تكمن في التناقض البنيوي الذي تعيشه السلطة القائمة نفسها، فهي مطالبة من قبل الولايات المتحدة بإضعاف النفوذ الإيراني وانهاء وجود مليشياته، وفي الوقت نفسه هي تستمد جزءا كبيرا من بقائها من ذات النفوذ الذي ترجم الى قوى نافذة تمثل أبرز أعمدة التوازن السياسي في النظام القائم بعد 2003. وبين هذين التناقضين، تبدو قدرتها على التوازن كما تحقيق وعودها الاقتصادية والسياسية محدودة للغاية.

إن تصريح عضو الكونغرس الأمريكي تيم بورشيت: «لقد اضعت وقتي في الاستماع إلى حديث رئيس وزراء العراق ومن معه»، وإعلان فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران عن  رصد مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يقتل الرئيس الأمريكي، وتعليق علي اكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى، على زيارة الزيدي إلى البيت الأبيض، واصفا إياها بأنها «مصدر عار عميق»، كلها تميط اللثام، من دون عناء، عن عمق المأزق السياسي الذي يعيشه العراق.

أو بعبارة أخرى، بعيدا عن الدعاية الضخمة، سلبا أو إيجابا، التي رافقت زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، ولقائه بدونالد ترامب، وتوقيع مذكرات تفاهم كبيرة في المجال الاقتصادي، فإن العاصفة السياسية التي تضرب العراق والمنطقة تتصاعد بوتيرة متسارعة، فيما تظل حالة عدم اليقين وانعدام الاستقرار السياسي والأمني هي السمة الغالبة على المشهد بأكمله.

وفي خضم هذا المشهد، يجري الترويج لجملة من الأوهام السياسية التي لا تستند إلى الوقائع بقدر ما تستند إلى الرغبات والدعاية الإعلامية.

امكانية حسم ملف الفصائل

أول هذه الأوهام هو الاعتقاد بأن حكومة الزيدي قادرة على حسم ملف الحشد الشعبي أو كبح نفوذ الفصائل المرتبطة عضويا وسياسيا بالنظام القومي الإسلامي في إيران، وأن نجاحها في ذلك يمهد الطريق أمام تدفق الاستثمارات الأمريكية وتحويل العراق إلى بيئة آمنة لرأس المال الأجنبي.

هذه القراءة تتجاهل حقيقة أن هذه القوى ليست تشكيلات عسكرية معزولة يمكن تفكيكها بقرار حكومي، بل تمثل أحد أهم أعمدة التوازن السياسي الذي قام عليه نظام ما بعد عام 2003، كما أنها تشكل إحدى أدوات النفوذ الإيراني الأساسية داخل العراق. ولذلك فإن أي محاولة لإضعافها لا تمثل مجرد إجراء أمني، بل تمس طبيعة النظام السياسي نفسه، وهو ما يجعل قدرة حكومة خرجت من رحم “الإطار التنسيقي” على تنفيذ مثل هذا المشروع موضع شك كبير.

انتهاء النفوذ الايراني

والوهم الثاني الكبير، هو الادعاء بأن النفوذ الإيراني قد انتهى في العراق، وأن الزيدي نجح في مقاومة الضغوط الإيرانية التي سعت إلى منعه من زيارة البيت الأبيض، وأن الأمور ستنتهي نهاية سعيدة كما كانت تُروى لنا في قصص الطفولة.

العراق اليوم يقف في قلب العاصفة، ويُعد إحدى أهم ثلاث أوراق استراتيجية لبقاء النظام الإيراني. فالورقة الأولى هي مضيق هرمز، والثانية أمن دول الخليج، والثالثة العراق. وكما نرى اليوم، فإن مستوى التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران يزداد يومًا بعد آخر، والطرفان، الولايات المتحدة وإيران، غارقان في هذه المواجهة، ولا يلوح في الأفق أي مخرج نهائي قريب لها.

معضلة صعوبة التراجع

إن المعضلة التي تواجهها الولايات المتحدة في إيران تشبه، في جوانب عديدة، المعضلة التي تواجهها روسيا في أوكرانيا. فكلا الطرفين يدرك أن التراجع عن أهدافه الاستراتيجية يعني تراجعا في مكانته الدولية، وإقرارا بفشل مشروعه الجيوسياسي.

الفشل بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية يعني إخفاق استراتيجية البنتاغون والبيت الأبيض في استعادة الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي والحيلولة دون شروق فجر نظام متعدد الأقطاب عبر العسكرتارية وفرص الارادات بالقوة، رغم رفع الإنفاق العسكري السنوي إلى أكثر من تريليون دولار.

ولذلك، لا تجد الإدارة الأمريكية أمامها سوى مواصلة سياسة التصعيد العسكري، وإلا ستخسر هيمنتها السياسية، مئات المليارات، بل التريليونات من الدولارات التي جرى الإعلان عنها في الاتفاقيات مع عدد من دول الخليج، ستتراجع فرص تدفقها إلى الاقتصاد الأمريكي. كما أن الصين ستواصل تعزيز نفوذها العالمي والإقليمي، فيما ستزداد فرص روسيا اندفاعًا في أوروبا والشرق الأوسط.

ايران.. معركة البقاء

والنظام القومي الإسلامي الحاكم في طهران-قم، ليس أوفر حظا من الإدارة الأمريكية. بعد التراجع الكبير في نفوذه بالعديد من دول المنطقة، لم يعد أمامه سوى المضي قدما في معركته التي يعدّها معركة بقاء، وقد استغل مراسيم دفن المرشد الاعلى الذي قتلته القوات الأمريكية والإسرائيلية يوم 28 شباط، للاستعراض السياسي والاجتماعي وتسويق شرعية النظام وقوة شعبيته، ومقبولية سياساته في مواجهة أمريكا ونفوذها في المنطقة. لكن هذا لا يغير الواقع الصعب للحاكمين في ايران.

ومن ثم، فإن التصعيد العسكري الذي بدأه لا يمثل سوى محاولة أخيرة لتحسين شروط التفاوض والسعي إلى إخراج الولايات المتحدة من المنطقة مستغلا قرب الانتخابات النصفية الأمريكية وأوضاع أسواق الطاقة، بصرف النظر عن قدرته الفعلية على تحقيق هذا الهدف.

وتكمن أحد أسباب التحرك الايراني، في ان النظام غير قادر على الانكفاء إلى الداخل، وهو تحديدا ما تسعى الإدارة الأمريكية إلى فرضه عليه، لأن الانكفاء يعني، في نهاية المطاف، بداية سقوطه بتفاعل العوامل الداخلية.

مشكلة بنية.. وأزمة اقتصاد يختنق

وقد يبدو هذا النظام، للوهلة الأولى، مجرد نظام عسكري لا يتصرف بمنطق الدولة، كما يرى البعض، إلا أن خلفية تحركاته مرتبط بطبيعة بنيته السياسية الأساسية المستندة إلى مشروع تصدير الثورة، أي إلى مشروع الهيمنة الإقليمية للبرجوازية القومية الإيرانية المتدثرة بالغطاء الإسلامي. أي ان هذا النظام بسبب بنيته الفكرية والسياسية والاقتصادية من الصعب عليه الاندماج بشكل طبيعي بالعلاقات الرأسمالية في محيطه الإقليمي والعالمي.

إلى جانب ذلك، يواجه النظام الإيراني أزمة اقتصادية خانقة لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو بالتعبئة الأيديولوجية. فهو يحتاج إلى موارد مالية هائلة لإعادة ترميم مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية، والحفاظ على تماسك طبقته الحاكمة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتتسع دائرة التذمر حتى داخل الأوساط التي كانت تمثل تقليديًا أحد أهم مرتكزاته، ومنها قطاعات واسعة من البازار اهم اركان البرجوازية الايرانية التي اشعلت فتيل احتجاجات نهاية العام 2025 التي أدت الى مقتل آلاف الأشخاص.

المأزق العراقي.. غياب الاستقرار

وبين المأزقين اللذين يواجههما النظام الإيراني والإدارة الأمريكية، يقف النظام السياسي الحاكم في العراق في واحدة من أحلك مراحله. ومن ثم، فمن الوهم الاعتقاد بأن رئيس الوزراء علي الزيدي قادر على استقطاب دولار أمريكي واحد في ظل غياب الاستقرار السياسي والأمني. فالشركات الأمريكية كانت موجودة في العراق أصلا، لكنها سارعت إلى مغادرته مع تقليص الوجود الدبلوماسي الأمريكي وإجلاء موظفي البعثة الأمريكية، الأمر الذي يعكس انعدام الثقة بالبيئة السياسية والأمنية في البلاد.

أما ما يروّجه ترامب عن علي الزيدي، بوصفه رجلًا نادرًا وصاحب نفوذ، وأنه سيصنع تاريخًا مشرقًا في الشرق الأوسط، فلا يعدو كونه رسالة استفزاز موجهة إلى إيران، ودعاية تخدم السياسة الأمريكية في المنطقة.

فالزيدي، في نهاية المطاف، لا يملك من عناصر القوة ما يجعله لاعبًا مستقلًا، ولن يكون أكثر من مديرٍ تنفيذي للسلطة القائمة، على غرار سلفه محمد شياع السوداني. مع حقيقة ان ما يجمع جميع رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على السلطة بعد غزو العراق واحتلاله هدفٌ مشترك، يتمثل في تنفيذ مشروع تحويل العراق إلى إقطاعية للشركات الرأسمالية العالمية، وإلى مزرعةٍ للعمالة الرخيصة.

تناقض صادم

إن الأزمة التي تواجهها حكومة “الإطار التنسيقي” تكمن في التناقض البنيوي الذي تعيشه السلطة نفسها. فهي مطالبة أمريكيا بإضعاف النفوذ الإيراني، وفي الوقت نفسه تستمد جزءا كبيرا من بقائها من ذات النفوذ. وبين هذين التناقضين، تبدو قدرتها على تحقيق وعودها الاقتصادية والسياسية محدودة للغاية.

ولهذا، فإن مستقبل العراق لن تحدده مذكرات التفاهم الموقعة في واشنطن، ولا التصريحات المتبادلة بين ترامب والزيدي، وإنما تحدده مآلات الصراع الأمريكي الإيراني، وطبيعة التحولات الاجتماعية والسياسية داخل العراق نفسه، وهي تحولات ما تزال مفتوحة على احتمالات عديدة.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34980}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">