تقارير سردية: تغيير سكاني تفرضه وقائع النزوح.. لماذا لا يعود نازحو سنجار من غير الايزيديين الى أرضهم؟

تغيير سكاني تفرضه وقائع النزوح.. لماذا لا يعود نازحو سنجار من غير الايزيديين الى أرضهم؟

أعاد النزوح السكاني من سنجار في منتصف العام 2014 اثر ابادات تنظيم داعش، تشكيل الخارطة السكانية في العديد من قرى شمال وجنوب جبل سنجار كما في مركز المدينة التي فقدت غالبيتها الكردية المسلمة تأريخياً لصالح الايزيديين. حدث ذلك حين فضل كرد سنجار، البقاء في أماكن نزوحهم بعد أن أسسوا حياة جديدة في بيئات حاضنة، بينما تراجع الحضور العربي لضعف معدلات عودتهم نتيجة خوفهم من الانتقام العشائري، في حين اندثر بشكل كامل الوجود المسيحي.

“لم يبق شيء لنا غير الذكريات” هذا ما يقوله المزارع حجي رمضان (63 عاماً) عن قريته (قابوسي) وحقولها الزراعية جنوبي قضاء سنجار، والتي غادرها نازحا مع عائلته في آب/أغسطس 2014 اثر هجوم شنه تنظيم (داعش) على القضاء.

هو كردي مسلم، هرب من بطش التنظيم الذي كان يقتل كل مخالفيه، مثل غالبية مسلمي سنجار وايزيدييها. يعيش بجسده في منطقة (كفركي) بضواحي مدينة دهوك، إلا ان روحه تحلق في سماء أرضه ومنزله اللذين تركهما، حسب تعبيره.

يقول “أشتاق كثيرا إلى قريتي وحقولها وجلسات أهلها، والى سنجار المدينة، لكن ليس باليد حيلة، لو كان القرار لي لعدت اليوم قبل الغد، فأرضي وذكرياتي وكل ما أملك هناك”.

نحو 12 سنة مرت على حياة النزوح، كبر فيها الأبناء، وانخرطوا في أعمالهم الخاصة واشتروا منازل، وصار لديه احفاد، أصبحوا جميعاً جزءاً من بيئتهم الجديدة في دهوك، لكنه بعكسهم لم يعتد على ذلك، ومازال يشعر بالغربة، يقول: “الاستقرار لا يعني نسيان الوطن”، ويعني به المكان الذي عاش فيه.

تعلقه بقريته وذكرياته التي لا تنقطع، تجعلناه يتمنى أن تعود سنجار كما كانت “آمنة، بإدارة حكومية واحدة، وقوات رسمية تحمي الجميع، ومشاريع لإحياء الزراعة المتعثرة”، حتى يتمكن كل نازح من العودة إلى بيته، محددا بذلك العوائق التي تحول دون تمكنه من العودة.

يقول، وهو يحرك سريعا بأصابعه حبات مسبحة صفراء لا تكاد تغادر يده:”قضينا أعمارنا نحن المسلمين الكرد مع الايزيديين في سنجار، كنا مثل بيت واحد.. ارجو من كل قلبي أن نعيد تلك الأيام، ونجتمع هناك مجددا”. ثم يستدرك:”لكن يبدو ذلك مجرد حلم في رأسي فقط”.

غالبية مسلمي سنجار، مثل حجي رمضان، فضلوا البقاء في أماكن نزوحهم او حتى الهجرة خارج البلاد، على العودة الى بيوتهم. بعضهم منعه غياب الاستقرار الأمني من العودة الى منطقته بوجود قوى مسلحة متعددة الولاءات، لكن غالبيتهم فضلوا البقاء بعد أن وجدوا حياة جديدة مستقرة، بفرص عمل وخدمات أفضل.

ذلك النزوح، بتداعياته السياسية والاقتصادية والأمنية، بعد 12 سنة من حصوله، أعاد تشكيل الخارطة السكانية في العديد من قرى شمال وجنوب سنجار، كما في مركز المدينة، التي فقدت غالبيتها الكردية المسلمة لصالح الايزيديين، كما يقول مراقبون وناشطون.

72

عودة متعثرة وانقلاب سكاني

يقع قضاء سنجار في غربي محافظة نينوى، ويُعد من أكثر مناطق المحافظة تنوعاً من الناحية السكانية، إذ يضم مكونات متعددة من الإيزيديين والعرب والكرد والمسيحيين والتركمان، ويتوزع إدارياً على مركز القضاء وناحيتي سنوني والقيروان.

في الثالث من آب/أغسطس 2014 اجتاح تنظيم داعش القضاء، ما أدى إلى مقتل واختطاف آلاف المدنيين، غالبيتهم من الإيزيديين، ونزوح مئات الآلاف من السكان بمختلف خلفياتهم الدينية والقومية إلى إقليم كردستان، وانتهى بعضهم بالهجرة الى خارج البلاد.

قبل اجتياح التنظيم، كانت سنجار تتميز بتنوعها الديني والقومي، ومع كونها أحد أبرز مراكز الوجود الإيزيدي في العراق، فإنها ضمت أيضاً تجمعات كبيرة من الكرد (السنة والشيعة) والعرب المسلمين والتركمان والمسيحيين. وهو ما جعلها نموذجاً للتعددية والتعايش بين المكونات طوال قرون.

بعد سنوات من طرد تنظيم داعش واستعادة الاستقرار الأمني، بدأ غالبية الإيزيديين بالعودة إلى مناطقهم تاركين مخيمات النزوح التي تراجع أعداد المتواجدين فيها الى ما دون النصف. وبحسب تقارير دولية عاد نحو ثلثي الايزيديين، وبقي نحو 110 الف في المخيمات ينتظرون تحسن الأوضاع وتقديم دعم يمكنهم من العودة، في حين تجنبت غالبية العائلات الكردية والعربية المسلمة والمسيحية العودة وفضلت البقاء.

يرى الكاتب حسين اسكندر، الذي يتابع الصراعات والتحولات السياسية وما خلفته من تداعيات اقتصادية وتحولات ديمغرافية، ان تحديات أمنية واجتماعية وسياسية مترابطة ما تزال تعرقل عودة جميع النازحين، وهي تلقي بظلالها على جهود استعادة سنجار لتركيبتها السكانية قبل عام 2014.

ويقول:”نعم مازال أكثر من ثلث الايزيديين يعيشون في مخيمات النزوح باقليم كردستان، ولا يجدون الأوضاع مناسبة للعودة، لكن في الوقت عينه فان غالبية المسلمين الكرد لم يعودوا أيضا، ولا يتم ملاحظة ذلك والحديث عنه، لأنهم منذ البداية فضلوا الاقامة داخل المدن وفي قرى كردستان بدل المخيمات”.

وينبه الى ان مرحلة ما بعد تحرير قضاء سنجار من داعش “أفرزت خللاً حاداً في ميزان العودة بين المكونات، حيث تحولت الأرقام والنسب في مركز المدينة مثلا من تفوق سكاني إسلامي واضح قبل 2014 إلى أغلبية أيزيدية، نتيجة تباين معدلات العودة بين المكونات”.

73

غياب عربي واندثار مسيحي

ووفقا لرأي العديد من أبناء القضاء الذين تم مقابلتهم خلال اعداد هذا التقرير، حصلت هذه الفجوة الإحصائية التي “يصعب معالجتها” لأسباب عديدة، أبرزها الاتهامات العشائرية بالتورط في عمليات الخطف والقتل والتي لدت شرخا اجتماعيا.

فبعد العام 2015 واجهت العديد من العشائر العربية اتهامات من اطراف ايزيدية بالمشاركة مع تنظيم داعش في عمليات الابادة الجماعية التي حصلت بحقهم.

والسبب الآخر يتعلق بغياب لجان المصالحة القضائية والعشائرية الفعالة، والتي منعت عودة غالبية العائلات العربية السنية التي كانت تسكن مركز سنجار. وبحسب تقديرات مراكز أبحاث ومسوحات لمنظمات أممية، يقتصر الوجود السني الحالي على اقلية ضئيلة بعد أن كانوا يتجاوزون 16,000 نسمة قبل 2014.

وهناك أسباب أخرى، تتعلق بتدمير القرى والمنازل، وعدم اعمارها مجددا أو تعويض أصحابها، واستمرار المخاوف الأمنية، الى جانب “العامل الاقتصادي المتردي” مع حقيقة ان النزوح طويل الأمد، يفضي بالنتيجة الى استقرار في المناطق المستضيفة التي تملك فرص اقتصادية أفضل.

ولم يقتصر “الانقلاب السكاني” على المسلمين العرب والكرد، بل طال المكون المسيحي الذي بات وجوده في سنجار شبه معدوم. فبعد نزوحهم الجماعي عام 2014، حالت الفوضى الأمنية والصراعات السياسية، الى جانب تدمير الكنائس والممتلكات الخاصة، دون عودتهم.

ومع طول فترة النزوح، اندمجت العائلات المسيحية في مجتمعاتها الجديدة بإقليم كردستان أو هاجرت الى خارج العراق لتنعم بالاستقرار وفرص العمل وتطوير الذات، ولتصبح عودتهم الى سنجار خيارا مستحيلا في قضاء شبه خالٍ من الخدمات والفرص الاقتصادية، ما أفقَد سنجار أحد أقدم أركان تنوعها السكاني على مدى تأريخها القديم.

64

معيار العودة “قانوني وأمني”

يقول الكاتب عادل كمال، إن الطبيعة السكانية لمركز قضاء سنجار قبل 2014، تختلف عنها في الوقت الحاضر، لافتاً إلى أن الأغلبية كانت لغير الايزيديين وباتت لهم. ويعزو ذلك التحول الى تفضيل الايزيديين العائدين من النزوح، الاستقرار في مركز القضاء، بعد ان كانوا موزعين قبل حملة الإبادة الجماعية في قرى ومجمعات تحيط بالمدينة وجبلها، في وقت قرر غالبية المسلمين الكرد عدم العودة، الا نسبة قليلة من الشيعة.

الباحث المهتم بالشأن السياسي ياسين عزيز، يرى أن غياب الإرادة السياسية للحل يدفع لاستمرار الأزمة في سنجار. ويقول إن جميع مكونات القضاء تضررت من جرائم داعش “وكان يفترض أن تتعامل الدولة مع ما جرى باعتباره كارثة وطنية تستوجب إعادة إعمار المنطقة وتطوير اقتصادها واعادة السكان إلى ديارهم بعيداً عن الحسابات السياسية”.

ويشير إلى ما يعتقد انه عامل حاسم في عدم عودة الكثير من العوائل العربية للمنطقة، وهو رفض قوى ايزيدية لوجودهم، قائلا ان هنالك أطرافاً سياسية وأمنية ما زالت تعرقل تنفيذ اتفاقية سنجار الموقعة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2020 والتي يفترض ان تطبع الأوضاع في القضاء بما يسمح بعودة العائلات النازحة، مؤكداً أن تنفيذ الاتفاقية يعد خطوة أساسية “لتحقيق الاستقرار وتهيئة الظروف المناسبة للعودة”.

وتتضمن اتفاقية سنجار ثلاثة بنود أساسية، تتعلق بتوحيد الادارة من خلال تعيين قائممقام للقضاء محل اتفاق وضمان التمثيل العادل في شغل المواقع الادارية، وتعزيز الاستقرار الأمني بتولي الشرطة المحلية والأمن الوطني مسؤولية الأمن الداخلي مع اخراج الفصائل المسلحة، وتشكيل لجنة مشتركة لادارة المدينة واعمارها.

وينتقد الكثير من النشطاء الايزيديين، والقوى الممثلة لهم، اتفاقية سنجار، مشيرين الى انها جرت دون استشارتهم، وانها لم تراع واقع المنطقة والمتغيرات التي حصلت، ولم تستوعب متطلبات ما بعد الإبادة التي تعرضوا لها.

ويؤكد عزيز، أن بعض العائلات العربية التي استكملت الموافقات الأمنية اللازمة للعودة “تلقت تهديدات مباشرة، لهذا عدلت عن قرارها”، حسب قوله، دون ان يذكر الجهات التي قامت بتهديدهم.

يؤيده الرأي، عضو مجلس النواب العراقي أحمد الجربا، الذي يرفض تعميم الاتهامات على العائلات العربية والمسلمة بسبب جرائم تنظيم داعش، ويقول:”الان بالرغم من وجود تدقيق أمني، الا ان بعض العائلات لا تستطيع الرجوع الى قراها ومناطقها الاصلية”.

ويضيف:”العديد من تلك العائلات كانت هي الأخرى ضحية للتنظيم وفقدت أفراداً من أبنائها خلال سنوات العنف”. ودعا إلى التعامل مع ملف العودة وفق “القانون والمسؤولية الفردية بعيداً عن الأحكام الجماعية”.

وجهة النظر الايزيدية في ملف العودة، يلخصها، نايف شمو، أحد وجهاء عشيرة الحمو الايزيدية في سنجار، بالقول، ان غالبية أهالي القضاء لا يعارضون عودة العائلات العربية والمسلمة إلى مناطقها الأصلية “شريطة عدم تورط أفرادها” في الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش.

ويقول: “لسنا ضد عودة أي شخص إلى بيته وأرضه، وخاصة المسلمين السنة الذين لم تربطهم علاقة مع داعش، ولم تتلطخ أيديهم بدماء الإيزيديين وغيرهم، ولم يشاركوا في أي انتهاكات أو جرائم”.

وهو بذلك ينفي قيام قوى ايزيدية بمنع عودة العائلات التي يتأكد عدم انتمائها أو مساعدتها للتنظيم. لكن هذا لا يلغي وجود ايزيديين متشددين وان كانوا فئة صغيرة، يرفضون عودة العرب المسلمين الى المناطق المجاورة لعيش الايزيديين، مشيرين الى ان ذلك ربما يشكل مصدر “خطر وفتن”، مذكرين بمخاوف تكرر “فتاوى التكفير وقصص الغدر والخيانة”.

يضيف شمو، أن معيار العودة يجب أن يكون قانونياً وأمنياً، من خلال “التدقيق والتثبت من خلو السجل الأمني للعائدين من أي شبهات أو قضايا مرتبطة بالإرهاب”. ويستدرك:”إذا كان موقف الشخص سليماً، فنحن نقبل بعودته ومستعدون للتعايش معه كما كنا سابقاً”.

63

تباين نسب العائدين يغير التركيبة السكانية

خلافا لبعض النازحين العرب المسلمين المتخوفين من العودة، يؤكد جعفر محمد، وهو كردي شيعي من سكنة مركز سنجار، أنه عاد مع عائلته إلى منزله منذ عام 2018 واستأنف حياته بنحو طبيعي داخل المدينة.

يقول بأن أسرته نزحت إلى محافظة السليمانية بعد أحداث العام 2014، قبل أن تعود إلى سنجار عقب تحسن الأوضاع الأمنية “أبنائي يعملون اليوم في سنجار، بعضهم ضمن صفوف الحشد الشعبي، وابنتي تعمل بمنظمات مدنية بعد تخرجها من الجامعة”. ويؤكد: “الوضع الأمني جيد، ولم نواجه أي مشاكل مع أي طرف أو مكون آخر”.

ويرى جعفر، أن جميع مكونات سنجار دفعت أثمانا كبيرة خلال سنوات الحرب والنزوح، وان على الجميع الآن تجاوز ما حصل:”نعم، إخوتنا الإيزيديين فقدوا أرواحاً أكثر وعاشوا مأساة أكبر بسبب ما تعرضوا له من قتل جماعي وخطف للنساء والأطفال في ظل فتاوى التكفير. لكن كلنا تعرضنا للظلم وفقدنا أموالنا وممتلكاتنا وبعض أحبائنا”.

ويعرب عن أمله بعودة الثقة بين أبناء القضاء ليتمكن النازحون من العودة. ويقر أن المدينة التي باتت منذ العام 2017 تخضع للسلطة الأمنية لبغداد مسنودة بقوات الحشد، تغيرت كثيراً عما كانت عليه قبل العام 2014.

ويوضح :”في الماضي داخل المدينة الكل كانوا يعرفون بعضهم البعض، أما اليوم باتت التركيبة السكانية مختلفة نتيجة توجه العائدين من مناطق مختلفة الى مركز المدينة، لذا نرى اليوم في الشارع الواحد من كانوا متوزعين في سنوني وتلعزير وسيباشيخ خدر وغيرها”.

66

سنجار .. ادارتان وفوضى وتردي خدمي

محافظ نينوى عبد القادر الدخيل، يعترف ضمنا بفشل جهود الاعمار واعادة السكان، بقوله ان سنجار “ما زالت تدفع ثمناً باهظاً” نتيجة ما خلفه هجوم تنظيم داعش، وانها بحاجة الى “استقرار أمني وإداري حقيقيين، وإلى ضمانات تمنع تكرار ما حدث مستقبلاً، بما يعيد ثقة السكان ويشجع النازحين على العودة”.

كلام المحافظ، يؤكد غياب “الاستقرار الأمني والاداري والضمانات” التي تعيد الثقة للسكان عموما بما فيهم الايزيديين النازحين، لاستعادة حياتهم السابقة.

واذا كان الاستقرار الأمني هشاً في ظل تعدد مراكز القوى الحاكمة والمؤثرة بالقضاء، ووجود تشكيلات مسلحة مختلفة الولاءات، تشعر معها جميع المكونات “من ايزيديين، وكرد وعرب” بالقلق، فان غياب الاستقرار الاداري ومعها الخدمات، تعد معضلة أكبر، حيث لا توجد ادارة موحدة للقضاء، بل ادارتان على الأرض واحدة تتبع اقليم كردستان والاخرى تتبع الحكومة الاتحادية.

وفشل مجلس ادارة نينوى ومحافظها، في حل هذه الازدواجية التي تؤثر على تقديم الخدمات وانجاز المشاريع وحتى اكمال بعض المعاملات الرسمية للمواطنين والتي تتطلب السفر الى اقليم كردستان حيث مقر القائممقام المعين من قبل حكومة كردستان.

65

العرب لم يعودوا لمناطقهم

وهذا ما يجعل رئيس عشيرة المتيوت في سنجار نوري الدحل، يقول ان سنجار مازالت تواجه تحديات أمنية وسياسية كبيرة تعيق عودة الاستقرار الكامل وبالتالي عودة النازحين من مختلف المكونات.

وينبه الدحل، الى أن تعدد الجهات المسلحة ومراكز القرار “أوجد حالة من الفوضى أثرت على قدرة الحكومة الاتحادية على فرض سلطتها بشكل كامل وحماية المواطنين وممتلكاتهم”.

ويقول إن آلاف العائلات العربية النازحة ماتزال غير قادرة على العودة إلى مناطقها الأصلية في سنجار، على الرغم من مرور سنوات على هزيمة تنظيم داعش، لافتاً إلى أن العديد من منازل المواطنين العرب ما زالت مستغلة من قبل جهات مسلحة ترفض إخلاءها أو تسليمها لأصحابها.

ويرى أن معالجة هذه الملفات “تتطلب تدخلاً حكومياً حاسماً” لبسط سلطة الدولة وإنهاء جميع المظاهر المسلحة الخارجة عن القانون وإعادة الحقوق إلى أصحابها.، فضلاً عن إطلاق مشاريع إعمار وتنمية تشجع على عودة المكونات وتعيد بناء التعايش المشترك بعيداً عن الإقصاء والتهميش.

لكن بالنسبة للكرد لا ترتبط عدم العودة بمخاوف أمنية، بل بأسباب أخرى، كما يرى خليل احمد (53 عاما) وهو نازح قرر البقاء في زاخو حيث يقيم منذ النزوح ويعمل في مجال البناء.

يقول ان فشل عملية اعادة الاعمار هو السبب الأول “المدينة القديمة باحيائها المختلفة التي كانت تضم الكرد المسلمين مدمرة بشكل كامل، والتعويضات الحكومية بعد عشر سنوات لم تصل أو توزع بالقطارة ولا تكفي لاعادة بناء غرفة وليس منزلا، كما ان الاقتصاد سيء وفرص العمل قليلة وهي في الغالب موسمية”.

ويضيف خليل، سببا آخر يتعلق باندماج أبنائهم في المجتمعات المضيفة في زاخو ودهوك: “منذ البداية الكرد خرجوا من المخيمات وعاشوا داخل مدن كردستان وفي القرى القريبة، وبسبب التقارب اللغوي والثقافي والديني، اندمجوا مع البيئة الجديدة”.

على الرغم من ذلك، لا يخفي خليل، حنينه الى الأرض التي ولد وكبر فيها، ولا يعتبر عدم عودته تخليا عن مدينته. يقول انه رفض بشدة بيع ما يملكه هناك حتى عندما كان في ضائقة مالية. في اشارة الى تمسكه بحلم العودة يوماً ما أو الاحتفاظ بأثر لوجودهم وهويتهم في سنجار.

“هيفي” هي، ابنة خليل الكبرى، درست في مدارس زاخو والتحقت قبل عامين بجامعة دهوك مثل غالبية بنات وأولاد أقاربها، الذين يدرسون في جامعات كردستان. هي تعمل الى جانب دراستها في محل تجاري. تقول ان حياتهم باتت مختلفة، وسيصعب عليها مجددا تغيير البيئة التي كبرت فيها والحياة التي تعودت عليها.

تعلق بعد لحظات من الصمت، على ما يصفه البعض “تغييرا سكانيا في سنجار” بسبب عدم عودة الكرد المسلمين الى مناطقهم: “لا اعرف.. ذلك أمر مؤسف.. ان تخسر مدينتك وحياتك وأرضك أمر صعب، لكن لا يمكن اعادة الزمن 12 عاما الى الوراء لتصحيح ما حدث”.

69

لا أمل في العودة

“أصبحنا جزءاً من هذا المكان” هذا ما يقوله صلاح (42 سنة) وهو كردي من عشيرة الببوات المعروفة في سنجار، نزح مع افراد اسرته وأقربائه الى دهوك. لديه ستة ابناء، أصغرهم آزاد (11 سنة) والذي ولد في دهوك بعد سنة واحدة من النزوح.

يضيف:”بخلافنا أنا ووالدته وحتى اشقائه الأكبر منه، هو لا يعرف غير دهوك التي ولد فيها، حتى أن لهجته الكردية هي ذاتها التي يتحدث بها اهالي المدينة وليس لهجتنا السنجارية”.

ويذكر أن الارتباط بدهوك، لا يقتصر على عائلته فقط:”القليل من أبناء عشيرتنا- الببوات- عادوا إلى سنجار، غالبية أبناء عمومتي وأهلي ما زالوا هنا، استقرينا بنحو دائم فأعمالنا ومصادر رزقنا أصبحت هنا”.

ويؤكد ان عودتهم الى سنجار أصبحت صعبة:”طوال سنوات نزوحنا، بنينا او اشترينا أنا واولاد عمومتي منازل وشققاً هنا لنصبح قريبين من بعضنا البعض ونكون تجمعات صغيرة”.

النزوح، أحدث تغييراً كبيراً في حياة “صلاح” وغيره من النازحين من سنجار الذين قرروا الاستقرار في أماكن نزوحهم، وهذا التغيير كما يقول، لم يتوقف عند اسم المكان، بل امتد الى “اللغة والذاكرة والانتماء، وبعض العادات”.

ويتابع:”كل ما يعرفه أطفالنا عن سنجار، هو ما تجود به ذاكرتنا لهم، وإلا فأنهم منصهرون مع المجتمع في دهوك وزاخو، يتقنون لهجتهم ويمارسون عاداتهم، ويتنافسون في أسواقهم، ويعرفون كل جزء من هذه المدن”.

يفكر قليلاً، قبل أن يقول بصوت مرتجف:”بالنسبة لي الأمر مختلف، فلدي الكثير من الذكريات في سنجار، وربما احتاج أن ألقي عليها نظرة وأتأكد إن كانت تشبه المدينة التي عشت فيها وأتخيلها، أم أنها مختلفة عن نسختها الموجودة في رأسي!

يكمل، وهو يلقي بنظره بعيدا:”للأسف التغيير السكاني أصبح واقعاً لا يمكن معالجته بعد 12 عاما من النزوح، ومع وهم انتظار مشاريع الدعم الحكومي التي لن تأتي أبدا”.

• انجز التقرير باشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية

المزيد عن تقارير سردية

تقارير سردية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34957}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">