تحليل: لماذا تستهدف ايران الأحزاب الكردية المعارضة في إقليم كردستان؟.. نظرة على أهداف الهجمات الإيرانية العابرة للحدود

لماذا تستهدف ايران الأحزاب الكردية المعارضة في إقليم كردستان؟.. نظرة على أهداف الهجمات الإيرانية العابرة للحدود

ضربات استباقية لمنع اي تحرك داخلي، ورسائل تهديد موجهة للقوى الكردية العراقية، ومواجهة أساسية في جبهة تمثل مساحة تقاطع حساسة للصراع ضمن المعركة الأكبر مع امريكا، هكذا تنظر ايران لعملياتها المتكررة التي تستهدف مقرات ومخيمات الأحزاب الكردية الايرانية المعارضة المتواجدة داخل اقليم كردستان، في ظل الحضور الدائم لصدى تصريحات ترامب عن "الأسلحة الأمريكية" التي ارسلت للمعارضة الكردية ولم تصل، بما تحمله من دلالات على الدور الكردي المحتمل في حال توسع المواجهات والعودة لهدف اسقاط النظام.

في فجر يوم الجمعة ١٧ تموز يوليو، أصابت عدة صواريخ باليستية مقر حزب “كوملة” الكردي الايراني المعارض، في قرية “زركويزلة” بمحافظة السليمانية في العراق، موقعة قتلى وجرحى ومخلفة دماراً كبيراً، بالتزامن مع هجمات استهدفت مواقع مختلفة في اربيل والسليمانية، معيدة أجواء الحرب الى الاقليم، وواضعة القوى الكردية مجدداً بين حلقات النار!

لم تستهدف تلك الهجمات، مجرد مقار لقوى كردية معارضة، لم تقم فعليا بأي تحرك عسكري منذ سنوات، بل أعادت توجيه الأنظار مجدداً نحو حملات لا تتوقف تشنها ايران ضد الأحزاب الكردية المعارضة لها في إقليم كردستان العراق، وهذه المرة ليس لاجبارها على التخلي عن سلاحها وإبعاد مقراتها عن الحدود وانهاء كل أشكال نشاطها، بل ربما للنأي بنفسها عن الحرب الدائرة.

مع عودة الاشتباكات بين ايران وامريكا، وتعطل مذكرة التفاهم الموقعة، باتت الهجمات الايرانية مختلفة عن سابقاتها، فهي تحمل رسائل نارية الى قيادة اقليم كردستان من جهة، ومن جهة ثانية تمثل وفق الرؤية الايرانية حلقة في مواجهة أشمل مع العدو الأكبر “أمريكا واسرائيل” الذي لا يخفي تطلعه للاستفادة من القوى الكردية المعارضة لشن هجمات داخل ايران تربك الحسابات الأمنية الداخلية.

الهجمات الأعنف منذ تجدد الحرب

بحسب تقارير وسائل إعلام كردية، ومن بينها “كولبر نيوز” وشبكة حقوق الإنسان في كردستان، سقط في الهجمات الايرانية الأخيرة تسعة قتلى من مقاتلي “كوملة” على الأقل وأصيب آخرون بجروح، في حصيلة هي الأعنف منذ تجدد المعارك. بعض الضحايا لا يتجاوزون الـ 17 عاماً. وتزامناً مع ذلك، أعلنت سلطات الإقليم عن اعتراض وتدمير عدة طائرات مسيرة في سماء أربيل دون ذكر المواقع التي استهدفتها.

وذكر حزب (كوملة) كادحي كردستان، في بيان، أنه منذ بدء الجولة الجديدة من المواجهات، تعرضت مواقع الحزب لسلسلة هجمات بالصواريخ والمسيرات. وقال عبد الله آذربار، عضو المكتب السياسي للحزب، بأن الهجوم بدأ الساعة السادسة صباحاً، بسقوط ستة صواريخ باليستية بالقرب من مقر الحزب، مخلفة خسائر كبيرة.

وفي صباح يوم الأحد 19 تموز يوليو، استُهدف مقر تابع لحزب “حرية كردستان” قرب أربيل بهجوم بطائرة مسيّرة، أسفر، بحسب مسؤول في الحزب، عن إصابة ثمانية من مقاتلي الحزب بجروح متفاوتة.

وأفاد سكان محليون في اربيل ومحيطها، بأنهم عاشوا ليلتين من الهجمات القوية، التي أعادت أجواء هجمات حرب الـ40 يوماً، مع توالي أصوات الانفجارات وتفعيل أنظمة الدفاع، التي أسقطت العديد من الصواريخ والمسيرات، بحسب وسائل اعلام محلية.

وبخلاف الهجمات المباشرة التي شنتها إيران وجماعات عراقية مسلحة مقربة من طهران، في هذه المنطقة خلال الأشهر الماضية، والتي كانت تتبعها بيانات من جهات مختلفة بتبنيها، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها رسمياً عن الهجمات الأخيرة.

وسائل الإعلام المقربة من الحكومة الإيرانية، مثل وكالة “مهر” للأنباء، وصفت الهجوم بأنه استهداف “لجماعات إرهابية انفصالية”.

التهديدات القادمة من خارج الحدود

كما في معظم الهجمات السابقة، كانت طهران تقدم عملياتها كجزء من مواجهة التهديدات الأمنية التي تأتي من خارج الحدود، وأحيانا تصفها بهجمات استباقية لمنع قيام تلك المجموعات بأي هجمات داخل ايران.

في حين تقول الأحزاب الكردية والمنظمات الحقوقية، أن الهجمات استمرار لسياسة استهداف معارضي ايران خارج الحدود، حتى مع عدم وجود نشاط قتالي لهم واكتفائهم بالعمل السياسي، الى جانب ما تحمله من رسائل ضغط موجهة الى اقليم كردستان.

لكن هناك من يرى، ان الهجمات الجديدة، لا تهدف فقط الى ارباك واضعاف قوى المعارضة الكردية المسلحة وارسال رسائل تهديد الى عموم القوى الكردية في كردستان العراق، بل أيضا هي محاولة لإجهاض أي مسعى أمريكي لاحداث تحول في الصراع من خلال تحرك القوى الكردية المعارضة داخل ايران أو بشن عمليات عبر الحدود. 

هجوم في سياق مسار طويل

لا يمكن النظر إلى هجوم “زركويزلة” بمعزل عن الماضي. فخلال السنوات الأخيرة، تعرضت مقار الأحزاب الكردية الإيرانية في إقليم كردستان مراراً لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة؛ وهو مسار بدأ بالهجوم الصاروخي في أيلول سبتمبر ٢٠١٨ على مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، واستمر عبر عمليات قصف مكثفة عقب احتجاجات مهسا أميني في العام 2022 والتي هزت ايران برفعها شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، واشتدت حدتها في الأشهر الأخيرة مع جولات الحرب الامريكية الايرانية.

وبحسب إحصاءات محلية، سُجِّلت منذ مطلع العام ٢٠٢٦ وحتى الآن، المئات من الهجمات الصاروخية وبالمسيرات في مناطق مختلفة من الإقليم، خلفت عشرات القتلى والجرحى، وكان تركيزها الأكبر في محافظتي السليمانية وأربيل، حيث تتواجد مقرات عدد من القوى الكردية الايرانية المعارضة.

خلفية كل تلك الهجمات، لا ترتبط بإضعاف القدرات القتالية لقوى المعارضة الايرانية المتمركز في اربيل والسليمانية، فتلك القوى لا تملك فعليا امكانات كبيرة، فأعداد مقاتليها لا تتعدى بضعة مئات، كما ان غالبية أسلحتها خفيفة وقديمة، وحتى حركتها محدودة كونها تخضع لسلطة اقليم كردستان ويجري التعامل معها في الغالب وفق اتفاقات أمنية موقعة بين العراق وايران لا تسمح لها بحرية الحركة وتحصر مناطق تواجدها بمواقع ومخيمات محددة.

لكن تلك القوى المعارضة، تحظى بتأييد شعبي كبير في المحافظات الكردية داخل ايران، والمواقف التي تصدرها مهمة في تحريك الشارع الكردي، وهو ما ظهر بقوة في احتجاجات مهسا أميني، حيث كانت الاحتجاجات الكبيرة ضد السلطات الايرانية، والتي يشارك في عشرات الآلاف توجه في الغالب من قبل قوى المعارضة الكردية، بما فيه ما يرتبط بالاضرابات العامة واغلاق الأسواق التجارية.

لا توجد رواية ايرانية موحدة، حول أهداف هجماتها. فمنذ سنوات، يصف المسؤولون في ايران أحزاباً مثل “كوملة”، و”الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني”، و”بجاك” بأنها جماعات مسلحة تستغل أراضي إقليم كردستان العراق لتنظيم عمليات ضد إيران، على الرغم من أن النشاط القتالي لتلك الاحزاب متوقف بشكل كامل منذ نحو عقدين.

وتبرر ايران عموما هجماتها، بتدمير البنية التحتية لهذه الجماعات ومنع تسللها المحتمل إلى داخل البلاد. وقد برزت هذه الرواية بشكل أكبر بعد الاحتجاجات الكبيرة في العام 2022 التي شهدتها غالبية المدن الكردية؛ حيث اتهمت طهران تلك الأحزاب بلعب دور في الاضطرابات والاشتباكات الأمنية الداخلية، وهو اتهام تنفيها الأحزاب الكردية دائماً مع تأكيد دعمها للاحتجاجات السلمية للمطالبة بالعدالة والحقوق، وتأكيد استعدادها للحوار مع السلطات الإيرانية للتوصل الى حلول تناسب الكرد كخيار تفضله اكثر من اللجوء لاي تحرك عسكري، حسب ما تقوله في بياناتها الأخيرة.

صراع اقليمي، أم ابطال خطر جماعة مسلحة؟

وهنا يرى محللون وقيادات سياسية كردية، ان الصورة التي يتم ترويجها عن دوافع الهجمات الايرانية هي “ناقصة”، وبعضهم يعتقد أن الملف يتجاوز مجرد مواجهة مع جماعات مسلحة، ويجب قراءته في سياق أوسع يرتبط بالصراع الاقليمي وليس الداخلي الايراني فقط.

وهم يشيرون، الى توصيفات المسؤولين الايرانيين ذاتهم للصراع في المنطقة، وانتقادهم للوجود العسكري الأمريكي في إقليم كردستان وما يصفونه بـ”النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي”، ووضع ذلك في خانة “التهديدات الأمنية” لإيران. فمن وجهة نظر طهران، وجود مقرات للأحزاب الكردية الايرانية المعارضة في اقليم كردستان، الى جانب القواعد الأمريكية، تعطي الملف بعداً أكبر من مجرد كونه قضية محلية بحتة.

هذه النظرة جعلت الهجمات على مقار الأحزاب الكردية، في الخطاب الرسمي الايراني، لا تُعد مجرد مواجهة مع جماعات مسلحة تشكل تهديدا داخليا محتملا فحسب، بل تُصنف أيضاً كجزء من مواجهة أوسع مع أمريكا وإسرائيل.

ومن الطبيعي النظر الى هذه الهجمات في سياق أعمق، ليس في ظل عودة الحرب واحتمالات توسع جبهاتها، بل ايضا مع حقيقة ان نهاية الحرب لم تأت ولا يوجد في الأفق حل نهائي للصراع، حتى وان توقفت المعارك بعد فترة وعاد الطرفان لمسار التفاوض السياسي والاقتصادي.

من الواضح ان الحرب الإيرانية مع إسرائيل وأمريكا، التي بدأت نهاية شباط فبراير الماضي، لم ولن تنتهي بمجرد توقيع مذكرة تفاهم او حتى بحصول اتفاق، فالصراع يظل مفتوحا على احتمالات كثيرة، وما نشهده اليوم هو جولة جديدة ربما تصبح أشد ضراوة من سابقتها، مع احتمال ضرب أمريكا للبنية التحتية داخل إيران، وقيام الأخيرة بالرد واستهداف البنى التحتية في قطر، والسعودية، والأردن والكويت والبحرين.

ووفقاً لبيان حزب “كوملة” الكردي، فإن المواجهة الجديدة المكملة للمواجهة السابقة التي أستمرت ٣٩ يوماً، شكلت الأرضية لعمليات القصف المتكررة التي استهدفت مواقع الأحزاب الكردية. وهذه ايضا وفق باحثين كرد ومصادر امنية، يمكن أن تتطور بتجاوز ضرب المقرات العسكرية والامنية الى استهداف البنى التحتية في كردستان، في حال توسع دائرة الاشتباك.

ويرى محللون، ان القيادة الايرانية التي باتت كليا تخضع لقرار الحرس الثوري، وفي اطار رسائل التهديد التي تظهر ما يمكن ان يحصل في حال اتساع المواجهات، وسعيا لزيادة الضغط على اقليم كردستان، تلجأ الى اختيار أهداف يسهل الوصول إليها. ووفقا لهذه القراءة، تحولت مقار الأحزاب الكردية الايرانية في كردستان إلى أهداف، باعتبارها توصل “رسالة قوة التدمير” دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الأكبر في المنطقة.

ولا يقتصر التحرك الايراني على البعد العسكري فحسب. فخلال السنوات الماضية، طالبت طهران، الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان بإنهاء أنشطة الأحزاب الكردية الإيرانية ودفع قياداتها وأفرادها الى مغادرة الاقليم بعد اغلاق مقراتها ومخيمات تواجدها، وهي مطالب وردت بشكل أو آخر في الاتفاق الأمني بين طهران وبغداد، الذي ينفذ منذ نحو عامين.

بالتالي السياسة الايرانية، لا تقتصر على العمليات العسكرية فحسب، بل تشمل الضغوط السياسية والأمنية والاستخباراتية، لبعث رسالة مفادها أن تواجد تلك القوى المعارضة خارج إيران لا يوفر أماناً كاملاً لها، ولا يعاني السماح لها بالتحرك وفق رغبتها.

ومن هنا فان الهجمات على الأحزاب الكردية، خاصة في ظل تجدد الصراع، هي أداة اضافية لزيادة الضغط السياسي على بغداد واربيل لفرض رقابة أكبر على أنشطة هذه الأحزاب ومنع أي تحركات لعناصرها تحت الضغط الأمريكي الذي حاول اغراء القوى الكردية بالانخراط في الحرب منذ بدايتها، من خلال شن عمليات داخل ايران والقيام باحتجاجات.

الاتفاق الأمني الايراني العراقي..!

على الرغم من الاتفاق الأمني الإيراني العراقي الموقع في العام ٢٠٢٣، لم تتوقف الهجمات على مقار الأحزاب الكردية المعارضة، حتى قبل القرار الامريكي الاسرائيلي بشن هجمات واسعة على ايران واغتيال قيادات الصف الأول والثاني في البلاد على أمل تغيير النظام.

وفق ذلك الاتفاق، تم نقل جزء من مقاتلي الأحزاب الكردية من المناطق الحدودية إلى نقاط أكثر عمقاً داخل اقليم كردستان العراق، وأُخليت أو قُلِّصت بعض القواعد والمخيمات، إلا أن بنيتها التحتية الرئيسية ومراكزها السياسية ما تزال قائمة في الإقليم.

وتتواجد هذه الأحزاب في المنطقة منذ عقود، حيث أنشأت شبكة من المخيمات والمكاتب السياسية ومراكز التدريب؛ لذا فإن النقل الكامل لهذه الهياكل ليس بالأمر السهل، لا من الناحية المالية ولا السياسية.

كما تجد حكومة إقليم كردستان نفسها عالقة بين اعتبارات متناقضة: في علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع إيران من جهة، والتزامها بالحفاظ على الاستقرار الداخلي واحترام الحقوق الانسانية الأساسية للجماعات التي تعيش في المنطقة منذ سنوات طويلة من جهة أخرى، الى جانب مشاعر ومواقف التضامن الكردية المتبادلة الذي يعير المجتمع الكردي اهتماما كبيرا له.

لهذا السبب، وحتى مع فرض بعض الاجراءات والقيود على أنشطة تلك الأحزاب والتضييق عليها. ومع تأكيد حكومة اقليم كردستان، المتكرر، بأنها لن تسمح باستخدام أراض المنطقة لمهاجمة الدول المجاورة، لا تبدو ايران مقتنعة بأن خطر القوى المعارضة قد زال، أو على الأقل هي تريد أن تسوق لفكرة استمرار تشكيلها تهديدا. ولهذا كلما تصاعد التوتر بين إيران ومنافسيها الإقليميين والدوليين، يرتفع احتمال استهداف هذه المقرات.

بالتالي تُرسل الهجمات المُتكررة رسالة مفادها أن الإجراءات المُتخذة، من وجهة نظر طهران، غير كافية، وان عملية سحب المقاتلين المعارضين من الشريط الحدودي ونزع سلاحهم ووضعهم في معسكرات مُراقبة، لم تجر كما خطط لها.

تكلفة انسانية تتجاوز الأهداف العسكرية

لا تقتصر تداعيات هذه الهجمات على الخسائر في صفوف المقاتلين المعارضين وعوائلهم فحسب. ففي كثير من الحالات، تأثرت القرى المحيطة بتلك المقرات أيضاً كما غالبية المناطق الحدودية؛ حيث أُجبرت عائلات على ترك منازلها، وفقد آلاف المزارعين إمكانية الوصول إلى حقولهم الزراعية.

ومع تصاعد الصراع، باتت المناطق الحدودية سواء مع ايران او تركيا، تعاني بشكل عام من انعدام الأمن ومعه تدهور اقتصادي في معيشة سكانها. ومن المنظور السياسي، تسببت هذه الهجمات مراراً في توتير العلاقات بين طهران وبغداد وأربيل.

وعادةً ما تعتبر الحكومة العراقية هذه الهجمات انتهاكاً لسيادتها، خاصة عندما تشن من قبل تركيا، لكنها تتجنب في الغالب انتقادها بشكل مباشر، وفي الممارسة العملية لا تقوم بأي تحرك لمنعها.

كما حاولت حكومة الإقليم دائماً، مع إدانتها للهجمات خاصة التي تقع داخل المدن الكردية والتي تستهدف منشآت عامة أو مواقع يوجد فيها تواجد أمريكي رسمي، الحيلولة دون تحول “بيانات الإدانة” إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

وقد واجهت الهجمات الصاروخية والمسيرة الإيرانية خلال السنوات الماضية ردود أفعال من الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وعدد من الحكومات الغربية؛ وهي ردود أفعال تمحورت غالباً حول احترام سيادة العراق، وتجنب تصعيد التوترات الإقليمية، وحماية المدنيين.

ومع ذلك، لم يكن لهذه المواقف حتى الآن تأثير ملموس على مسار الهجمات؛ فلا أُنشئت آلية لمنع تكرار هذه العمليات، ولا نجحت المفاوضات الأمنية بين طهران وبغداد في إيقاف سلسلة الهجمات بتداعياتها المختلفة.

نقطة تقاطع للتنافس الأمني والجيوسياسي

لا يمكن اعتبار الهجوم على “زركويزلة” وغيرها من مراكز المعارضة الكردية الايرانية، مجرد رد فعل على حدث أمني أو تهديد وشيك؛ بل يأتي هذا الهجوم امتداداً لمسار يتكرر منذ سنوات، ويظهر أن ملف الأحزاب الكردية لا يزال جزءاً من المعادلات الأمنية في ايران، وانه يملك حساسية بالغة، خاصة ان تلك القوى هي الوحيدة التي تحمل السلاح، بعد سنوات من تسوية ملف مقاتلي حركة “مجاهدي خلق” الذين تم ابعادهم عن العراق.

وطالما أن طهران ترى في هذه الأحزاب تهديداً لأمنها القومي، وفي المقابل، تستمر هذه الجماعات في أنشطتها السياسية المعارضة وربما العسكرية، فمن المستبعد أن تتوقف دوامة الهجمات؛ كما أن التنافس الإقليمي، ووجود لاعبين خارجيين في العراق، وهشاشة العلاقات بين بغداد وأربيل وطهران، تزيد هذا الملف تعقيداً.

يحدث ذلك في وقت تشير مصادر كردية ان ايران تقوم بتحشيد قوات اضافية على حدودها مع اقليم كردستان. ومع تأكيدات للأحزاب الكردية الايرانية بعدم وجود اي تحركات استثنائية لها على الحدود، لكن صدى التصريحات السابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن “الأسلحة الأمريكية” التي ارسلت للمعارضة الكردية ولم تصل، مازالت حاضرة وتشي بدور كردي محتمل في حال توسع المواجهات وصولا لهدف اسقاط النظام.

وفي وقت لا يمكن اخراج الهجمات الأخيرة من سياقها العام، تؤكد الوقائع أن إقليم كردستان العراق لا يزال يشكل أحد أكثر نقاط التقاطع حساسية للتنافس الأمني والجيوسياسي في المنطقة؛ وهي بقعة يمكن أن ينعكس فيها أي “تطور دراماتيكي” في علاقات إيران مع جيرانها أو القوى الخارجية، سريعاً على أمنها.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34932}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">