آراء: حرب الكر و الفر.. الاستثمارات الاقتصادية ترسم حدود الصراع!

حرب الكر و الفر.. الاستثمارات الاقتصادية ترسم حدود الصراع!

مع عودة الحرب الأمريكية الايرانية، لا يبدو ان السيطرة العسكرية وتعزيز الأمن هي الهدف الامريكي الحقيقي، بل ما خلفها من هيمنة ومصالح اقتصادية وسياسية، فالرئيس الأمريكي أعلن عن رغبته في فرض رسوم تصل إلى 20% تحت عنوان "تكلفة حماية" على السفن التجارية، قبل أن يحولها الى استثمارات، وهو بذلك يكشف أن واشنطن لا تنظر إلى المضيق بوصفه ملف أمني فقط، بل بامكانية الاستفادة منه بتحويله الى مورد اقتصادي، ونقطة ارتكاز لإعادة صياغة النفوذ في المنطقة.

محمد جواد الميالي

لم تكن المفاوضات الأخيرة بين واشنطن وطهران، سوى استراحة قصيرة في حرب لم تتوقف أصلا، فسرعان ما عادت السماء لتتلبد بالصواريخ والمسيرات والطائرات الحربية، ليعود الصراع الأمريكي الإيراني بكل ما يحمله من مخاطر أمنية وتداعيات اقتصادية.

بعد أشهر من الاستنزاف، لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية، أن تحقق نصرا استراتيجيا يجبر إيران على الرضوخ، كما لم تتمكن طهران من إخراج واشنطن من معادلة الخليج، لتتحول الحرب من مواجهة عسكرية مباشرة إلى صراع إرادات، يحاول فيه كل طرف إنهاء الآخر للوصول إلى المعادلة الصفرية.

ما يجري اليوم يختلف عن الجولات السابقة، واشنطن لم تعد تبحث عن مجرد ردع إيران أو تقليص نفوذها، بل يبدو أنها تسعى إلى إعادة تشكيل الخارطة الأمنية في الخليج، عبر فرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز، لأن من يملك قرار المضيق لا يتحكم فقط بتدفق النفط، بل يمتلك ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي بأكمله.

خطة السيطرة على الجزر

الاستراتيجية الأمريكية، وفق مسارها الحالي، يبدو انها تقوم على ثلاث مراحل متتابعة، تبدأ برفع وتيرة القصف إلى مستويات غير مسبوقة بهدف إنهاك القدرات الدفاعية الإيرانية، ثم الانتقال إلى قطع خطوط الدعم اللوجستي وتدمير البنى التي تضمن استمرار العمليات العسكرية، قبل التوجه نحو استهداف القواعد العسكرية المنتشرة على السواحل المحاذية للمضيق، وعزل الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية، تمهيدا لفرض أمر واقع يجعل السيطرة على حركة الملاحة بيد ترامب وحلفائه.

ان السيطرة العسكرية وتعزيز الأمن ليست هي الهدف الامريكي الحقيقي، بل ما خلفها من هيمنة ومصالح اقتصادية وسياسية، فالرئيس الأمريكي أعلن عن رغبته في فرض رسوم تصل إلى 20% تحت عنوان “تكلفة حماية” على السفن التجارية، وهو تصريح يكشف أن واشنطن لا تنظر إلى المضيق بوصفه ملف أمني فقط، بل بامكانية الاستفادة منه بتحويله الى مورد اقتصادي، ونقطة ارتكاز لإعادة صياغة النفوذ في المنطقة.

ترامب الذي بدا انه تراجع عن موقفه بفرص رسوم، قرر استبدالها باتفاقات تجارية، وقال على موقع تروث سوشيال: “بناءً على محادثات مثمرة للغاية مع قيادات الشرق الأوسط، قررتُ استبدال الرسوم الأمريكية البالغة 20% باتفاقيات تجارية واستثمارية ستبرمها دول الخليج المختلفة مع الولايات المتحدة”. وهذا يظهر الجانب الاقتصادي للعملية الأمريكية.

لكن هل يمكن لحلفاء الولايات المتحدة، الذين يعتمدون على المضيق لتصدير واستيراد الطاقة والبضائع، أن يقبلوا بدفع فاتورة حماية بهذا الحجم؟ أم أن واشنطن، وهي تحاول إخضاع إيران، قد تجد نفسها في مواجهة مع مصالح شركائها قبل خصومها؟

الحرب بكلفة هائلة

لا تبدو إيران قادرة على خوض معركة بحرية تقليدية، تعرف مسبقا أنها تميل لصالح القوة الأمريكية، لذلك ستعود إلى العقيدة التي أتقنتها طوال العقود الماضية، وهي تحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى عبء استراتيجي، فكل قاعدة بحرية ستقابلها طائرات مسيّرة، وكل قطعة بحرية ستواجه بزوارق سريعة، صواريخ ساحلية وألغام بحرية، وكل محاولة لفرض الأمن ستُقابل برفع كلفة هذا الأمن إلى الحد الذي يجعل الانتصار العسكري بلا قيمة سياسية، إنها معادلة استنزاف تقوم على إقناع الخصم، بأن البقاء في ساحة المعركة أكثر كلفة من الإنسحاب منها.

وماذا لو فشلت الولايات المتحدة في فرض السيطرة على المضيق، وإجبار إيران على القبول بالشروط الجديدة؟ هل ستستمر في حرب الاستنزاف، أم ستبحث عن خيارات أكثر خطورة؟

البحث عن نصر قد يدفع أمريكا لتجربة كل شيء، بما فيه استخدام سلاح نووي تكتيكي، رغم أن الإقدام على مثل هذه الخطوة، سيحمل مخاطر هائلة، قد تؤدي إلى تصعيد لا يمكن احتواؤه، لكنها تعكس حجم المخاطر التي قد تبلغها الأزمة، إذا استمر التصعيد وفشلت الوسائل التقليدية في تحقيق أهدافها.

مقابل ذلك فإن موسكو تتابع هذا المشهد بدقة، لأنها تدرك أن أي انشغال أمريكي طويل في الخليج، يمنحها هامشا أوسع للحركة في الساحة الأوروبية، إلا أن افتراض بأن روسيا ستلجأ تلقائيا إلى استخدام السلاح النووي في أوكرانيا، إذا وقع تصعيد نووي في الشرق الأوسط، يبقى مجرد افتراض، لأن مثل هذا القرار يرتبط بحسابات الردع العالمية وليس بمجرد تطور منفرد.

مرحلة عالمية جديدة

في اللحظة الحالية، ووفق الرؤية المعلنة، واشنطن ليست في وارد الانسحاب دون تحقيق نصر كبير يتمثل بفرض سيطرتها الكاملة او شبه الكاملة على هرمز، لأنها ان حققت ذلك ستعيد رسم ميزان القوى في الخليج لعقود مقبلة.

أما إذا تمكنت إيران من إفشال هذا المشروع، ومنع فرض السيطرة الأمريكية الكاملة، فلا يمكن القول انها حققت انتصارا عسكريا بالمعنى التقليدي، لكنها ستكون قد أثبتت أن القوة العظمى الأولى في العالم عجزت عن فرض إرادتها على احد أهم الممرات البحرية في العالم.

بين هذه الاحتمالات، تقف المنطقة بأسرها على حافة مرحلة جديدة، لا يكون عنوانها الحرب الأمريكية الإيرانية، بل المعركة على شكل النظام الدولي القادم، حيث لم يعد السؤال من يطلق النار أولا ومن يتوقف، بل من يملك القدرة على إعادة كتابة قواعد القوة، فيما يظل السلام غائبا عن القرن الحادي والعشرين.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34899}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">