تظهر الأساطير العراقية حضوراً متميزاً للخوف من الطبيعة والمجهول لدى العراقي القديم مقارنة مع المصري الذي يشعر بنوع من الاستقرار والأمان. وانعكس هذا الاختلاف على مختلف مجالات الحياة، في الفنون والأديان والسياسة وغيرها.
فقد وفر انتظام سيران نهر النيل في الحالة المصرية، مع دورات فيضانه السنوية المحددة، استقرارا زراعيا واقتصاديا مطمئناً، ورسخ لدى السكان تصورا ثابتا ومتوازنا عن الكون. ولهذا ارتبطت أعيادهم الدينية، مثل احتفالات انبعاث أوزيريس، بدورة الطبيعة المنتظمة، وأصبح الانتقال السنوي من الحزن إلى الفرح حدثا مألوفاً يمنح الإنسان المصري الثقة بالمستقبل. ولعل ذلك يفسر ميل المصري إلى التكيف مع السلطة أكثر من الصدام الدائم معها، واستخدام السخرية والفكاهة وسيلةً للتنفيس عن ضغوط الحياة بدلا من المواجهة المباشرة.
في العراق القديم، تكثر المخاطر الطبيعية والبشرية، حيث يعتمد الناس على نهري دجلة والفرات، بدورات غضبهما المتجلية بفيضانات غير منتظمة، إضافة إلى فوضى الأمطار، الأمر الذي جعل الزراعة وكل ما يرتبط بها، أكثر عرضة للمفاجآت والكوارث.
وزاد من هذا الشعور بالخوف انفتاح الجغرافيا العراقية على جميع الجهات، وتكرار الغزوات والهجرات عبر تاريخه الطويل. وقد ترك ذلك اثرا واضحا في الفكر السياسي والديني العراقي القديم، وفي تصور الناس للحاكم بوصفه الضامن للنظام، والقادر على حماية المجتمع من أخطار الطبيعة والعدوان الخارجي. يضاف إلى ذلك، أن شدة التحديات عززت الميل إلى الاستبداد بوصفه وسيلة للاستقرار ومنع التفكك.
الحضارة والأنظمة الاستبدادية
يشير روبرت د. كابلان في كتابه انتقام الجغرافيا إلى أن “صعود الحضارة في العراق القديم أدى إلى ظهور أشد الأنظمة الاستبدادية قسوةً من أجل درء التفكك من الداخل”. وبهذه الطريقة، ولّد الاعتماد على الري، والحاجة إلى أعداد كبيرة من البشر لحفر القنوات والدفاع عن الأرض، أنظمةً صلبة من العبودية والسخرة.
في حزيران/يونيو 1853، كتب فريدريك إنجلز، رسالة إلى كارل ماركس، بين فيها أثر مشروعات الري الكبرى في الشرق على تعزيز السلطة المركزية وتعبئة العمل الجماعي، الأمر الذي هيأ لظهور أنماط من السخرة والاستغلال، وجعل الإنسان جزءاً من منظومة العمل التي تديرها الدولة.
وتشير الوثائق التاريخية على سبيل المثال، إلى “غضب أحد ملوك العراق القديم عندما علم بعدم إنجاز تنظيف إحدى القنوات في موعده المحدد، فأمر بإنهاء العمل خلال مهلة لا تتجاوز ثلاثة أيام”، وهو ما يظهر مدى الحزم الذي تعاملت به السلطة مع إدارة مشاريع الري، نظرا لاهميتها في الحياة والاقتصاد.
الخوف والمديح
ويقدم لنا الفكر السياسي العراقي القديم صورة أخرى عن العنف الذي مارسه الحاكم. فكتب على لوح منسوب إلى الملك نبونيد: إن قلبه مليء بالأفكار الموجهة ضد البلاد، ولم يكن بإمكانه أن يتصور إلا الجرائم، إذ كان مجردا من الشفقة إزاء السكان، وكان يتصرف بوقاحة إزاء بابل. لقد حطم هياكلها وبنى فيها تماثيل له، وأخذ بيد الإله مردوك وسار به نحو آشور، وعامل البلاد كما لو كان هو الغضب الإلهي نفسه يحكم”.
بينما كتب أحد الرعايا الآشوريين إلى ملكه قائلاً: “كنتُ إنسانا ميتا، كنتُ أتطلع بكل شوق لأرى سيدي الملك، وعندما رأيت وجه الملك عادت لي الحياة، وكنت جائعا فشبعت”.
وتستحضر هذه الرسالة أنماطا مشابهة من تمجيد الحاكم التي عرفها العراق الحديث في ظل الأنظمة الشمولية، كما في الأغنية التي كانت تُردد في عهد صدام حسين:
“سيدي شكد انته رائع سيدي
بيدك الطيبة الكريمة والله داويت المواجع”
وإذا كان الخوف مميزا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وانجز دورا وظيفيا في إدارة الدولة بشكل استبدادي، كما يخبرنا تاريخ العراق القديم، فإنه من الضروري، ترسيخ قيم الديمقراطية، وبناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس المواطنة وسيادة القانون بالتزامن مع مركزية منضبطة ديموقراطيا ومنسجمة مع التراث السياسي العراقي.
فضعف الدولة وتعدد مراكز النفوذ، واستشراء الفساد قد تؤدي جميعها إلى إعادة إنتاج استبداد متوحش، باعتباره حلا سهلا لاستعادة الأمن والاستقرار.