آراء: خيارات مريرة للعراق أمام المشروع الأمريكي الكبير للمنطقة!

خيارات مريرة للعراق أمام المشروع الأمريكي الكبير للمنطقة!

هناك مشروع كبير يتم وضع أساساته في المنطقة، هو جزء من مشروع القرن الأمريكي الجديد لادارة العالم، ويتركز على انشاء شبكات جديدة لاكتشاف واستخراج ونقل واحتكار الطاقة والمعادن النادرة، ومعها تأمين استثمارات مليارية بعيدة المدى للولايات المتحدة تجعلها سيدة القرن الحادي والعشرين !

يقع العراق في قلب القسم الثاني من هذا المشروع العملاق، ولأن العراق وضعه معقد ويعاني من صراعات وفساد وسوء ادارة، تعتقد الولايات المتحدة ان قادة البلاد غير مدركين لما يحدث ولايستطيعون اتخاذ قرارات صحيحة تتفق وحجم هذا المشروع الاقليمي، لهذا وضعت ادارة ترامب أو المؤسسات التي تخطط في الولايات المتحدة “توم براك” لقيادة هذا المشروع.

الممثل الرئاسي الأمريكي المعين حديثاً، وضِعَ لقيادة القسم الثاني “البكر” من المشروع من الناحية الطاقوية والجغرافية، وهو القسم الذي يشمل العراق وسوريا والاردن وتركيا ولبنان. نصف المشروع الآخر يشمل ايران والخليج.

بماذا تخبرنا الوقائع؟

“براك” فعليا هو من يُسير السياسات حاليا في دول القسم الثاني – باستثناء نسبي لتركيا – وهو من ينصح رؤسائها وقادتها بما يجب ان يفعلوه، وفي بعض الاحيان يضغط عليهم بل ويهددهم! بدليل ان اغلب ما يقوله ينفذ ويصبح قائما على ارض الواقع، وتطبيقات ذلك واضحة .

قوة “توم براك” في فرض ما يقوله خاصة في العراق، لا تكمن في كونه مبعوثا امريكيا ينفذ مشروعا عملاقا فقط، بل أيضا لأن النخب السياسية الفاسدة اصبحت خياراتها معدومة، ولا تمتلك اي قرار وطني تقريباً تستند عليه امام ما يمتلكه براك من اوراق ضغط ضد هذه الطبقة الفاسدة .

بالتالي عدم الامتثال لرغبات براك وما يريده، يعني سقوط هذه الطبقة السياسية وازاحتها من السلطة. وهكذا يدير ترامب من خلال مبعوثه وعبر تغريداته المنطقة، وجميعا يتذكر تغريدته الرافضة لترشيح السيد المالكي لرئاسة الوزراء. تذكروا ماذا فعلت القوى السياسية بعد تلك التغريدة.. سحبوا دعمها للمالكي، وحولوه الى شخص آخر غير معروف، لكنه بعد أسابيع أصبح على رأس السلطة بدعم من ترامب.

وفق ذلك، وبعد كل الخراب الذي حصل، لا تملك النخبة السياسية ولا البلد عموما، الا القبول بالمضي في المخطط المرسوم دون اعتراض، على أمل تحقيق بعض المكاسب للبلاد.

الرسالة القاسية.. الرضوخ

الرسالة التي تلقتها النخبة السياسية، كانت على النحو الآتي: وضعكم مهدد بالسقوط بمختلف الاشكال، سواء بالسقوط عبر ثورة شعبية يمكن ان تحدث ضدكم ان قطع ترامب بتغريدة واحدة تمويل العراق من البنك الفيدرالي. أو عبر الاستهداف العسكري الذي اعطتكم الولايات المتحدة نماذج كثيرة عنه منذ عام 2020 حتى الان، مثل استهداف سليماني والمهندس ونصر الله وخامنائي .

نعم، الولايات المتحدة غيرت هذا النظام في نيسان من العام 2003 ليس لكي يصبح بلداً ديمقراطياً غنياً حراً نزيهاً شفافاً، ودون أي مقابل، وهي تركت هذا البلد يغرق بفساد كبير دون أن تتدخل، لكن قرار الغرق في الفساد، اختارته النخب السياسية الحاكمة، التي لو كانت تؤمن بان العراق للجميع وتخلت عن طائفيتها وعنصريتها ومصالحها الحزبية، واختارت طريقا وطنيا حقيقياً لما وصل البلد الى الحال الذي نشهده اليوم، ولما اضطروا للقبول بالاملاءات الأمريكية.

مع نموذج الحكم الذي اختارته تلك النخب ودعمه جمهورها، أصبحت الطائفية والفساد هي عناوين الفشل، وبعد عشرين عاما، ذاتهما الطائفية والفساد سمحت بتمرير “المشروع الكبير” في العراق، دون أي اعتراض. بالتالي الجمهور الذي صوت تحت “صدى الشعارات” لنموذج “الفساد والطائفية” هو سبب من أسباب تمرير المشروع الامريكي.

يمكن القول ان الولايات المتحدة في العراق لم تصنع الفساد بنفسها، أو في الحد الأدنى هي لم تجبر النخب الحاكمة على تبنيه، هي فقط تركته ينمو من تلقاء نفسه، لأنها دولة تدرس وتخطط وليس لديها مشاعر ولا تقاتل هنا وهناك نصرةً لشعارات المذهب والعقيدة. الولايات المتحدة تقاتل من اجل مصالحها، واذا تطلبت مصالحها ان تقاتل تحت شعار العقيدة والمذهب ستفعل ذلك أيضا من اجل مصالحها .

كل ما فعلته الولايات المتحدة في العراق هو ترك هؤلاء يحكمون دون ان تتدخل لتصحيح الأوضاع ايجابياً، وبعد ان اغرقوا البلد في الفساد واصبحوا لايمتلكون خيارات لقيادته وللبقاء في السلطة الا بتقديم تنازلات اكثر، أتى اليهم “توم براك” برسائله ليخبرهم بما يجب ان يفعلوه!

تقول الولايات المتحدة اليوم بوضوح: ان لم تنخرطوا بما نرسمه لكم من مشاريع ومخططات فستسقطون بقرارات امريكية مباشرة وصريحة، وهناك من سيأتي للسلطة من بعدكم لينفذ ما نريده، والخيار لكم!

ما الذي أوصلنا الى هنا؟

هل فهمنا ماذا يحدث الان؟.. هل عرفنا ان الطائفية واختيار الفاسدين في الانتخابات وتأييدهم لأي سبب كان، الى أين يمكن ان يوصل هذا البلد؟.. وهل استوعبنا ان هؤلاء قد رهنوا مستقبلنا ومستقبل الاجيال القادمة لاكثر من 75 سنة بسبب فشلهم .

في النهاية، لا نملك اليوم الا التحرك نحو ما تبقى، وانقاذ ما يمكن انقاذه. كان بالامكان ان نحصل على مكاسب اكبر لو كنا غير طائفيين وغير فاسدين، لو كنا وطنيين ومتماسكين ونحب بلدنا حقاً.. الآن أمامنا فرصة لنحصل على ربع المكاسب وربما اقل !

اليوم لا نملك خيارا الا المضي بمرارة وحسرة مع الولايات المتحدة، وتدفع ثمن فشل ادارة البلد، وتحاول بناء بلدك من جديد وتصحح وضعك و خياراتك الخاطئة وتستعيد توازنك.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34896}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">