تقارير إخبارية: دعوة الزيدي للمسيحيين المهاجرين للعودة.. مغازلة لـ ترامب أم تحرك جدي لطي صفحة الماضي؟

دعوة الزيدي للمسيحيين المهاجرين للعودة.. مغازلة لـ ترامب أم تحرك جدي لطي صفحة الماضي؟

يرى متابعون، أن أي دعوة للمسيحيين المهاجرين للعودة الى بلادهم، لن يكون لها معنى وأثر، ان لم تتغير منهجية ادارة الدولة، من "دولة الطوائف وامتيازاتها" الى دولة المواطنة المدنية، حتى يكون الجميع شركاء فيها، ويتمكن المسيحي كما الآخرون من اعتلاء المناصب العليا ويكونوا جزءا من القرار فيها. والى أن يتحقق ذلك "الهدف المرجو" فان أفضل ما يمكنه ان تفعله الحكومة الحالية هو منح المسيحيين مواقع أفضل في السلطة التنفيذية ومساحة سياسية أوسع "من الكوتا" في الحكومات المحلية بالمحافظات التي يتواجدون فيها، أو في مجلس النواب العراقي.

عادل كمال

قبل يومين من سفره الى واشنطن، وفي ما يشبه “الرسالة السياسية”، دعا رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، المسيحيين العراقيين المهاجرين، للعودة إلى البلاد، معلنا جاهزية حكومته لتقديم التسهيلات اللازمة لإنجاح ذلك، منها شمولهم بمشروع المليون قطعة أرض سكنية.

وعلى الرغم من الترحيب المسيحي باهتمام الحكومة الجديدة بقضاياهم، بما فيها عودتهم الى بلادهم التي هاجروا منها خلال العقود الثلاث الأخيرة تحت ضغط الحروب والعقوبات ومن ثم العنف الذي مورس بحقهم والتهميش، لكنهم دعوا الى معالجة الأسباب التي دفعتهم للهجرة قبل توجيه الدعوة إليهم للعودة “دون ذلك لن تفضي الدعوات إلى نتيجة”.

وكانت دعوة الزيدي، قد جاءت خلال لقائه في 11 تموز/يوليو بوفد مسيحي ضم بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم، البطريرك مار بولس الثالث نونا، ورئيس أساقفة أبرشية أربيل الكلدانية، المطران بشار متى وردة، وعدداً من رجال الدين الآخرين. وحث خلال اللقاء رجال الأعمال والمستثمرين من المسيحيين إلى العودة والمساهمة في عملية الإعمار والاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة في مختلف القطاعات وبالأخص الصحة والتعليم، وتعهدً بتوفير مختلف أشكال الدعم لإنجاح مشاريعهم وتعزيز مساهمتهم في التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل.

اللافت في دعوة الزيدي، انها جاءت قبيل زيارته للولايات المتحدة الامريكية، للقاء الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وتوقيع اتفاقيات تفاهم، ولهذا فسرها مراقبون بأنها رسالة للجانب الأمريكي أكثر منها للمسيحيين أنفسهم، مفادها أن حكومته الفتية ماضية نحو حماية التنوع الدينين والقومي في البلاد، إلى جانب مشروعها المعلن في مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة.

معالجة عوامل الهجرة

مسيحيون كثر، علقوا على تصريحات رئيس الوزراء. بعضهم ذَّكَر بالعوامل التي دفعتهم للنزوح والهجرة وأن ثمة شروط واجبة التحقق قبل اتخاذهم قرار العودة، منها الغاء التهميش والتمييز بحقهم والمشاركة في اتخاذ القرار، من خلال بناء دولة مواطنة، الى جانب سيادة القانون وتحقيق الأمن.

وواجه الوجود المسيحي في العراق تحديات كبيرة خلال العقود الثلاث الأخيرة، ولاسيما بعد سقوط النظام العراقي السابق في 2003، إذ تقلصت أعدادهم من نحو مليون ونصف، إلى ما بين 250 و 300 ألفاً وفقاً لتقديرات غير رسمية.

وذلك بسبب استهدافهم من قبل الجماعات المسلحة المختلفة في مناطق تواجدهم بالمحافظات العراقية خارج إقليم كردستان، وأبرزها محافظة نينوى، ليضطروا إلى النزوح تدريجيا الى بلداتهم وقراهم التاريخية في سهل نينوى.

وبعد سيطرة تنظيم داعش على محافظات عراقية عدة في 2014، ومن بينها نينوى، وتخييرهم بين الإسلام او دفع الجزية او الموت، لم يجد المسيحيون أمامهم سوى طريقين لا ثالث لهما، أما النزوح والبقاء في إقليم كردستان او الهجرة إلى خارج البلاد، والغالبية العظمى، سلكوا الطريق الثاني.

غياب الثقة..الضمانات

مطران الموصل وكركوك وكردستان للسريان الارثدوكس، مار نيقوديموس داود متى شرف، ثمن في لقاء تلفزيوني، دعوة رئيس الوزراء، لكنه دعاه في الوقت نفسه الى معالجة الأسباب التي دفعت المسيحيين إلى الهجرة “قبل ان توجه إليهم دعوة بالعودة!”. ويوضح:”لأن دعوة المسيحيين إلى العودة دون معالجة ما دفعهم الى الهجرة، لن تفضي إلى نتيجة”.

وبشأن الأسباب التي دفعت المسيحيين للهجرة، ذكر المطران، انها الى جانب الأوضاع الأمنية وما تعرضوا له من استهداف بعد 2003 :”التهميش، وعدم شعورهم في كثير من المواقف أنهم مواطنون من الدرجة الأولى، وعدم وجود ظروف تغري المهاجرين منهم بالعودة”.

وضرب مثالا على تغييب الصوت المسيحي، وعدم الاستماع الى مطالبهم: منذ سنوات نطالب بسجل انتخابات خاص بالمسيحيين “حتى يختار المسيحي من يمثله في البرلمان، لكن لا حياة لمن تنادي”.

تعليقا على دعوة الزيدي، يقول الكاتب جرجيس توما، ان تشجيعهم على العودة فقط من خلال وعود بتوزيع قطع أراضي عليهم، أمر لا معنى له.

ويتابع:”المسيحيون يمتلكون بلدات خاصة بهم، ولاسيما في نينوى، فضلاً عن عقارات دينية وسكنية وتجارية في عموم البلاد “فهم السكان الاصليون في البلاد، لذا لاحاجة لإغرائهم بأرض سكنية ليعودوا من أجلها!!”.

ويشير إلى أنهم “تعرضوا إلى استهدافات ممنهجة ومدروسة، بدأت منذ سقوط نظام صدام في 2003، بمحاولة طردهم من المدن الكبيرة، بغداد والموصل والبصرة وغيرها، بهدف شراء عقاراتهم بأثمان بخسة، وتم قتل العشرات وخطف اضعافهم بهدف الابتزاز، وتم الاستيلاء على الكثير من عقاراتهم بأشكال مختلفة بما فيها التزوير، وكل ذلك كان تحت انظار السلطات العراقية، فضلاً عن القوات الامريكية التي كانت منتشرة في البلاد الى أواخر 2011”.

ويُذكِر توما، بما حصل بعد العاشر من حزيران/يونيو 2014، وهو تاريخ سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل:”ابتداءً من ذات اليوم، تعين على المسيحيين الخروج من منازلهم بالثياب التي عليهم، وغادروا إلى سهل نينوى، ثم لحق بهم التنظيم إلى هنالك كذلك في شهر آب 2014، لتفرغ منهم نينوى بالكامل للمرة الأولى منذ الفي سنة!”.

ويشترط، لعودة المسيحيين جملة متطلبات يقول بان الساسة ورجال الدين المسيحيين لايذكرون البعض منها علانية، ربما الأول يكمن في “رفع ايدي عناصر الحشد الشعبي الشبكي (اللواء 30) عن سهل نينوى، الذي فرض واقع حال يغلب فيه وجود الشبك على المسيحيين”. وكذلك تحييد دور جهات مسيحية تابعة للحشد الشعبي (بابليون) بزعامة ريان الكلداني “المتهم بقضايا فساد وانتهاكات بحق السكان في المنطقة”.

وايضاً “العمل بنحو جدي على إعادة العقارات التي سلبت من المسيحيين بطرق مختلفة سواء من قبل المجاميع السنية المسلحة أو الفصائل الشيعية المسلحة أو التي زورت عصابات اوراقها وبيعت مرة أخرى لآخرين”.

030

دولة مواطنة لا طوائف

والأهم، كما يرى توما، هو تغيير منهجية ادارة الدولة، من “دولة الطوائف وامتيازاتها” الى دولة المواطنة، حتى يكون الجميع شركاء فيها، ويتمكن المسيحي كما الآخرون من اعتلاء المناصب العليا ويكونوا جزءا من القرار. والى أن يتحقق ذلك يدعو الى منح المسيحيين مساحة سياسية أوسع “من الكوتا” في الحكومات المحلية للمحافظات التي يتواجدون فيها ولاسيما نينوى، أو في مجلس النواب العراقي.

الى جانب ذلك، يقول بأن الدولة والمجتمع في حاجة الى إعادة بناء الثقة بين مكوناته، فالمسيحيون يحتاجون الى اعادة ثقتهم بمحيطهم التي تزحزحت في العقدين الأخيرين. ويشير الى ان ذلك لن يحصل “ما لم يثق المسيحي بأن الدولة التي يعيش فيها، والقانون السائد فيها، هو للجميع. دولة مدنية وليست دينية او طائفية او قومية”.

ويوضح :”الكثير من المسيحيين لديهم قصص مع جيران او معارف استولوا على أموالهم، وهي ماثلة في اذهانهم، والدولة عجزت عن حمايتهم، الامر الذي يفسر عدم عودة سوى عدد قليل من العائلات المسيحية فقط الى مدينة الموصل التي فيها اكثر من ثلاثين كنيسة بعضها الاقدم في العالم من اصل آلاف كانوا هناك قبل 2014″.

لقاء المسيحيين في مشيغان.. ومغازلة ترامب !

محافظ نينوى عبد القادر الدخيل الذي رافق رئيس الوزراء العراقي ضمن الوفد الزائر للولايات المتحدة في 13 تموز/يوليو أكد ان لقاءً جرى بين الوفد وممثلين عن الجالية الكلدانية المسيحية العراقية في ولاية مشيغان، من أجل متابعة عودة المسيحيين المهاجرين الى البلاد، وأن رئيس الوزراء وعدهم بتقديم كل الدعم من اجل تسهيل العودة.

ويتمثل هذا الدعم وفقاً للدخيل، بتقديم خدمات”حقيقة” من خلال استحداث اقسام بلدية جديدة في مناطق المسيحيين، و”وتسهيل عمل الشركات المسيحية” يقصد بها الشركات التي يملكها مسيحيون في قطاعات الصحة والنفط وغيرها من القطاعات.

وذكر ان للمسيحيين العراقيين في ولاية مشيغان “رؤوس أموال كبيرة تسهم في الميزانية الامريكية، وان أصحابها أبدوا رغبتهم في استثمارها بداخل نينوى ومدينة الموصل”.

محافظ نينوى، أشار الى أن هنالك حاليا عودة للمسيحيين النازحين الى مناطقهم في سهل نينوى، وأنه يأمل ان تكون هنالك عودة أيضا للمسيحيين المهاجرين من مدينة الموصل “لأنهم سكان الموصل الأصليين، وسنقدم كل الدعم من أجل عودتهم”.

مدير مكتب العراق لمؤسسة الجالية الكلدانية الأمريكية، في مشيغان، غزوان الياس، أكد تقديمه ورقة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي، خلال لقاء جمعه به في مشيغان، بوصفه ممثلاً عن الكلدان، ضمت “الحقوق الإدارية والثقافية والدينية والسياسية والحكومية”.

ويوضح:”بعضها مرتبط بالحقوق القانونية والدستورية للمسيحيين، واعمار القرى المدمرة نتيجة الحرب، وتقديم مشاريع للقرى والبلدات المسيحية في سهل نينوى وعموم العراق، ومشاركة المسيحيين في الوظائف الحكومية المهمة”.

ويضيف:”كان متفهما لطلباتنا، ووعدنا بتذليل كل التحديات، وستكون بداية جيدة ليس فقط للمسيحيين المتبقين في العراق، بل كذلك للمسيحيين الذين هاجروا البلاد في ظروف قاهرة وقعت في أوقات سابقة”.

وحملت زيارة الزيدي الى مشيغان، أهمية خاصة، بما قدمته من رسائل داخلية وخارجية، بسبب الثقل السكاني للمسيحيين العراقيين فيها، حيث يبلغ تعداد الجالية الكلدانية في الولاية نحو 200 ألف شخص، وهم من أصل ما يزيد عن 500 ألف مسيحي عراقي في الولايات المتحدة الأمريكية. يقول غزوان، أن لهم تأثيراً سياسياً واقتصاديا واجتماعيا جيدا في الولاية”.

فجأة تذكروا المسيحيين !

(هـ . س) كاتب وباحث من سهل نينوى، طلب الإشارة الى اسمه بالحرفين الأولين، يقول بأن الحكومة العراقية:”تذكرت فجأة المسيحيين، وذلك قبل أيام من زيارة الوفد الحكومي الى الولايات المتحدة الامريكية، التي تتواجد فيها جالية مسيحية بوسعها التأثير حتى على الموقف الرسمي هناك تجاه بغداد!”.

“إذن هذا هو السبب، الحصول على رضا ترامب، وليس مصلحة المسيحيين”، يقول (هـ.س)، ويقدم دليلاً على ذلك، بأن رئيس الوزراء أخذ معه ضمن وفده محافظاً واحداً فقط هو محافظ نينوى، حيث يتواجد ضمن ادارته غالبية المسيحيين المتبقين في العراق خارج إقليم كردستان، “وظهر الدخيل في وسائل الاعلام وهو يتحدث عن الوعود الحكومية للمسيحيين الذين يريدون العودة مجددا الى العراق”.

وتساءل لماذا تم تقديم الوعود الى المسيحيين، ومقابلة وفد ديني يمثلهم، قبل ساعات فقط من الذهاب الى واشنطن “هذا يؤكد ان هذه الحكومة تريد ان تستفيد من ورقة المسيحيين في زيارتها ومفاوضاتها، في حين كان عليها وعلى سابقاتها انصاف المسيحيين ومنحهم حقوقهم بلا بهرجة ودعاية موجهة للخارج، دون أثر على الأرض”.

المهاجرون لن يعودوا.. أهتموا بمن بقي

تعليقا على دعوة المسيحيين المهاجرين للعودة الى العراق، يقول الناشط المدني لؤي باسم، ان المسيحيين الذين غادروا البلاد قبل او في 2014، استقروا في البلدان التي هاجروا اليها، وغالبيتهم حصلوا على جنسياتها وباتوا مواطنين كاملي الحقوق هناك، وأسسوا لحياة جديدة “لذلك فهم لن يعودوا، ورئيس الوزراء يعرف هذا جيداً”.

ويضيف:”بدلا من اطلاق دعوات لن تتحقق وفي ظل دولة تحكمها الامتيازات والمحسوبيات وليس القوانين، على الحكومة ان تركز جهودها في الحفاظ على المسيحيين المتبقين في البلاد، وأن يتوجه الاهتمام إليهم بقطع الأراضي والوظائف وغيرها من المغريات، التي هي في الأصل حقوق بسيطة، وتريد الحكومة العراقية ان تجعلها مكارم”.

ويؤكد بان الغالبية الساحقة من المسيحيين الذين بقوا في العراق، هم إما كبار في السن مرتبطون بأرضهم ولا يريدون مغادرتها بتجربة حياة جديدة، أو من الذين لم يجدوا فرصة مواتية للهجرة وهم ينتظرونها وسيهاجرون دون تردد اذا حصلوا عليها، أو رجال دين واداريين لهم علاقة بطريقة او بأخرى بدور العبادة وادارة شؤون المسيحيين.

• انجز التقرير تحت اشراف شبكة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية

المزيد عن تقارير إخبارية

تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34880}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">