محمد جواد الميالي
لفهم أي حدث سياسي أو أمني، ينبغي أن نفكك مكوناته وفق قاعدة بسيطة، طالما أثبتت نجاحها في قراءة الأحداث الكبرى، وتتمثل ببساطة في البحث عن الفاعل، والسؤال عن المستفيد والمتضرر.
عند قراءة حملة “صولة الفجر” التي عنوانها المعلن البارز هو مكافحة الفساد، فإن السؤال الأهم، ليس: هل يوجد فساد محمي من النظام، ولا: هل يمكن محاسبة بعضهم؟ فهذا الأمر لا يختلف عليه اثنان، إنما السؤال، هل تستهدف الحملة “حيتان” الفساد، أم أنها ستظل في دائرة “السردين”؟ وهل تؤسس لمرحلة جديدة من بناء الدولة، وهذا هو المهم؟. أم أنها تعيد لذاكرتنا حملة رئيس الوزراء السابق محمد السوداني ضد صاحب سرقة القرن نور زهير؟!
تحول الفساد في العراق خلال العشرين سنة الماضي، من سلوك فردي إلى منظومة اجتماعية متكاملة، لها أدواتها السياسية والاقتصادية والإدارية، حتى أصبح من الصعب الفصل بين النفوذ السياسي والكانتونات الاقتصادية، لذلك فإن اعتقال عدد من المسؤولين، مهما كانت مناصبهم، لا يعني بالضرورة أن الدولة نجحت في تفكيك منظومة الفساد، لأنها أكبر من الأشخاص، وأكثر تعقيدا من أن تختزل في أسماء أو مناصب.
الأخطر من ذلك أن المجتمع نفسه أصبح، في بعض جوانبه جزءا من هذه المنظومة، فالفساد لا يبدأ من الوزير أو المدير العام والمسؤول الحزبي، بل قد يبدأ من المواطن الذي يبحث عن واسطة، أو يدفع رشوة لتسريع معاملة، أو يقبل بتجاوز القانون إذا كان ذلك يحقق له منفعة شخصية، ومع تكرار هذه السلوكيات يتحول الفساد لثقافة عامة، ثم يصبح عرفا اجتماعيا، قبل أن يتحول لنظام غير مكتوب، يحكم العلاقة بين المواطن والدولة ويصبح جزءا من المنظمة الاجتماعية والادارية والسياسية.
مكافحة الفساد ليست مجرد مواجهة مع مسؤولين متهمين، بل هي صدام مع ثقافة تراكمت عبر سنوات، رسخت فكرة أن القانون يمكن تجاوزه، وأن النفوذ أقوى من العدالة، وأن المال قادر على شراء الولاء والصمت والقانون.
وهنا يبرز السؤال: من رسخ هذه الثقافة في المجتمع ومن رعاها داخل السلطة؟ وهنا تكاد تكون الاجابات على هذا السؤال الكبير متطابقة !
النجاح.. التأثير والتغيير
إن أي حملة واسعة ستخضع بطبيعة الحال لقراءات متعددة، وسيحاول كل طرف تفسيرها وفق موقعه السياسي، لكن المعيار الحقيقي للحكم على نجاحها لا يقاس بالانطباعات، وإنما بمدى تأثيرها وفعاليتها وشمولها لجميع مراكز النفوذ.
وهنا تبرز أهمية استقلالية القضاء، وشفافية التحقيقات، وعدم وجود حصانات غير معلنة لأي جهة سياسية أو إدارية، فإذا شعر المواطن أن القانون يطبق على الجميع، من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول، فإن الثقة بالدولة ستكبر، أما إذا غابت العدالة، فكل حملة ستكون عرضة للتشكيك، وستُفسر بأنها صراع سياسي وليست مشروع وطني للإصلاح.
وبالتالي، المشكلة الحقيقية ليست في وجود فاسدين، فكل الدول تشهد فسادا بمستويات وأشكال مختلفة. وإنما في غياب الردع الحقيقي، حين لا يخشى الفاسد من ارتكاب الجريمة لأنه يعتقد أن العقوبة غير موجودة او مؤجلة، أو أن النفوذ سيحميه، أو أن التسويات السياسية ستنقذه، لذا فإن بناء دولة قوية يبدأ من جعل تكلفة الفساد على القائمين به، أعلى بكثير من مكاسبه لهم.
اصلاح الإدارة ورقمنة الخدمات
كما ان الدولة التي تريد القضاء على الفساد، تحتاج اضافة لمعاقبة الفاسدين، إلى إصلاح إدارتها التي تسمح بنشوء الفساد، وإغلاق الثغرات ومنافذ الهدر، ورقمنة الخدمات، وتقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، وتعزيز الرقابة وآليات المساءلة.
كما تحتاج الى ترسيخ التربية على قيم الحق والعدالة والنزاهة، واحترام القانون منذ المدرسة وحتى الجامعة، فالوقاية أقل كلفة من العلاج، وبناء ثقافة النزاهة أكثر استدامة من ملاحقة الفاسدين بعد وقوع الجريمة.
العراق لا يحتاج إلى حملات موسمية ضد الفساد، وإنما لمشروع وطني دائم، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، فالأولى لا تستطيع النجاح والتقدم، إذا كان المجتمع يتسامح مع الفساد والفاسد ويطبل له ويبجله “لامتلاكه سلطة المال”، كما أن المجتمع لا يستطيع أن يواجه الفساد، إذا كانت مؤسسات الدولة تحمي الفاسدين وتعجز عن فرض القانون.
إن معركة العراق الحقيقية ليست مع أفراد، بل مع منظومة أنتجت نفسها عبر سنوات طويلة، استطاعت أن تتغلغل في السياسة والإدارة والاقتصاد، وحتى في بعض أنماط السلوك الاجتماعي، لذلك فإن إسقاط هذه المنظومة لا يتحقق باعتقال هذا المسؤول أو ذاك، وإنما ببناء دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، ويكون المنصب مسؤولية لا امتياز.
عندها فقط يمكن القول إن معركة مكافحة الفساد قد بدأت فعلا، لا لأنها أطاحت بأشخاص، بل لأنها غيرت القواعد التي سمحت للفساد أن يتحول من حالات فردية، إلى منظومة تهدد مستقبل الدولة والمجتمع.