في العراق، لا يكفي امتلاك شهادة جامعية عُليا ولا الانتماء لطبقة اجتماعية مرموقة، لتكون محصناً من العنف، ما دمتِ تحملين تاء التأنيث الساكنة؛ فالمصير ضحيةٌ في الغالب، مع وقف التنفيذ إن حالفها الحظ.
ليس الجناة وحدههم متورطين بذلك، إنما هي منظومة قانونية اجتماعية تجعل من النساء مكوناً اجتماعياً من درجة دُنيا، فلا يمضي أسبوع دون أن تزلزل مواقع التواصل الاجتماعي حادثة تجسد شكلا من أشكال تعنيف المرأة، حرمانها أو تشويهها أو قتلها.
آخر أطوار هذه الجريمة الممتدّة، كان تشويه طبيبة التخدير المعروفة بـ”فيروزة” بالزيت الحار من قبل زوجها السابق لأسباب مازال يجهلها الرأي العام، وليست “فيروزة” هي الوحيدة التي خسرت وجهها فلا ننسى مريم التي شوهها من رفضت الزواج به بمادة “التيزاب” لتبدأ رحلة من العمليات الجراحية التجميلية المستمرة منذ العام 2022.
ومع التعاطف المستمر والمناداة بتشريع قانون يحمي النساء، نجد دائماً من يبرر للجاني ويتعاطف معه سواء اتضحت الدوافع أم لم تتضح، فتتجلى متلازمة ستوكهولم -التعاطف مع الجاني- في عبارات “اكيد هي استفزته”، “الله يعلم شمسويه”، “ماقبلت بي لأن عندها غيره” وتجسد بشكل مخيف هشاشة واقع حماية النساء في العراق.
خلل المنظومة .. غياب القوانين
لا يمكن عزل ردود الفعل هذه، عن الخلل البنيوي في منظومة القانون والقضاء في البلاد، فليس لدينا قانون يجرم “خطاب الكراهية” الذي أثبتت التجارب أنه قادر على خلق مجازر. علاوةً على أن أكثر من عشرين عاماً من سعي منظمات مجتمع مدني وشخصيات سياسية ترى في حقوق النساء ضرورة، لم يغير موقف 6 دورات برلمانية في أهمية تشريع قانون يحمي النساء والأطفال من أشكال التعذيب المختلفة التي لم تعد أعين العراقيين تستغربها؛ فكلما ظهرت حادثة نكتشف أننا شهدنا أقسى منها.
على العكس، شرّعت الدورة البرلمانية الخامسة قانوناً يذل النساء وهو الأسوأ في تاريخ الدولة العراقية (القانون الجعفري) بنظر الكثير من النساء والنشطاء. كذلك لم يؤسس مجلس القضاء الأعلى محكمة خاصة بالعنف الأسري، ربما لأن الأمر يحتاج الى توافق سياسي وتخصيص مالي لا نملك رفاهيتهما سوية، خصوصاً مع ضياع المليارات ودفنها في مزارع وقصور الفاسدين.
فوق ذا وذاك تأتي المنظومة العشائرية لتضع “فوق الحمل تعلاوة” وتُغيب قضايا العنف الأسري عن الجلسات العشائرية وكأن العشيرة خلقت لتحمي رجالها دون نسائها.
كل هذه المؤثرات ساهمت في استهانة واضحة بحياة النساء وكوّنت وعياً جمعياً مشوهاً تجاه حقوق النساء فما أن ينادى بقانون يحميهن حتى تنهال التهم الجاهزة بانعدام الاخلاق ومحاولة تحويل المجتمع العراقي إلى آخر منحل تسود فيه المثلية أو العلاقات غير الشرعية، وما أن تدافع عن ضحية عنف أسري حتى نُقذف بـ”النسوية” التي يعتبرها كثيرون، على نحو مشوّه، شتيمة.
ضريبة عدم الأمان
حينما نصحو على جريمة مشابهة لجريمة فيروزة يذهب النقاش سريعاً إلى بعد إنساني عاطفي جنائي بحت، وعلى الرغم من أهمية هذا البعد إلّا ان كثيرين يتغافلون عن البعد الاقتصادي التنموي للعنف خلف الأبواب المغلقة على مختلف مستوياته.
يتعدى العنف الأسري في جوهره، كونه مأساةً شخصية، فهو في الأساس يستنزف المنظومة القضائية والأمنية، هذا مع وصمة العار وخوف النساء من التبليغ عن العنف واللجوء إلى القضاء في بيئة اجتماعية لا تبيح للنساء رفع اصواتهن.
90% من القضايا في المحاكم هي قضايا عنف واعتداء وتحكم قسري تجاه النساء، كما شهدت هذه القضايا ارتفاعاً بنسبة 150% في 2025 بواقع أكثر من 36 ألف قضية. يستنزف التحقيق وملاحقة الجناة وإدارة ملفات المحاكم في هذه القضايا وقتاً وموارد بشرية ومالية كبيرة في وقتٍ يفترض فيه أن توجه نحو الجريمة المنظمة والفساد. مع ذلك، شهدت حالات كثيرة من العنف الأسري المفضوح افلاتاً من العقاب بسبب نفوذ الجاني أو عائلته، أو فجوات قانونية يمكن استغلالها.
ويؤثر العنف الأسري كذلك على امكانات القطاع الصحي، فتشهد المستشفيات يومياً حالات تستوجب التدخل الطارئ وربما الجراحي والنفسي طويل الأمد.
معظم ذلك يمكن تجنبه بتشريع قانون رادع يحمي النساء ويوفر علينا أموال الدولة.
فيروزة لن تكون الأخيرة
تعد النساء من الفئات الهشة كما الأطفال والأقليات لذا فحقوق النساء هي إحدى معايير حقوق الانسان، ومستوى حقوقهن في بلد ما يعطي صورة واضحة لحقوق الإنسان فيه.
لكن العقلية الحاكمة-المشرّعة في العراق ترى في حماية النساء عائقاً -لا أعلم أمام ماذا غير ذكوريتها- وترى في استمرار النساء تحت وطأة القوانين التمييزية، ضمانةً للسلطة.
القوانين العراقية، ومنها بعض مواد قانون العقوبات العراقي 111 لسنة 1969 المعدّل، فيها تمييز واضح ضد النساء، وهذا هو العامل الأهم في استسهال جرائم العنف الاسري وتقبلها من قبل المجتمع فالقوانين، إضافة إلى الردع، تخلق ثقافة موجهة.
في العراق، الحقيقة هي أن العنف الأسري، بمختلف مستوياته، بات وسيلةً لتصفية الحسابات في ظل الفجوات القانونية والتمييز القانوني الصارخ ضد النساء، وللأسف فيروزة لن تكون الأخيرة، وكلنا قد نكون فيروزة مع فارق التوقيت وتفاصيل الجريمة.