تقارير إخبارية: التسوية المالية في جرائم المال العام: وسيلة لمحو الجريمة أم آلية لاستعادة الأموال؟

التسوية المالية في جرائم المال العام: وسيلة لمحو الجريمة أم آلية لاستعادة الأموال؟

يرى كتاب وباحثون ان "التسوية" هي مخرج سياسي صمم لبعض القيادات الكبيرة ومساعديهم، يُمكنهم من البقاء بعيدين عن المساءلة القانونية مقابل اعادة جزء من الأموال التي سرقوها. وانها تفتح الباب أمام ما يمكن وصفه "بمغامرة السرقة المحسوبة" للمال العام، دون خوف. ويحذر آخرون من تداعياتها: هي تُبطل مشروع استعادة الدولة، وتنال من شرعية السلطة، وتمنح الفاسدين هامشا جديدًا للحياة، وتُطيل عمر منظومة الفساد.

أعلن مجلس القضاء العراقي، في بيان نشره الجمعة، 10 تموز/يوليو 2026 التوصل الى اتفاق مع رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، يقضي بتخفيف الإجراءات القانونية بحق المتهمين الذين “يعيدون الأموال المنهوبة” طوعا، بالتوازي مع “مواصلة ملاحقة المتورطين في أبرز قضايا الفساد واسترداد الأموال العامة”.

البيان أوضح أن سياسة المجلس، في قضايا مكافحة الفساد ترتكز على هدفين رئيسيين، أولهما: محاسبة مرتكبي جرائم الفساد المالي والإداري. وثانيهما: استعادة أموال الدولة. ولتحقيق الهدف الثاني: “قد يتطلب في بعض الحالات، تخفيف الإجراءات القانونية أو العقوبات بحق المتهمين، بما يتوافق مع أحكام الدستور والقانون”.

وعلى الرغم من ذلك، أشار البيان إلى:”استمرار الإجراءات القانونية بحق وكيل وزارة النفط السابق، عدنان الجميلي، وباقي المتهمين في قضية المصافي”.

وكانت السلطات العراقية الأمنية قد اعتقلت عدنان الجميلي في أيار مايو 2025، وأدت اعترافات قدمها لجهات التحقيق إلى كشف شبكة فساد واسعة أسفرت في أيامها الاولى عن توقيف 67 شخصاً بين أعضاء في مجلس النواب ومسؤولين بدرجات وظيفية مختلفة ورجال أعمال.

فضلاً عن استعادة مبالغ قدرت في حينها بـ141 مليار دينار عراقي، و 24 مليون دولار أمريكي، وكميات من الذهب، ووضع اليد على العديد من العقارات، قبل ان ترتفع سقوف المبالغ واعداد العقارات.

الإعلان الحكومي عن السعي نحو تخفيف الإجراءات القانونية بحق متورطين بالفساد أو كما يعرف في أروقة القانون بـ”التسوية” اثار جدلاً واسعاً في الشارع العراقي، اذ يعده كثير من الناس “افلاتاً من العقاب المطلوب” وتخفيفاً من الجريمة يشجع على استمرارها، فيما يرى البعض أن في استرداد الأموال تحقيقاً للمصلحة العامة، حتى وإن نجم عن ذلك عدم إيقاع عقوبة كاملة بحق الجناة.

وزارة المالية أصدرت يوم السبت 11 تموز/يوليو، بياناً أكدت فيه أن “حماية المال العام واستعادة أموال الدولة المنهوبة أولويتنا القصوى”. وأن الوزارة ترى أن “أي آلية لتسديد المبالغ المترتبة بذمة المحكومين، يجب أن تضمن استيفاء كامل حقوق الخزينة العامة، وأن تكون ملزمة وقابلة للتنفيذ، بما يحفظ المال العام وحقوق الدولة”.

جاء ذلك بالتزامن مع تطمينات مجلس القضاء بشأن ماهية التسوية، ضمن توجه رسمي عام يفيد بأن المال العام محمي من قبل السلطة التنفيذية، وانها تتابع عن كثب المتجاوزين عليه.

استرداد المال أم الثقة؟

الكاتب والإعلامي محمد علي الحيدري، يقول بأن أي جهد قانوني أو مؤسسي يهدف إلى إعادة الأموال يستحق الاهتمام والتقدير:” لأن حماية المال العام تبقى مسؤولية وطنية تتجاوز الحكومات والأشخاص”.

وهو يرى بأن استرداد المال أهم تحد تواجهه الدولة التي تسعى إلى ترميم مؤسساتها وتعزيز ثقة مواطنيها. ويضيف:”الأموال التي تخرج من الخزينة بطرق غير مشروعة ليست مجرد أرقام في سجلات المحاسبة، بل هي مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لم تُجهز، وطرق لم تُعبَّد، وفرص حياة أفضل ضاعت على ملايين المواطنين”.

غير أنه ينبه الى أن “البحث في آلية لإعادة أموال الدولة مقابل تخفيف بعض الإجراءات القانونية يفتح باباً لنقاش مشروع حول الكيفية التي يمكن بها تحقيق هذا الهدف من دون أن يتأثر الشعور العام بالعدالة”. ويؤكد:”المال العام يمكن استعادته، أما الثقة العامة فاستعادتها أكثر تعقيداً”.

ويفسر حساسية الرأي العام العراقي تجاه مثل هذه الأفكار (يقصد بها تخفيف الاجراءات القانونية-التسوية- مقابل استرداد الأموال)، ان “المجتمع عاش سنوات طويلة وهو يشاهد ملفات فساد ضخمة تتصدر الأخبار، فيما بقيت نتائج كثير منها أقل من حجم التوقعات الشعبية، لذلك أصبح المواطن ينظر إلى أي حديث عن التخفيف أو التسوية بعين القلق، لا لأنه يرفض استعادة الأموال، بل لأنه يخشى أن تتحول العدالة في نظره إلى معادلة مالية يمكن تسويتها بعد وقوع الجريمة”.

ويتابع:”العدالة لا تقوم على استرجاع الحقوق وحدها، وإنما على ترسيخ القناعة بأن الاعتداء على المال العام يترتب عليه حساب قانوني واضح، وأن القانون يؤدي وظيفته في الردع قبل العقوبة، وفي حماية المجتمع قبل معالجة آثار الجريمة”.

ويقول الحيدري، أن “السؤال الحقيقي لا يتعلق بمبدأ استعادة الأموال، فذلك هدف لا يختلف عليه اثنان، وإنما يتعلق بالضمانات التي تجعل هذه الآلية استثناءً منضبطاً لا قاعدة عامة، وتؤكد أن استرداد المال العام لا يأتي على حساب المساءلة، بل يسير معها في الطريق نفسه”.

وبناء على ذلك فهو يعتقد بأن “قوة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها على استعادة ما فقدته من أموال، وإنما أيضاً في قدرتها على طمأنة مواطنيها بأن القانون يبقى فوق الجميع، وأن هيبة العدالة لا تقل أهمية عن قيمة الأموال المستردة”.

ويستدرك:”المال العام يمكن أن يعود إلى الخزينة، أما العدالة، إذا غادرها شعور الناس، فإن طريق عودتها سيكون أطول وأصعب بكثير”.

قانون لاسترداد عائدات الفساد

في مقال، نشر في موقع مجلس القضاء العراقي الأعلى، يقول المهندس علي ستار، أن مجلس القضاء الأعلى وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أنجز دراسة تحليلية موسعة لمنظومة استرداد الأصول في العراق، استندت إلى تحليل (482) قضية جزائية و(60) دعوى مدنية.

وانتهت إلى أن العراق يمتلك الأسس القانونية والمؤسسية اللازمة للاسترداد الفعال، وأن الأولوية تكمن في جعل الإجراءات أكثر انتظاماً وتنسيقاً، عبر تعزيز الترابط بين المسارين الجزائي والمدني، وتحسين آليات التعرف المبكر على الأصول وحجزها قبل تهريبها أو إخفائها.

ويشير إلى أن المسار يكتمل بما يجري على الصعيد التشريعي والتنظيمي من دفعٍ باتجاه إقرار قانون متكامل لاسترداد عائدات الفساد “يسد الثغرات القائمة ويواكب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد”، وبما استُحدث من أطر مؤسسية عليا للنزاهة والرقابة والاسترداد تتكامل فيها جهود السلطات ولا تتقاطع، على أن “يبقى القضاء وحده صاحب الكلمة الفصل في التجريم والمصادرة”.

وبهذا فان علي ستار، يرى بان القضاء العراقي يمارس مهامه كما يجب، بعيداً عن الاعلام، وان ما يظهر من انجاز، يكون نتيجة جهد كبير يبذل من مختلف الحلقات القضائية دون “اعلان أو ضجيج”.

بخلافه، يعتقد الكاتب باسل فائز الأسعد، أن القضاء العراقي لا يملك الاستقلالية الكاملة التي تتيح له تقصي جرائم الاستيلاء على المال العام بمعزل عن “الدفع السياسي” حسب تعبيره.

ويقول ان “لم يكن الأمر كذلك، فلم عرفنا بوجود هذه السرقات كلها الان؟ لماذا تحسب لرئيس الوزراء علي الزيدي، الذي لم يمض على وجوده في رأس الحكومة سوى أسابيع قليلة فقط، مع ان الأموال هذه سرقت في عهد الحكومة السابقة، واضعاف اضعافها ربما سرق في عهود الحكومات الأخرى التي قبلهما، فهل ادرك القضاء الآن فقط دوره؟ “.

ثم عاد ليقول:”وأيضا، لماذا لايتحرك القضاء ضد زعماء الأحزاب، والمسؤولين الأكبر من عدنان الجميلي وغيره؟ فهل من الاستقلالية بشيء ان تمتد يد القضاء بنحو انتقائي، فتنزل عقوبة على هذا، وتتغاضى عن ذاك، وتجري تسوي مع الثالث؟ ان في هذا هدر كبير للحق والمال العامين”.

وسيلة لتحقيق العدالة ام للإفلات من العقاب؟

إزاء التخوفات من ان تتحول التسوية مع المتجاوزين على الأموال العامة، إلى وسيلة للإفلات من العقاب، يقول عميد كلية القانون والعلوم السياسية في جامعة الشعب، د.أمير طالب هادي التميمي، أن التسوية المالية في جرائم المال العام تؤدي وظيفة محددة تتمثل بـإعادة المال إلى ذمة الدولة بعدها الى الجهة المتضررة، لا منح المتهم أو المحكوم طريقاً آلياً للإفلات من آثار الجريمة او ثمرتها.

ويضيف:”لم يعد النظر إلى جرائم المال العام، مقصوراً على أثرها الجزائي المتمثل في العقوبة، وإنما اتسع ليشمل أثرها المالي بوصفه جوهر الاعتداء وموضع الحماية”، وأن المال العام لا تحميه العقوبة وحدها إذا بقي الضرر قائما، ولا يتحقق الردع الكامل إذا انفصلت المساءلة الجزائية عن واجب الاسترداد.

ويلفت إلى أن موضوع التسوية زادت أهميته، بعد صدور القانون رقم (2) لسنة 2025، التعديل الثاني لقانون العفو العام رقم (27) لسنة 2016، إذ ربط المشرّع بين إمكان الشمول بالعفو في جرائم اختلاس وسرقة أموال الدولة وإهدار المال العام وجرائم الفساد المالي والإداري، وبين تسديد ما بذمة المشمول من أموال بإجراء تسوية مع الجهة المتضررة تضمن استرداد الأموال العامة وتسديد المبلغ كاملاً وفقا للقانون وعليه.

ويؤكد:”التسوية المالية لا تُفهم بوصفها صلحا مجردا، ولا تنازلاً عن الحق العام، وإنما بوصفها شرطا قانونيا منضبطا لاسترداد المال العام قبل ترتيب أثر العفو، متى كانت الجريمة داخلة في النطاق الزمني والموضوعي لقانون العفو”.

ويوضح د. أمير، التسوية المالية المقصودة في جرائم المال العام، بانها ليست “اتفاقا رضائيا مطلقا بين المتهم والجهة المتضررة، بل هي إجراء قانوني غايته استرداد المال العام كاملاً، فالجهة الحكومية لا تتعامل مع مال تملكه ملكية خاصة، وإنما تتعامل مع مال مخصص للمصلحة العامة، ومن ثم لا تملك التفريط به أو الاكتفاء بتنازل شكلي أو تعهد غير منتج”.

ويلفت إلى أن التعديل الثاني لقانون العفو العام، قد عبر عن هذا المعنى حين اشترط أن تكون التسوية مع الجهة المتضررة ضامنة لاسترداد الأموال العامة “وهذا الشرط يكشف أن مناط الشمول ليس مجرد وجود ورقة تسوية، بل تحقق أثرها المالي الفعلي أو القانوني المؤدي إلى إعادة المال العام”.

ويميز د. أمير بين ثلاث حالات، الأولى: حالة التسديد الكامل، وهي “أوضح صور تحقق الشرط”، والثانية:”التسوية القانونية التي تضمن استرداد كامل المبلغ وفق آلية معتمدة من الجهة المتضررة” والحالة الثالثة:”التعهد أو الاتفاق غير المضمون. وهذه الأخيرة لا تكفي وحدها لترتيب أثر العفو، فالتسوية لا تكون منتجة، إلا إذا كانت محددة المقدار، صادرة عن الجهة المختصة، ومؤدية إلى ضمان استرداد المال العام”.

وبذلك، يطمئن د. أمير، المشككين بالتسوية في جرائم المال العام، في أنها ليست طريقًا لمحو الجريمة، ولا وسيلة لتعطيل الردع الجزائي، وإنما هي “آلية قانونية لاسترداد المال العام ضمن شروط محددة.

وأثنى على المشرّع العراقي (مجلس النواب) لأنه “ربط الشمول بالعفو في هذه الجرائم بتسديد الأموال أو إجراء تسوية تضمن استردادها كاملة”.

وأثنى كذلك على محكمة التمييز الاتحادية:”حين جعلت التحقق من الضرر والجهة المتضررة والتسديد أو التسوية شرطا سابقا على تقرير الشمول بالعفو فإن الاتجاه القضائي المستقر يقرر أن العفو لا يُفترض، وأن التسوية لا تُقبل بصورة شكلية، وأن حماية المال العام تظل قائمة حتى عند بحث الشمول بالعفو العام”.

التسوية تحول السرقة “لمغامرة محسوبة”

الصحافي والكاتب حسين أسكندر، يرى في التسوية مخرجا سياسيا صمم لبعض القيادات الكبيرة ومساعديهم، يُمكنهم من البقاء بعيدين عن المساءلة القانونية مقابل اعادة جزء من الأموال التي سرقوها.

وينبه ان ذلك بشكل او آخر يضعف الدولة وقدرة القانون على المحاسبة الجزائية، ويهدد فكرة العقوبة والردع، وهو يفتح نافذة أما كبار السراق وصغارهم، بالدخول في “مغامرة السرقة المحسوبة للمال العام” دون خوف، بوجود مخرج التسوية، فاذا لم تُكتشف سرقاتهم فازوا بالجائزة، وان اكتشفت يذهبون الى تسوية لاعادة كل أو جزء من المسروقات، مع الافلات من العقوبة الجزائية الصارمة!

ومع المضي في فكرة التسوية كمخرج لا بديل له، لاسترداد جزء من المنهوبات، في ظل ازمة اقتصادية- مالية خانقة تسبب بها كبار السراق تحت غطاء سياسة التوافق ومحاصصة الامتيازات، يطالب أسكندر، بأحكام أو اجراءات تقصي المتورطين عن كل منصب حكومي وتمنعهم من الترشح لأي انتخابات، كما تحظر عليهم وعلى شركات المقربين منهم الدخول في العقود الحكومية. ويعد ذلك بمثابة “الحد الأدنى المقبول من الردع لمن تورط في جرم السرقة”.

بينما يعتقد الكاتب فلاح المشعل، أن التسويات:”هواؤها سياسي لا قضائي، وهي تُبطل مشروع استعادة الدولة، وتنال من شرعية السلطة، بل تمنح الفاسدين هامشًا جديدًا للحياة، وتُطيل عمر منظومة الفساد، في تحدٍّ مباشر لسلطة القضاء وهيبة الدولة” على حد قوله.

ويتابع: التسويات تمنح الفاسدين فرصةً جديدة لإعادة إنتاج نفوذهم، وتُطيل عمر منظومة الفساد، وتُضعف هيبة القضاء، وتنتقص من سيادة الدولة. فلا دولة تُبنى بالمساومات مع الفاسدين، ولا عدالة تتحقق عندما يتحول القانون إلى ورقة تفاوض، بل إن ذلك يكرّس الإفلات من العقاب، ويهدم ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساته.!

المزيد عن تقارير إخبارية

تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34817}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">